آخر الأخبار

فنزويلا بعد مادورو.. النفط لأمريكا والساحة للعصابات والديمقراطية مؤجلة

شارك

أدى التدخل العسكري الأمريكي الخاطف في العاصمة كاراكاس في يناير/كانون الثاني هذا العام إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما أثار موجة من التفاؤل لدى الفئات المعارضة التي رأت في هذه الخطوة نهاية حقبة من القمع والانهيار الاقتصادي.

ونشرت مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) وصحيفة وول ستريت جورنال (Wall Street Journal) الأمريكيتان تقريرين يتناولان وضع فنزويلا بالتركيز على غياب مادورو وحضور نظامه الديكتاتوري الذي يبدو أن الضغوط الخارجية عليه قد انخفضت كثيرا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حدود الوهم.. إسرائيل تحيي عقيدة "السور والبرج"
* list 2 of 2 لغة "الزوارق الحربية" بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز end of list

يقول خافيير كوراليس في تقريره لمجلة فورين أفيرز، إن العملية العسكرية التي نفذتها قوات أمريكية لانتزاع مادورو حققت ما فشلت فيه سنوات من الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، لكن النتائج السياسية جاءت مغايرة للتوقعات، إذ أزاحت واشنطن الديكتاتور وأبقت على نظامه قائما دون تغيير حقيقي.

أمريكا اختارت المصالح الاقتصادية

ويشير تقرير كوراليس إلى أن الولايات المتحدة، خلافا لتدخلاتها التاريخية في أمريكا اللاتينية، لم تعمل على تفكيك الحزب الحاكم أو إزاحة حلفاء مادورو، بل سمحت لنائبته ديلسي رودريغيز بتولي رئاسة البلاد، وهو ما أثار مخاوف المعارضة من غياب إرادة دولية حقيقية لدعم انتقال ديمقراطي ملموس.

أما التقرير الذي نشرته "وول ستريت جورنال" للصحفي إيان لوفيت، فيشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تبدو في عجلة من أمرها لتغيير النظام القديم، طالما أن القيادة الجديدة برئاسة رودريغيز تبدي مرونة في تأمين المصالح الاقتصادية الأمريكية وتسهيل عمل شركات النفط في البلاد.

وقد حصلت شركات نفط أمريكية بالفعل على تراخيص لاستئناف عملياتها في فنزويلا الغنية بالموارد، واستقبلت الأسواق الأمريكية عشرات الملايين من براميل النفط الفنزويلي في الأشهر الأخيرة، وهو ما عزز من مكانة رودريغيز لدى واشنطن التي وصفها ترامب بأنها تقوم "بعمل رائع".

زعيمة المعارضة نُصحت بعدم العودة

ورغم فوز زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بـ جائزة نوبل للسلام عام 2025، فإنها لم تتلقَّ ضمانات كافية من البيت الأبيض بشأن المسار الديمقراطي، بل نصحها وزير الخارجية ماركو روبيو بعدم العودة إلى فنزويلا في الوقت الراهن خشية تعرضها للاستهداف من النظام الذي لا يزال متمسكا بمفاصل السلطة.

إعلان

ويبدو أن إدارة ترامب وضعت خطة من ثلاث مراحل تبدأ بالاستقرار ثم التعافي الاقتصادي، وتؤجل الانتقال السياسي إلى مرحلة غير محددة، وهو ترتيب يراه كوراليس غير معتاد في عمليات تغيير الأنظمة، إذ يمنح النظام فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز موارده المالية قبل الحديث عن إصلاحات سياسية.

ويرى كوراليس أن التركيز على إنعاش قطاع النفط وتعديل قوانين الهيدروكربونات لصالح المستثمرين الأجانب يعزز نموذجا اقتصاديا تستفيد منه النخب الحاكمة والشركات الدولية، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تحسين ظروف المعيشة للشعب الفنزويلي أو تعزيز المساءلة السياسية.

إدارة ترمب وضعت خطة من ثلاث مراحل تبدأ بالاستقرار ثم التعافي الاقتصادي، وتؤجل الانتقال السياسي إلى مرحلة غير محددة، وهو ترتيب يراه كوراليس غير معتاد في عمليات تغيير الأنظمة، إذ يمنح النظام فرصة لالتقاط الأنفاس وتعزيز موارده المالية قبل الحديث عن إصلاحات سياسية

تحديات هيكلية تواجه النظام

وفي حين تم تقليص دور المجموعات المعارضة لتصبح مجرد مراقب للتفاهمات بين كاراكاس وواشنطن، يواجه النظام في الداخل تحديات هيكلية متمثلة في انتشار العصابات الإجرامية والجماعات المسلحة التي تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد، وخاصة في المناطق الحدودية مع كولومبيا.

وبحسب إيان لوفيت في وول ستريت جورنال (Wall Street Journal)، تبرز جماعة "جيش التحرير الوطني" كقوة إجرامية عابرة للحدود تفرض سيطرتها على طرق تهريب المخدرات ومناجم الذهب غير القانونية، وهو ما يهدد هدف واشنطن المعلن بوقف تدفق الكوكايين وتأمين الموارد المعدنية، إذ تعمل هذه الجماعة كدولة داخل الدولة في مناطق غياب السلطة المركزية.

وتفرض جماعة جيش التحرير الوطني قواعد صارمة في المدن التي تسيطر عليها، بما في ذلك حظر التجول وتسيير دوريات بزي عسكري، وتصفية كل من يُشتبه في تعاونه مع جماعات منافسة، مما أدى إلى فرار عشرات الآلاف من القرويين من مناطق الصراع الحدودي الممتد على مسافة 2253 كيلومترا.

مصدر الصورة جنود من جيش التحرير الوطني يقفون في تشكيل عسكري في أحد معسكراتهم في الحدود بين كولومبيا وفنزويلا (غيتي)

تحذير من "فيتنام صغيرة"

ويحذر غابرييل سيلفا، وزير الدفاع الكولومبي الأسبق، من أن أي محاولة أمريكية لاستخدام القوة العسكرية ضد هذه المجموعات قد تتحول إلى ما يشبه " فيتنام صغيرة"، نظرا لصعوبة التضاريس الجبلية والغابات الكثيفة، فضلا عن تغلغل هذه الجماعات في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسكان المحليين.

وقد استغل جيش التحرير الوطني الفراغ الذي خلفه نزع سلاح القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك" عام 2016، وعقد تفاهمات مع نظام مادورو سمحت له بالعمل بحرية داخل فنزويلا مقابل حماية الحدود من أي توغل خارجي، وهو ما جعل القضاء عليه أمرا شبه مستحيل.

وتشير البيانات الاستخباراتية التي أوردها لوفيت إلى أن الجماعة ضاعفت أعداد مقاتليها لتصل إلى نحو 7 آلاف مقاتل، نصفهم تقريبا من الفنزويليين، مما يعكس تحولها إلى منظمة إقليمية قوية تمتلك قدرات عسكرية متطورة تشمل استخدام الطائرات المسيرة في استهداف القوات النظامية الكولومبية.

ورغم قيام الرئيسة ديلسي رودريغيز بإجراء تغييرات في القيادات العسكرية بالمناطق الحدودية، فإن جيريمي مكديرموت، المدير المشارك لمؤسسة "إنسايت كرايم" (InSight Crime)، يرى أن العديد من الضباط لا يزالون يستفيدون من عوائد تهريب المخدرات والتعدين غير القانوني، وهو ما يجعل من الصعب تفكيك هذه الشبكات.

مصدر الصورة صناعة النفط في فنزويلا بحاجة لاستثمارات هائلة (رويترز)

اكتسبت شرعية لدى بعض السكان

ويؤكد الباحث رونال رودريغيز من مرصد فنزويلا بجامعة روزاريو أن هذه الجماعات اكتسبت شرعية لدى بعض السكان المحليين عبر تعويض غياب خدمات الدولة، مما يجعل الاعتماد على المداهمات والقصف الجوي وحده غير فعال في مواجهتها.

إعلان

ويتطلب التحول الديمقراطي الحقيقي في فنزويلا إجراء إصلاحات مؤسسية عميقة تشمل استقلال الهيئة الانتخابية، وإلغاء القوانين القمعية، وتفكيك الجهاز الأمني السري، وحظر التعذيب، وضمان حرية الصحافة، وهي إجراءات يرى خافيير كوراليس في "فورين أفيرز" أنها لم يتم التطرق إليها بجدية في المفاوضات الجارية حاليا.

ويصف كوراليس الوضع الراهن في فنزويلا بأنه تحول نحو "بيريسترويكا جزئية" مع تأجيل "الغلاسنوست" السياسي، حيث يتم تحرير الاقتصاد في قطاعي النفط والمعادن حصرا لخدمة المصالح المشتركة بين واشنطن والنظام، بينما تظل المنظومة السياسية مغلقة أمام القوى الديمقراطية.

رهان النظام والمعارضة

ويراهن النظام الحاكم على كسب الوقت واستغلال الانفتاح الاقتصادي لاستعادة قدراته المالية، في حين تجد المعارضة نفسها أمام خيار وحيد وهو الاستمرار في الضغط الشعبي ومحاولة انتزاع تنازلات تدريجية في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالتحول الديمقراطي الشامل.

ويؤكد كوراليس أن المعارضة، رغم استبعادها من طاولات المفاوضات، لا تزال قادرة على التفوق على الحكومة شعبيا كما فعلت في عام 2024، حين هزمت النظام انتخابيا رغم محاولات التزوير الواسعة، وهو ما يثبت أن الحزب الحاكم يعاني من هشاشة داخلية وفقدان للشرعية الشعبية.

ويرى لويس فرناندو نينو، مستشار السلام والمصالحة الكولومبي، أن فقدان السيطرة على المعابر الحدودية غير القانونية التي يستخدمها جيش التحرير الوطني لنقل المخدرات والمقاتلين يعزز من قوة النظام في كاراكاس الذي يستخدم هذه الجماعات كورقة ضغط أمنية.

يظهر المشهد الفنزويلي الحالي تعقيدا تداخلت فيه المصالح الاقتصادية الكبرى مع الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، مما يجعل من الصعب تصور انتقال سلمي وديمقراطي قريب

اكتفاء واشنطن بالمكاسب الاقتصادية

وفي المقابل، تعتقد إدارة ترامب أن السيطرة على كاراكاس باتت كاملة، لكن كوراليس يحذر من "مشكلة الوكيل والأصيل"، حيث إن مصالح رودريغيز في البقاء بالسلطة والتعامل مع المنظمات الإجرامية قد لا تتوافق دائما مع الرؤية الأمريكية للاستقرار الإقليمي.

إن الترتيب الحالي بين واشنطن وكاراكاس يهدف لتحويل فنزويلا إلى "دولة نفطية مستقرة" تدر الأرباح على الشركات الأمريكية، بينما يدرك النظام في فنزويلا أنه يمكنه تقديم هذا التنازل مقابل البقاء في السلطة لسنوات طويلة دون الحاجة لتغيير ديمقراطي حقيقي.

ويبقى التحدي الأكبر أمام القوى الديمقراطية هو كيفية الضغط على الطرفين، النظام والولايات المتحدة، لانتزاع مكان في العملية السياسية، خاصة أن الشعب الفنزويلي يدرك الآن أن التدخل الخارجي قد أطاح برأس النظام لكنه ترك هيكله القمعي ينمو تحت مظلة المصالح النفطية الدولية.

ابتعاد الانتقال السلمي الديمقراطي

وفي الختام، يظهر المشهد الفنزويلي تعقيدا تداخلت فيه المصالح الاقتصادية الكبرى مع الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، مما يجعل من الصعب تصور انتقال سلمي وديمقراطي قريب في ظل "الوهم" بثروات النفط التي يرى كوراليس أنها تضلل الحكام والمجتمع الدولي على حد سواء.

إن فنزويلا اليوم تعيش مرحلة انتقالية ممسوخة، حيث سقط مادورو كرمز لكن النظام لا يزال يدير شؤون البلاد بوجوه جديدة، مما يترك البلاد في حالة من الجمود السياسي الممزوج بانتعاش اقتصادي نخبوي، بعيدا عن تطلعات ملايين الفنزويليين الذين ناضلوا من أجل التغيير الشامل والعدالة الاجتماعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا