استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية السفير الإيطالي لدى تل أبيب لوكا فيراري يوم الاثنين لطلب توضيحات عاجلة، وذلك عقب التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني من بيروت ووصف فيها الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في لبنان بأنها "غير مقبولة".
وجاءت خطوة الاستدعاء في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً إقليمياً متصاعداً، بينما يزور تاجاني العاصمة اللبنانية في إطار مسعى دبلوماسي يهدف إلى تعزيز الدعم الإيطالي للبنان وإعادة تحريك جهود وقف إطلاق النار، قبيل محادثات مرتقبة بهذا الشأن يوم الثلاثاء في واشنطن.
ونشر وزير الخارجية الإيطالي على منصة "إكس" عقب سلسلة من الاجتماعات المؤسساتية في بيروت رسالة مرفقة بصورة تجمعه بالرئيس اللبناني جوزاف عون، جاء فيها: "لبنان بلد شقيق نحمله في قلوبنا. لهذا السبب جئت إلى بيروت لنقل تضامن إيطاليا مع الرئيس عون بعد الهجمات الإسرائيلية غير المقبولة ضد السكان المدنيين".
وأثارت هذه العبارة رد فعل دبلوماسياً فورياً من الجانب الإسرائيلي الذي استدعى السفير فيراري لتلقي إيضاحات حول ما اعتبرته تل أبيب تصريحات منحازة ولا تعكس مجمل الصورة الميدانية المعقدة على الحدود الشمالية.
وشملت زيارة تاجاني إلى بيروت لقاءات مكثفة مع رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون ونظيره وزير الخارجية يوسف رجي، إضافة إلى إحاطة من القادة العسكريين الإيطاليين العاملين على الأرض ضمن البعثة العسكرية الثنائية "ميبيل" واللجنة العسكرية التقنية "إم تي سي فور إل" وبعثة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل".
وتعد إيطاليا أحد أبرز المساهمين في قوات حفظ السلام الدولية المنتشرة في جنوب لبنان، إذ يتراوح عديد وحدتها بين ألف ومئة وعشرة أفراد عسكريين، وتتولى روما قيادة البعثة بالتناوب.
وتضم اليونيفيل في مجملها أكثر من عشرة آلاف جندي من نحو خمس وأربعين دولة، وتتمثل مهمتها الأساسية في مراقبة وقف الأعمال العدائية وتقديم الدعم للقوات المسلحة اللبنانية.
وزاد من حساسية الموقف تعرض آليات تابعة للقافلة الإيطالية العاملة ضمن اليونيفيل لحادث ميداني في جنوب لبنان خلال الأيام الماضية، عندما أصابت دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي إحدى المركبات الإيطالية أثناء مناورات عملياتية.
كما وردت تقارير عن حوادث أخرى تضمنت إطلاق طلقات تحذيرية ألحقت أضراراً بمركبات القبعات الزرقاء التي تحمل علامات تعريف واضحة.
ولم يسفر الحادث عن وقوع إصابات بين الجنود الإيطاليين، غير أنه سلط الضوء على مستوى التوتر المتزايد والقيود المفروضة على حرية الحركة والمخاطر التي تحيط بالطواقم الدولية العاملة في الميدان.
وكانت عمليات إعادة البناء الأولية قد أشارت إلى فرضية وقوع "صدم" مباشر، وهي رواية قللت الوحدة الإيطالية من دقتها لاحقاً وأرجعت الحادثة إلى مناورات تجري في سياق ميداني شديد الاضطراب.
ولدى وصوله إلى بيروت، علق الوزير تاجاني على الحادث قائلاً: "ربما كان ما حدث بالأمس حادثاً عرضياً، لكن يجب ألا تتكرر الحوادث. يجب أن نعمل أيضاً من خلال تعزيز التنسيق والمعلومات بين الجيش الإسرائيلي وإداراتنا حتى لا يكون هناك سوء فهم، لكن حماية سلامة جنودنا هي أولوية بالنسبة لنا هنا في لبنان".
وأضاف تاجاني أنه سبق وأثار المسألة مع السلطات الإسرائيلية، مؤكداً أن "جنود اليونيفيل يلعبون دوراً مهماً جداً ويوصون بالتأكيد على ضمان سلامة جنودنا".
وفي تحليل للموقف الميداني، أوضح المؤرخ العسكري غريغوري أليغي، الأستاذ في جامعة لويز، أن "مهمة اليونيفيل هي مهمة الحد الأدنى، لأنها ليست مكلفة بأي شيء سوى مساعدة القوات اللبنانية، في حين أن هذه القوات وحدها هي التي يجب أن تسيطر على الأرض وتهدئتها. هذه المهمة غير كافية، وهذا القصور هو الذي يبرز الآن بعد أن قرر الإسرائيليون القضاء على حزب الله".
ورأى أليغي أن الإشراف الدولي المحدود "سمح للميليشيا الموالية لإيران بالتمترس في المنطقة إلى درجة أنها أصبحت متداخلة بعمق مع المجتمع اللبناني. لذلك نحن أمام أعيننا هاتين المشكلتين اللتين إما لم تكونا موجودتين من قبل أو تظاهرنا بعدم رؤيتهما".
وتعليقاً على الخيارات الاستراتيجية المطروحة، طرح المؤرخ السؤال الجوهري: "المشكلة الأساسية هي ما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً لقبول وجود حزب الله وهذا الإيراني الذي سيطر على لبنان ويواصل مهاجمة إسرائيل. إذا كان هناك من هو على استعداد لتحمل التكلفة السياسية والعسكرية لتفكيك حزب الله فنحن نسير في اتجاه واحد، وإلا فإن الإسرائيليين قرروا أن يتحملوا هذه المخاطرة بأنفسهم".
وحذر أليغي من أن هذا الخيار الإسرائيلي ينطوي على ثمن باهظ على جبهتين: "عسكرياً، لأنه بالنظر إلى الطريقة التي يتشابك فيها حزب الله في المجتمع اللبناني، لن يكون من السهل تحقيق الهدف. سياسياً، لأن هذا العمل العضلي غير مقبول عملياً من قبل أي دولة أوروبية. كما أن إسرائيل تخاطر بحرق علاقاتها مع الدول الصديقة أو المحايدة تقليدياً".
وخلص المؤرخ إلى أن "حكومة نتنياهو اتخذت موقفاً متطرفاً، سواء من حيث الأهداف أو التوقيت: كل شيء وفوراً. الرد على السابع من أكتوبر، والهجوم على إيران، وعمليات اليوم في لبنان، كلها جزء من تصميم واحد لنزع سلاح هذا التهديد المستمر".
لكنه اختتم بتقييم نقدي قائلاً: "إذا كان بالإمكان مشاركة الهدف، يبدو أن الأساليب لا تعطي النتيجة المرجوة: فهي لا تحقق نصراً عسكرياً وتقيّد بشدة الحيز السياسي لإسرائيل".
وتأتي زيارة الوزير تاجاني للتأكيد على ثوابت الموقف الإيطالي الرامي إلى دعم استقرار لبنان وتعزيز مؤسساته، بما يشمل الملف الشائك المتعلق بنزع سلاح الميليشيات انطلاقاً من حزب الله.
وفي هذا الإطار، أعلنت إيطاليا عن حزمة مساعدات إنسانية بقيمة عشرة ملايين يورو وأرسلت بالفعل أكثر من أربعين طناً من المواد الإغاثية.
وفي خلفية التحرك الدبلوماسي الإيطالي، تبرز الحاجة الملحة لتفادي تصعيد شامل يطال المنطقة بأسرها، لا سيما في ضوء التوترات القائمة بين واشنطن وطهران وتداعياتها المحتملة على أمن الملاحة في مضيق هرمز.
المصدر:
يورو نيوز