في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- تتسارع التطورات الميدانية في جنوب لبنان على نحو يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل مؤشرات ميدانية يراها مراقبون تمهيدا لاحتمال توغل بري إسرائيلي يتجاوز نطاق العمليات المحدودة.
وخلال الساعات الماضية، كثّفت إسرائيل ضرباتها للبنى التحتية الحيوية في المنطقة الحدودية، مستهدفة جسورا وطرقا رئيسية تربط بلدات الجنوب ببعضها، وشملت الضربات الطرق الواقعة بين مرجعيون ودبين والخردلي في القطاع الشرقي، إلى جانب جسر على ضفتي نهر الليطاني في القطاع الغربي.
وبين عمليات توغل محدودة واستطلاع بالنار، وتدمير منازل ومواقع في القرى الحدودية قبل الانسحاب منها، يبدو المشهد الميداني مفتوحا على عدة سيناريوهات، بينها احتمال توسيع العمليات البرية عبر محاور متعددة تمتد من القطاع الغربي عند تلال اللبونة وصولا إلى القطاع الشرقي قرب بلدة الخيام.
وفي ظل هذا التصعيد، يعود إلى الواجهة سؤال يطرحه كثير من اللبنانيين: هل تُمهّد هذه التطورات لعملية أوسع تعيد إلى الأذهان سيناريو اجتياحَي 1978 و 1982، أم أن ما يجري يندرج ضمن عمليات محدودة تسعى إسرائيل عبرها إلى فرض معادلة ميدانية جديدة في الجنوب؟
ورأى الكاتب والمحلل السياسي خلدون الشريف أن المشهد الميداني في لبنان يحمل ملامح تذكّر بمقدمات اجتياح 1982، خاصة من حيث توسيع نطاق العمليات العسكرية، واستخدام التهجير أداة ضغط واسعة، ومحاولة فرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية.
وأشار في حديثه للجزيرة نت إلى أن التطورات الحالية لا توحي باجتياح شامل كما حدث آنذاك، بل بمسار تصاعدي يقوم على التدمير المنهجي، والإخلاءات الواسعة، والتوغلات البرية التدريجية، مع سعي إسرائيلي لفرض منطقة عازلة أعمق من السابق.
وحسب الشريف، تبرّر إسرائيل هذه الإجراءات بأهداف عسكرية تتعلق بإبعاد البيئة التي تقول إن حزب الله ينطلق منها أو يخزّن فيها السلاح، غير أن الواقع الميداني يشير -في رأيه- إلى أن التهجير تحوّل إلى أداة حرب بحد ذاته، تهدف لإنهاك المجتمع المحلي وتفكيك الحاضنة الاجتماعية للحزب، ورفع كلفة المواجهة عليه من خلال ضغط اجتماعي وسياسي داخل بيئته.
وأوضح أن تركّز الاستهداف في مناطق ذات غالبية شيعية يرتبط بتداخل الجغرافيا العسكرية للحزب مع هذه المناطق، لكن النتيجة العملية تبقى -في تقديره- عقابا جماعيا يطال شريحة لبنانية واسعة.
وذكّر الشريف بأن اجتياح 1982 انتهى بإنشاء شريط أمني استمر سنوات في جنوب لبنان، لافتا إلى أن بعض المؤشرات الحالية توحي بمحاولة إعادة إنتاج نموذج مشابه بصيغة مختلفة وعمق تدريجي، وبيّن أن الهدف المعلن ربما لا يكون تغييرا ديمغرافيا مباشرا، لكن استمرار الحرب ومنع عودة السكان قد يقود عمليا إلى تغيير ديمغرافي قسري.
وخلص إلى أن الاتجاه الأبرز حاليا يتمثل في السعي إلى توسيع المنطقة العازلة أو إنشاء شريط أمني جديد، مع احتمال محاولة فرض سيطرة ميدانية على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، بينما تبقى حدود هذا العمق الأمني غير محسومة حتى الآن.
من جهته، ذهب المحلل السياسي توفيق شومان إلى أن المؤشرات تدل على أن إسرائيل تسعى إلى إحداث تغيير في الطبيعة السكانية لجنوب لبنان، عبر دفع النسبة الأكبر من سكان الجنوب وكذلك الضاحية الجنوبية ل بيروت إلى النزوح، في إطار سياسة تهجير تبدو -في رأيه- جزءا من تصور أوسع لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في المنطقة.
وقال للجزيرة نت إن هذا المسار يتقاطع مع مسعى إسرائيلي لإعادة النظر في الواقع الحدودي مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال محاولة إقامة منطقة عازلة تمتد من جنوب نهر الليطاني داخل لبنان وصولا إلى جنوب سوريا، بحيث تتعامل إسرائيل مع المناطق المحاذية ل فلسطين المحتلة بوصفها نطاقا أمنيا واحدا يمتد من شاطئ البحر الأبيض المتوسط حتى جبل الشيخ.
وذكر أن خطط التغيير الديمغرافي القائمة على التهجير باتت أكثر وضوحا، إذ تهدف -حسب المتحدث ذاته- إلى زيادة أعداد المهجّرين بما قد يدفع إلى احتكاكات سلبية بين البيئات الاجتماعية اللبنانية، أو يضع المهجّرين في مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية نتيجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
ورأى شومان أن إخلاء البلدات والقرى الحدودية من سكانها قد يشكل تمهيدا لأي عملية برية محتملة، وهو سيناريو يرد في تصريحات قادة الاحتلال منذ نحو عامين، مؤكدا أن هذه التصورات ليست خفية، إذ تتناولها الصحافة العبرية على نطاق واسع، بينما ينقسم المحللون الإسرائيليون حول جدواها، إذ يرى بعضهم أنها قد تعيد إسرائيل إلى ما يصفونه بالمستنقع اللبناني.
وختم أن هذه التصورات تمثل رؤية الاحتلال وخططه المحتملة، غير أن قدرة إسرائيل على تنفيذها أو السيطرة على أي أراضٍ قد تحتلها تبقى -حسبه- رهن ما ستفرضه معادلات الميدان، مستحضرا تجربة المقاومة اللبنانية التي واجهت الاحتلال منذ 1982 حتى أجبرته على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000.
أما الخبير العسكري العميد بهاء حلال، فأوضح للجزيرة نت أن استهداف الجسور في جنوب لبنان يندرج عادة ضمن تكتيكات عسكرية تهدف إلى قطع طرق الإمداد والتنقّل، وعزل منطقة العمليات عن محيطها.
وأشار إلى أن هذا النوع من الاستهداف لا يقتصر على تعطيل الحركة المدنية، بل يهدف أيضا للحدّ من قدرة المقاتلين على التحرّك ومنع وصول التعزيزات العسكرية ونقل المعدات والأفراد، مما يفضي عمليا إلى فصل القرى والبلدات الجنوبية عن بقية المناطق اللبنانية.
وأضاف أن تدمير الجسور، إضافة لعمليات التهجير، يكتسب أهمية أكبر في حال التمهيد لعملية برية، إذ يؤدي إلى إعاقة قدرة القوة المدافعة على المناورة المعاكسة. ففي العمل العسكري، غالبا ما يردّ المدافع على الهجوم بهجوم مضاد، لكن تدمير البنية التحتية وإخلاء المناطق من سكانها يحدّان من قدرة المدافع على إعادة التموضع بسرعة أو تنفيذ مناورة هجومية مضادة.
وذكر الخبير حلال أن موجة التهجير الحالية يمكن قراءتها ضمن 3 احتمالات عسكرية رئيسية:
ولفت أيضا إلى أن من بين الأهداف التي يجري تداولها في التقديرات العسكرية احتمال السعي إلى إقامة منطقة عازلة تمتد من الناقورة واللبونة جنوبا إلى عمق جغرافي داخل الأراضي اللبنانية، في إطار سياسة ضغط عسكري متواصل، قد تتخذ أشكالا متعددة ولا تسير بالضرورة وفق سيناريو واحد ثابت.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة