"امرأة" ذات بشرة زيتونية ونظرة ثاقبة تغني بلغة رومانية خشنة عن الحياة على هامش المجتمع. ويستمع إليها ملايين الرومانيين. حصدت مقاطع فيديو لوليتا سيرسيل في أوائل عام 2026 ملايين المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي في رومانيا مع العلم أن هذه المرأة غير موجودة في الواقع.
لقد تم إنشاء لوليتا سيرسل بشكل افتراضي بالكامل. تم إنشاء وجهها بواسطة برنامج حاسوبي وصوتها صناعي والموسيقى من تأليف برنامج. وتعني كلمة "سيرسل" باللغة الرومانية "حلق" وهو عنوان أغنيتها الأولى التي أصبحت اسم عائلتها. كل شيء في لوليتا مصمم وفقا لتصورات مصمم غرافيك روماني يرغب في البقاء مجهولا ويطلق على نفسه ببساطة اسم "توم".
يصف توم أسلوب لوليتا بأنه "تريب هوب بلقاني". لكن بالنسبة للعديد من المستمعين الرومانيين يبدو هذا الأسلوب شبيها جدا بـ"مانيل" وهو نوع من موسيقى البوب فولك ذات التأثيرات العثمانية يمكن مقارنته بـ"توربو فولك" في يوغوسلافيا السابقة. في رومانيا غالبا ما يرتبط هذا النوع الموسيقي بمجتمع الروما لكنه أصبح منذ فترة طويلة جزءاً من التيار الموسيقي السائد.
كان توم يغني الراب في أيام الدراسة ثم درس لاحقا الإخراج السينمائي دون أن يحقق نجاحا يُذكر في أي منهما. وبعد سنوات عثر في إحدى المكتبات على ديوان شعر صدر عام 1941 بعنوان "Cantece tiganesti" للشاعر الروماني ميرون رادو باراشيفسكو وهو ما يعني "أغاني الغجر". اليوم يُعتبر هذا المصطلح مسيئا لمجتمع الروما ويرفضه معظمهم . وصدر الكتاب في وقت كان فيه الروما في رومانيا يمرون بواحدة من أحلك مراحل تاريخهم: عمليات الترحيل خلال الحرب العالمية الثانية على يد النظام المتحالف مع المانيا النازية في بوخاريست والتي لقي فيها عشرات الآلاف منهم حتفهم.
كتب باراشيفسكو عن الروما بتعاطف لكنه كتب كشخص خارجي بأسلوب شعري وليس ككاتب تاريخ لمجتمع مهدد.
ألهمت هذه النصوص توم للعودة إلى الموسيقى . أما الإمكانيات التقنية فقد أكملت المهمة: "نشأت أغنية لوليتا عندما التقى فضولي والأدوات المتاحة عند مستوى سمح لي ببناء الصوت الذي أردته".
عمل توم على الشخصية لمدة أربعة أشهر. ويقول إنها مستوحاة من الناس الذين يعيشون في ظروف هشة في مسقط رأسه في شرق رومانيا وكذلك في الأطراف الجنوبية لأوروبا. جمع توم الإلهام لنصوصه أثناء نزهته المسائية مع كلبه "كلمات حية غير مصفاة وغير مثالية نحويا".
يقول توم إنه أعلن منذ البداية أن "لوليتا" هي منتج ذكاء اصطناعي ويؤكد توم أنه لم يكن يقصد إنشاء شخصية من الروما، بل إن لوليتا هي "مجرد امرأة من البلقان". وبالنسبة للكثيرين في مجتمع الروما هذا أمر غير ذي أهمية.
يرى الناشط الروما أليكس ستان من صندوق التعليم الروما في لوليتا شيئا مألوفا ومثيرا للجدل. فاسم لوليتا وجمالياتها وأسلوبها الموسيقي وإشاراتها إلى الممارسات الروحية المنتشرة في الثقافة الروما تشكل جميعها من وجهة نظره نمطا واضحا. "إذا كان شكلها مثل البطة وصوتها مثل البطة، فهي بطة"، يقول ستان لـ DW. ويصف المشروع بأنه غير نزيه، لأن لا الشخصية ولا مبتكرها قد عاشا "التجارب المعقدة للغاية لامرأة من الروما".
كما انتقدت الناشطة من الروما الشابة ألكسندرا فين من بلدة كلوج هذا المشروع علنا في وقت مبكر ووصفته بأنه "استغلال لثقافة الروما". ففي حين يُقلل من شأن الفنانين الروما الحقيقيين في كثير من الأحيان حققت "هوية الروما الافتراضية والمصنفة عرقيا والمحرومة من إنسانيتها" نجاحا مفاجئًا. وترى الناشطة فين في ذلك مفارقة مريرة: "الفرق هو العنصرية".
ويرفض توم شافر، مبتكر شخصية لوليتا هذه الانتقادات. فالفن لا يجب أن يستند إلى التجربة الشخصية. وفي رسالة فيديو تم إنتاجها لصالح DW تدافع لوليتا الاصطناعية عن نفسها قائلة: "ليس على الكاتب أن يكون قاتلا ليكتب رواية بوليسية مقنعة ويمكن لمؤلف موسيقي أصم أن يبدع سيمفونيات ". فالتجربة هي "مكون وليست الوصفة بأكملها".
يعتقد الناشط الروماني أليكس ستان أن شخصية "لوليتا سيرسيل" التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تستند إلى الصور النمطية الشائعة عن النساء الرومانياتصورة من: Cristian Ștefănescu/DWبالنسبة لأليكس ستان فإن هذه الحجة غير كافية. "الأداء الحي هو بالذات ما يجعل موسيقى الروما مميزة"، كما يقول. "إنها تجربة مختلفة تماما عن التسجيل في الاستوديو، ناهيك عن منتج الذكاء الاصطناعي".
بالإضافة إلى ذلك هناك ما يكفي من الأصوات الحقيقية التي تريد أن تُسمع: "لدينا العديد من الفنانين الروما الذين يرغبون في ترسيخ مكانتهم".
المشكلة هي مشكلة هيكلية: ففي حين يمكن لشخصية مصطنعة أن تنتشر بشكل واسع يظل العديد من الفنانين الحقيقيين غير مرئيين. فهم مقيدون بحواجز صناعة الموسيقى . "ينشأ انطباع بأن هناك منصة لموسيقى الروما ولكن بدون الروما أنفسهم".
وكمثال مضاد يذكر ستان الموسيقي البوسني غوران بريغوفيتش الذي حقق نجاحات دولية بموسيقى مستوحاة من ثقافة الروما. لكن هذا حدث بعد سنوات طويلة من التعاون مع موسيقيين من الروما. كما عمل المنتج الألماني شتيفان هانتل، المعروف في صناعة الموسيقى بشكل أساسي باسمه الفني "شانتل" مع موسيقيين حقيقيين من بينهم موسيقيون من رومانيا من أجل موسيقى البوب البلقانية الخاصة به. أما توم فقد ترك هذه العملية لخوارزمية، حسبما يقول أليكس.
يعتبر الموسيقي الروماني كريستيان ستيفانيسكو المعروف باسمه الفني "إلكتريك براذر" أن لوليتا أكثر إثارة للاهتمام من الكثير مما يُبث في الإذاعات التجارية. وفي الوقت نفسه يطرح افتراضا مزعجا: "لو كانت مغنية حقيقية مع هذا النوع من المواد لكان من المحتمل أن تُرفض. لأنها مختلفة. والصناعة لا تريد شيئًا آخر".
الموسيقي كريستيان ستيفانيسكو، المعروف باسم "إلكتريك براذر" على دراية جيدة بصناعة الموسيقى الرومانيةصورة من: Cristian Ștefănescu/DWتوم لا يشغل باله بمثل هذه المخاوف. فهو يواصل العمل على عالم "لوليتا": مفاهيم بصرية وشخصيات جديدة وتعاونات محتملة.
بالنسبة لأشخاص مثل توم يمثل الذكاء الاصطناعي ديمقراطية للإبداع. أما بالنسبة لآخرين فيبدو أنه يهدد بأن يصبح أداة للاستغلال الثقافي، حيث يتم الاستيلاء على قصص الأقليات وتحويلها إلى مصدر ربح دون مشاركتهم الفعلية.
ولوليتا نفسها تلخص الأمر بشكل شاعري أو ساخر على النحو التالي: "عندما تستمع إلى موسيقاي وتشعر بشيء ما فأنت لا تفكر بي، بل بنفسك. أنا مجرد ذريعة".
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW