في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"كان محمد منتظري واحدا من أكثر الشخصيات جذبا للانتباه، فقد جمع بين التخصص الديني، وحماسة المقاتل الثوري العابر للحدود"
بين دهاليز الثورة الإيرانية وصراعاتها الداخلية المبكرة، برز اسم محمد منتظري، نجل آية الله حسين منتظري نائب الخميني لمدة 10 سنوات كاملة، والمرشح الأبرز لخلافته حتى قبيل وفاته بفترة قصيرة. كان محمد منتظري واحدا من أكثر الشخصيات جذبا للانتباه، فقد جمع بين التخصص الحوزوي، وحماسة المقاتل الثوري العابر للحدود، متنقلا بين قُم وبيروت ودمشق وطهران والعديد من العواصم الأوروبية، في محاولة لصياغة "مشروع ثوري يتجاوز حدود إيران إلى العالم الإسلامي بأسره".
يعود كل من محمد ووالده آية الله حسين منتظري إلى قرية صغيرة غرب أصفهان تُسمى نجف آباد، وكان من حظ محمد أن والده أمسى واحدا من مشاهير علماء الشيعة في الداخل الإيراني في سنوات الشاه، وبسبب معارضته الشديدة للنظام آنذاك، تحمل منتظري الأب في سبيل ذلك الاعتقال والنفي والتعذيب.
أسهم حسين منتظري بقوة في ترسيخ مرجعية آية الله الخميني عقب وفاة المرجع حسين البروجردي (الطبطبائي) عام 1961، حيث نشط منتظري إلى جانب مرتضى مطهري في تأكيد زعامة الخميني العلمية والدينية، رغم ما كان يحيط بذلك من مخاطر أمنية ورغم المعارضة لذلك داخل بعض الأوساط الدينية.
وقد تعرض حسين منتظري، منذ مطلع ستينيات القرن العشرين وحتى انتصار الثورة الإيرانية لسلسلة متكررة من الاعتقالات وأوامر الإبعاد، وقد بلغت هذه الملاحقات ذروتها حين صدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشرة أعوام. ومع تصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية في أواخر السبعينيات، أُفرج عنه في أكتوبر/تشرين الأول 1978، مع عدد من القيادات الدينية المعارضة. وخلال فترة نفي آية الله الخميني خارج إيران، اضطلع منتظري بدور ممثله داخل البلاد، الأمر الذي عزز موقعه داخل التيار الثوري.
"خلال فترة نفي آية الله الخميني خارج إيران، اضطلع حسين منتظري بدور ممثله في الداخل، الأمر الذي عزز موقعه داخل التيار الثوري"
وعقب انتصار الثورة عام 1979، برز منتظري بوصفه أحد أبرز الفاعلين في المرحلة التأسيسية للنظام الجديد، فقد حاز تأييدا واسعا في انتخابات مجلس خبراء الدستور، وتولى رئاسته، ليضطلع بدور محوري في صياغة دستور إيران الثورية، وكان من أبرز إسهامات منتظري الأب الدفع نحو إدراج مبدأ "ولاية الفقيه" ضمن الدستور الذي أُقر عبر استفتاء شعبي بنسبة تأييد تجاوزت 98%.
غير أن المواقف الفكرية لآية الله حسين منتظري شهدت تحولا لافتا فيما يتعلق بنظرية "ولاية الفقيه"، إذ انتقل من تبني فكرة تعيين الولي الفقيه في مرحلته المبكرة إلى الدفاع عن مبدأ الانتخاب، مرجحا إياه بوصفه الأساس الأجدر في تحديد شرعية السلطة السياسية، كما رأى أنه ليس من الضروري أن يكون "الولي الفقيه" من رجال الدين المعمّمين أصحاب المناصب الحوزوية، بل يمكن لأي عالم ملم بالإسلام، مستجمع للشروط العلمية، أن يتولى هذا المنصب.
ويبدو أن هذه المواقف الفكرية والسياسية أسهمت في تعقيد موقعه داخل النظام الثوري، إذ لم تكن منسجمة مع الاتجاه السائد في بنية السلطة. وسنراه في مذكراته يصرح عن سبب عزله وعزلته الجبرية فيما بعد؛ وذلك بسبب "تدخل مجموعة من الشخصيات السياسية والدينية التي سعت إلى تأليب الخميني ضده، بدعم من بعض الأجهزة الأمنية".
وقد استمرت الضغوط على منتظري بعد عزله، لا سيما بسبب موقفه الرافض لمرجعية المرشد الجديد علي خامنئي وانتقاده لمفهوم "الولاية المطلقة للفقيه"، حيث فرضت عليه إجراءات تقييدية منها حذف الإشارات إلى دوره من المناهج التعليمية، وإزالة صوره من المؤسسات الرسمية، فضلا عن تغيير أسماء الشوارع والأماكن التي كانت تحمل اسمه، وظل تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في عام 2009.
على درب والده، سار منتظري محمد الذي فاق أباه في الثورية والإيمان المطلق بدور السلاح في عملية التغيير. ولد محمد حسين منتظري عام 1944 في مدينة نجف آباد، في كنف تلك العائلة الدينية السياسية التي كان لها باع قوي في تاريخ إيران، وكان محمد الابن الأكبر بين إخوته، ما جعله في تماس مبكر مع التحولات التي كانت تعصف بإيران في ستينيات القرن العشرين وما تلاه.
ففي عام 1963 ومع تصاعد الاحتجاجات ضد نظام الشاه، كان منتظري الشاب حاضرا في قم لاستكمال عدته الدينية، حيث شارك في ندوات دينية وسياسية برفقة صديقه المقرب مهدي هاشمي، الذي سيصبح لاحقا أحد الأسماء المثيرة للجدل في أوساط الثورة الإيرانية فيما بعد، إلى جانب شقيقه هادي هاشمي، الذي ارتبط بعائلة منتظري لاحقا عبر المصاهرة. وفي تلك الأجواء المشحونة ضد نظام الشاه، بدأت ملامح التوجه المعارض تتشكل في شخصية محمد منتظري، متأثرا بمحيطه الديني والسياسي.
"غادر محمد منتظري إيران بعد خروجه من السجن متجها إلى باكستان، ثم استقر في النجف بالعراق، حيث كانت المدينة آنذاك مركزا مهما للمعارضة الإيرانية الموالية للخميني"
ولم يمض محمد منتظري وقتا طويلا حتى دخل في مواجهة مباشرة مع أجهزة الدولة؛ ففي مارس/آذار 1966، ألقت قوات الأمن القبض عليه مع والده وخلال فترة اعتقاله تعرض لتعذيب شديد، قبل أن يُفرج عنه عام 1968، غير أن خروجه من السجن لم يكن نهاية المواجهة، بل بداية مرحلة جديدة من النشاط المعارض خارج حدود إيران.
بحسب سوسن سيافوشي في كتابها "منتظري: السيرة والفكر السياسي لآية الله الثوري" فقد غادر محمد البلاد متجها إلى باكستان، ثم استقر في النجف بالعراق عام 1971، حيث كانت المدينة آنذاك مركزا مهما للمعارضة الإيرانية المرتبطة والموالية للخميني حيث بقي هناك حتى عام 1975، قبل أن يتنقل بين أفغانستان ومدن عراقية أخرى، في مسار عكس مبكرا طابع حياته المتحرك والمرتبط بالشبكات الثورية العابرة للحدود.
وفي النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، أخذ نشاط محمد منتظري طابعا أكثر تنظيما واتساعا، حيث اتخذ من سوريا نقطة انطلاق نحو الساحة اللبنانية، حيث نسج علاقات وثيقة مع فصائل المقاومة الفلسطينية، ولا سيما منظمة التحرير، إلى جانب اتصالات مع ليبيا في عهد معمر القذافي، وفي أعقاب اختفاء الإمام الشيعي موسى الصدر في ليبيا عام 1978، برز منتظري في حادثة لافتة داخل طهران، حين قاد مجموعة مسلحة مكونة من 200 شخص سيطرت على مطار مهرآباد، مطالبا بالسفر إلى ليبيا للتحقيق في مصير الصدر، في خطوة كشفت عن طابعه الثوري وقتئذ واستعداده لاستخدام وسائل ضغط غير تقليدية.
ولهذا السبب برز محمد منتظري كأحد الوجوه النشطة في مشروع "تصدير الثورة" وتمكينها خارجيا من قبل حتى نجاحها بصورة فعلية في الداخل الإيراني، فقد تولى قيادة ما عُرف بـ"منظمة الثورة الشعبية للجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وهي جماعة مسلحة تمركزت في سوريا ولبنان، وشاركت في عمليات عسكرية ضد القوات الإسرائيلية، حيث أسس هذه المنظمة بالتعاون مع رفيقه علي أكبر محتشمي بور، واضعين نصب أعينهم دعم حركات التحرر في العالم الإسلامي.
"في أعقاب اختفاء موسى الصدر في ليبيا عام 1978، قاد محمد منتظري مجموعة مسلحة مكونة من 200 شخص سيطرت على مطار مهرآباد، مطالبا بالسفر إلى ليبيا للتحقيق في مصير الصدر"
وكما يذكر كل من عوفيرا سليكتار وفرهاد رضائي في كتابهما "إيران، الثورة، وحروب الوكالة" فقد انخرط محمد منتظري مع 700 من أتباعه ميدانيا في العمل المسلح في تلك المرحلة، حيث تلقوا تدريبات في معسكرات حركة "فتح" في عامي 1976 و1977 في لبنان، وشاركوا في القتال إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل أخرى فلسطينية وشيعية أخرى ضد إسرائيل، وكان جزءا من شبكة إيرانية ناشئة لعبت دورا مبكرا في ربط الثورة الإيرانية بلبنان، إلى جانب شخصيات مثل مصطفى جمران ومحتشمي بور، الذين أسهموا في ترسيخ الحضور الإيراني في هذا الملف.
وفي سياق تصاعد المواجهة في جنوب لبنان طرح منتظري بالتنسيق مع زملائه محتشمي بور وجلال الدين الفارسي فكرة إرسال قوات إيرانية إلى المنطقة لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي، إلا أن هذا الطرح قوبل برفض من حركة "أمل" النافذة وقتئذ بقيادة زعيمها موسى الصدر، التي رأت فيه تدخلا مباشرا في الشأن اللبناني الداخلي من الإيرانيين، ولهذا سنرى محمد منتظري يتنقل في تلك المرحلة بين العديد من المدن الأوروبية، وذلك في إطار نشاطه المرتبط بالشبكات الثورية والدعم الخارجي، فقد كان من أشد المؤمنين بفكرة "الأممية الإسلامية" العابرة للحدود.
وفي تلك الأثناء حرص محمد منتظري على التواصل المباشر مع آية الله الخميني خلال منفاه في باريس، حيث تعززت مكانته ضمن الدائرة الثورية المحيطة به مع والده حسين منتظري، وقبيل انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، كان من بين الأصوات المبكرة التي دفعت باتجاه إنشاء قوة عقائدية موازية للجيش النظامي لحماية الثورة والولاء المطلق لها. وكما تشير مذكرات "محسن رفيق دوست"، كان محمد منتظري هو أول من طرح فكرة تشكيل قوة عسكرية مسلحة لحماية الثورة، وعرضها على الخميني الذي باركها.
ومع اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية برز اسم محمد منتظري كأحد الوجوه النشطة داخل التيار الثوري، حيث شارك إلى جانب مهدي هاشمي في تأسيس تنظيم أُطلق عليه "ساتجا" في عام 1979، الذي يُعد من أوائل التنظيمات التي عملت على دعم الحركات المسلحة خارج إيران، وذلك في إطار تصور قائم على "تصدير الثورة الإيرانية" إقليميا، وفي نهاية العام ذاته انخرط منتظري في تنظيم حملات لدعم الفصائل الفلسطينية في لبنان، غير أن نشاط هذا التنظيم، بطابعه المستقل وتجاوزه للأطر الرسمية، أدى إلى توترات مع مؤسسات الدولة الإيرانية الناشئة انتهت بحله لاحقا، وذلك بحسب ما يرصده أفشون أوستوفار في دراسته "حراس الثورة الإسلامية".
"شارك منتظري إلى جانب مهدي هاشمي في تأسيس تنظيم أُطلق عليه (ساتجا) في عام 1979، ويُعد من أوائل التنظيمات التي عملت على دعم الحركات المسلحة خارج إيران"
ولعل حماسة محمد منتظري لاستخدام السلاح، وقيادته مجموعات مسلحة قبل الثورة وعقبها، وإيمانه المطلق بالعمل المسلح لفرض منطق الثورة داخليا وخارجيا، جعل معارضيه يُطلقون عليه آية الله "رينغو"، في إشارة إلى شخصيات المسلحين في أفلام الغرب الأمريكي، وهو ما عكس صورة غير مألوفة وقتئذ لرجل دين يجمع بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الميدانية المسلحة.
وفي السنوات الأولى التي أعقبت انتصار الثورة برز محمد منتظري ضمن الدائرة القيادية الناشئة للحرس الثوري حيث انضم عام 1979 إلى مجلس قيادته الذي شكله المجلس الثوري للإشراف على تنظيم هذه المؤسسة الوليدة وتحديد أدوارها المستقبلية، وفي سياق تأكيده وإيمانه المطلق بالبعد العابر للحدود لهذا الجهاز، صرح علنا عام 1980 بأن عناصر الحرس كانوا "بانتظار الانتشار من دمشق"، في إشارة واضحة إلى تصوره لوظيفة الحرس كأداة إقليمية لا تقتصر على الداخل الإيراني فقط.
فيما بعد، زاد نشاط محمد منتظري العسكري وارتبط بتشكيل "وحدة حركات التحرير" التي أُنشئت لدعم الحركات الإسلامية وخاصة الشيعية منها خارج إيران، وكانت هذه الوحدة ذراعا مقربا من قائد الثورة الإيرانية آية الله الخُميني، وفي عام 1981 أُعيد تنظيم هذه الوحدة تحت مسمى "مكتب حركات التحرير"، الذي تولى قيادته في مرحلته الأولى، قبل أن تنتقل قيادته لاحقا إلى رفيقه مهدي هاشمي، وقد اضطلع هذا الجهاز بدور محوري في تقديم الدعم السياسي والعسكري والمالي لعدد من الحركات الإسلامية، ولا سيما في لبنان والعراق، ضمن إطار "التوجه الثوري العابر للحدود" الذي تبنته إيران في سنوات ثورتها الأولى.
يرى أفشون أوستوفار في دراسته "المعضلات الطائفية في السياسة الخارجية الإيرانية أن المشروع الذي حمله منتظري وغيره من القادة الثوريين الإيرانيين كان يتجاوز الدعم العسكري المباشر؛ إذ ارتبط برؤية أيديولوجية أرحب سعت إلى "بناء فضاء إسلامي عابر للحدود، وكان هدف مشروع محمد منتظري مواجهة نفوذ الولايات المتحدة وصولا إلى فرض شكل من أشكال التكامل السياسي والاقتصادي بين الدول الإسلامية" وفق النموذج الإيراني، وكان من الطبيعي أن يقابل هذا الطرح بتحفظ واسع في العالم العربي، حيث أُعيد تأطيره ضمن خطاب "تصدير الثورة"، وهو ما أسهم في تعميق عزلة إيران في محيطها الإقليمي.
"المشروع الذي حمله منتظري كان يتجاوز الدعم العسكري المباشر للحركات الحليفة؛ إذ ارتبط برؤية أيديولوجية عابرة للحدود"
بواسطة أفشون أوستوفار - المعضلات الطائفية في سياسة إيران الخارجية
وقد انخرط منتظري في العمل السياسي الحزبي، إذ التحق بـ"حزب الجمهورية الإسلامية" وتولى موقعا قياديا فيه، كما انتُخب عضوا في أول برلمان بعد الثورة في مارس/آذار 1980، إلا أن المسار الحزبي لم يخلُ من اضطرابات، إذ تعرضت بعض الشبكات المرتبطة به لضربات أمنية قاسية انتهت باعتقال أو إعدام عدد من أعضائها، ما أدى إلى تفكك الإطار التنظيمي الذي كان يتحرك من خلاله. وعلى مستوى الدولة شغل أيضا محمد منتظري عضوية المجلس الأعلى للدفاع، كما اضطلع بإمامة الصلاة في طهران حتى وفاته، الأمر الذي عكس حضوره في كل من المجالين السياسي والديني.
أما على صعيد مواقفه الفكرية والسياسية فقد عُرف منتظري باندفاعه الثوري كما رأينا، ولهذا السبب وجّه انتقادات حادة إلى الحكومة المؤقتة برئاسة مهدي بازركان؛ انطلاقا من رؤيته التي كانت تميل إلى تسريع المسار الثوري بدلا من احتوائه ضمن أطر مؤسساتية تدريجية.
وقد تبنى محمد منتظري إلى جانب والده -في مرحلة معينة- خطابا داعما لتحفيز الحركات الشيعية في عدد من البلدان الإسلامية، في إطار تصور أوسع يقوم على "تدويل" النموذج الإيراني، وقد تجلى هذا التوجه في دعوته إلى إزالة الحواجز السياسية بين الدول الإسلامية، ودعم حرية تنقل المسلمين دون قيود جوازات السفر أو التأشيرات، كما سعى إلى توطيد صلات إيران بالحركات الشيعية في لبنان، ودفع باتجاه لعب دور فاعل في الصراع العربي الإسرائيلي عبر دعم الفصائل الفلسطينية المختلفة، وكان منتقدا لحركة أمل بسبب "عدم ثوريتها الكافية في وجهة نظره".
يرى أولريش فون شفيرين في كتابه "الملا المنشق: آية الله منتظري والصراع من أجل الإصلاح" أن المسار المستقل الذي اتخذه محمد منتظري لم يخلُ من جدل داخل بنية النظام الناشئ؛ إذ أثارت أنشطة الشبكات المرتبطة به، ولا سيما تنظيم "ساتجا"، توترات مع بعض مؤسسات الدولة وخاصة الحرس الثوري، نتيجة طابعها المستقل وتجاوزها للأطر الرسمية، وقد انعكس ذلك التوتر في موقف والده آية الله حسين علي منتظري، الذي وجه له انتقادات علنية، مشيرا إلى أن سلوكه "الاندفاعي" ربما قد تأثر بتجارب السجن والتعذيب التي تعرض لها في أيام الشاه، مع إبداء مسافة نقدية من بعض تحركاته السياسية.
"أثارت شبكات محمد منتظري، خاصة تنظيم ساتجا، توترات مع بعض مؤسسات الدولة ومنها الحرس الثوري نفسه"
يؤكد طوني بدران في مقالته "موسى الصدر والثورة الإسلامية في إيران… ولبنان" أن محمد منتظري كان متورطا بالفعل في صراعات داخلية بين أجنحة الثورة الإيرانية، حيث ارتبط بما وُصف آنذاك بالتيار المقرب من ليبيا وزعيمها معمر القذافي داخل محيط الخميني، ودخل في خلافات مع تيارات أخرى من بينها مجموعة صادق قطب زاده التي عُرفت أحيانا بـ"التيار السوري"، وضمّت شخصيات بارزة مثل مصطفى جمران، ونشبت بينه وبين آية الله محمد بهشتي أحد أبرز مؤسسي الحزب الجمهوري الإسلامي خلافات عميقة عكست التباينات داخل النخبة الثورية بشأن اتجاهات الدولة الجديدة وحدود مشروعها السياسي وقتئذ.
ومهما يكن، فقد انتهت مسيرة محمد منتظري بشكل مفاجئ ودموي في صيف عام 1981. ففي 28 حزيران/يونيو من ذلك العام، هز انفجار ضخم المقر المركزي للحزب الجمهوري الإسلامي، أحد أهم أعمدة السلطة الجديدة، ليحوّل الاجتماع السياسي إلى كارثة دامية، وكان منتظري من بين ضحايا ذلك الهجوم إلى جانب عدد كبير من القيادات البارزة، وفي مقدمتهم آية الله محمد بهشتي إضافة إلى وزراء ونواب في مجلس الشورى، ضمن نحو ثلاثة وسبعين شخصا.
أثار التفجير صدمة عميقة داخل إيران الثورية في طورها التأسيسي، وفتح الباب أمام موجة واسعة من الاتهامات التي طالت أطرافا متعددة، من بينها منظمة مجاهدي خلق، وأجهزة مرتبطة بالنظام السابق، فضلا عن أطراف خارجية إقليمية ودولية، ولكن في أعقاب التحقيقات أعلنت السلطات الإيرانية إعدام عدد من المتهمين، من بينهم عناصر وُصفت بأنها مرتبطة بالنظام العراقي آنذاك في سياق اتهامات متبادلة بين طهران وبغداد كانت تتصاعد مع اندلاع الحرب بين البلدين.
وعقب ذلك الحادث نظمت الدولة مراسم تشييع رسمية واسعة في 30 يونيو/حزيران، وأُعلن الحداد العام لمدة أسبوع، ودُفن محمد منتظري في مدينة قم التي ستشهد لاحقا بعد 3 عقود دفن والده آية الله حسين علي منتظري في المكان نفسه عام 2009.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة