يرتكب العديد من المحللين الاستراتيجيين خطأ حين يختزلون إيران في هويتها الفارسية فقط، من دون التمييز بين “فارس” كهوية ثقافية تاريخية و”الجمهورية الإسلامية الإيرانية” كدولة حديثة متعددة القوميات.
إيران، بخلاف الصورة النمطية الشائعة، ليست دولة متجانسة تهيمن عليها الثقافة الفارسية وحدها. فبينما يشكّل الفرس نحو نصف السكان، تضم البلاد مجموعات عرقية متعددة، أبرزها الأذريون، والأكراد، والعرب، والبلوش، واللور، والتركمان. وتتركز هذه المكونات في المحافظات الحدودية، أي في الأطراف الجغرافية للدولة، حيث تحافظ على لغاتها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها الخاصة، إضافة إلى روابط تاريخية وثقافية مع دول مجاورة مثل العراق وتركيا وأذربيجان.
تشير شكرية برادوست، باحثة كردية إيرانية في شؤون الأقليات، في مقابلة مع “الحرة”، إلى أن فهم إيران يتطلب العودة إلى تاريخ تشكل الدولة الحديثة. فالبلاد كانت لقرون طويلة إمبراطورية متعددة القوميات، لكن بعد تأسيس الدولة القومية عام 1925 بُنيت الهوية السياسية للدولة على أساس الهوية الفارسية، ما جعل هويات المجموعات الأخرى تبدو وكأنها تهديد لهذه الهوية الجديدة.
وتقول برادوست إن هذه المجموعات لا تشكل أقليات صغيرة بالمعنى العددي، بل تمثل نسبة كبيرة من السكان، مشيرة إلى أن عدد الأذريين وحدهم قد يتجاوز 20 مليون نسمة، بينما يقدَّر عدد الأكراد بين 12 و15 مليونا، إضافة إلى ملايين العرب والبلوش.
ينتشر هذا التنوع العرقي في مناطق محددة من البلاد. فلأذريون في الشمال والشمال الغربي، ويستقر الأكراد في الغرب، والعرب في الجنوب الغربي، خصوصا في خوزستان، أما البلوش فيتمركزون في الجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال الشرقي.
يؤكد حسين رئيسي، المحامي الإيراني المعارض وأستاذ القانون، في مقابلة مع “الحرة” أن هذا التنوع ليس ظاهرة حديثة، بل يعود إلى قرون طويلة من التداخل السكاني والثقافي داخل إيران، لافتا إلى أن هذه المجموعات “منتشرة في أنحاء مختلفة من الدولة، حتى في مناطق الوسط، مع وجود تداخل وتزاوج بين هذه الجماعات عبر التاريخ”.
تعتمد الدولة الإيرانية سياسات تعزز اللغة والثقافة الفارسيتين، بينما تفرض قيودا على استخدام لغات الأقليات في التعليم والإدارة. هذه السياسات بدأت منذ العهد القاجاري، وتعززت في عهد البهلويين، واستمرت في ظل الجمهورية الإسلامية.
ترى برادوست أن هذا النموذج يعكس طبيعة الدولة المركزية في إيران، وتؤكد بأنه “عندما تعجز الدولة عن حل قضية سياسية، فإنها غالبا ما تحوّلها إلى قضية أمنية، وهذا ما حدث مع المسألة العرقية في إيران”.
وقد أدى هذا النهج، إلى تصاعد التوتر في بعض مناطق الأقليات، حيث تتحول المطالب الثقافية واللغوية أحيانا إلى أزمات سياسية وأمنية.
من بين هذه الأقليات، تبرز الأقلية الكردية كواحدة من أكثر المجموعات حضورا في المشهد السياسي المعارض. فالمناطق الكردية في غرب إيران شهدت تاريخا طويلا من الاحتجاجات والصدامات مع السلطة المركزية منذ السنوات الأولى بعد الثورة الإسلامية عام 1979. وتقول برادوست إن الأكراد كانوا من بين المجموعات القليلة التي استمرت في مقاومة النظام الإيراني منذ تلك الفترة.
ورغم ذلك، تقول العديد من الحركات الكردية إن مطالبها لا تتعلق بالانفصال، بل بالحصول على حقوق ثقافية وسياسية أوسع، مثل الاعتراف باللغة الكردية وتوسيع الإدارة المحلية.
لكن طهران تنظر إلى بعض هذه التحركات باعتبارها تهديدا أمنيا، خصوصا في ظل الروابط القومية بين الأكراد في إيران والمجتمعات الكردية في العراق وتركيا وسوريا.
إلى جانب العامل القومي، يلعب العامل الديني دورا مهما في العلاقة بين الدولة والأقليات.
فبينما يقوم النظام السياسي في إيران على المرجعية الشيعية، تنتمي مجموعات كبيرة من الأقليات مثل الأكراد والبلوش والتركمان إلى المذهب السني. ويرى رئيسي أن هذا الاختلاف يضيف طبقة إضافية من التوتر في العلاقة بين هذه المجتمعات والسلطة المركزية.
ويشكل الشيعة نحو 90 في المئة من الشعب الإيراني، وفقا لتقرير “الحريات الدينية 2020” لوزارة الخارجية الأميركية.
ويضيف رئيسي أن “النظام في إيران يقوم على أيديولوجية دينية شيعية تسعى إلى مركزية السلطة في طهران، وهذا يجعل بعض الأقليات السنية تشعر بأنها غير ممثلة سياسيا وثقافيا”.
ويبرز هذا التوتر بشكل خاص في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، حيث يعيش البلوش في واحدة من أفقر مناطق البلاد رغم موقعها الاستراتيجي على الحدود مع باكستان وأفغانستان.
وتعاني مناطق الأقليات أيضاً من تفاوت اقتصادي واضح مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
فمحافظة خوزستان، التي تضم أكبر حقول النفط في البلاد، تعد من أكثر المناطق فقرا وتدهورا بيئيا. وتشير تقديرات إلى أن نحو 98 في المئة من النفط الإيراني يأتي من هذه المنطقة.
ورغم ذلك، تعاني المنطقة من ضعف البنية التحتية وأزمات بيئية ومائية متكررة، ما أدى إلى احتجاجات واسعة خلال السنوات الماضية.
لا تقتصر أهمية هذه الأقليات على الداخل الإيراني فقط، إذ تمتلك معظمها امتدادات عرقية في الدول المجاورة. ويشير رئيسي إلى أن هذه الروابط طبيعية بسبب طبيعة الحدود في المنطقة، إذ “هناك علاقات عائلية وثقافية بين هذه المجتمعات على جانبي الحدود. فالأكراد في إيران لديهم روابط مع الأكراد في العراق، كما أن الأذريين مرتبطون بتركيا وأذربيجان”.
لكن هذه الروابط قد تتحول أيضا إلى عامل مؤثر في السياسة الإقليمية، خصوصا في أوقات الأزمات.
ورغم مشاركة أبناء العديد من الأقليات في المعارضة للنظام الإيراني، فإن الخلافات بينها وبين بعض التيارات الفارسية المعارضة تعيق تشكيل جبهة موحدة. فبينما تركز بعض قوى المعارضة على التغيير السياسي العام، تطرح الأقليات مطالب إضافية تتعلق بالحكم المحلي والحقوق الثقافية واللغوية. هذا التباين يخلق فجوة داخل المعارضة الإيرانية ويجعل توحيدها أكثر صعوبة.
وترى برادوست أنه ولهذا السبب، تنظر طهران إلى ملف الأقليات بحساسية شديدة، وتتعامل معه غالبا باعتباره قضية أمن قومي. فالنظام الإيراني يخشى أن تتحول مطالب بعض هذه المجموعات، في حال ترافقت مع أزمات سياسية أو اقتصادية كبيرة، إلى حركات انفصالية قد تهدد وحدة الدولة.
وفي بلد متعدد القوميات مثل إيران، يدرك صناع القرار أن الضغوط المتراكمة في الأطراف قد تتحول في لحظة ما إلى أزمة في قلب الدولة.
مع استمرار التحديات الاقتصادية والبيئية والسياسية في إيران، يبدو أن العامل العرقي سيبقى أحد العناصر الأساسية في تشكيل مستقبل البلاد. فإيران ليست مجرد دولة قومية واحدة، بل فسيفساء معقدة من الشعوب والهويات والتاريخ المشترك. ويبقى السؤال المطروح بين الباحثين: هل يمكن لإيران إدارة هذا التنوع ضمن نظام سياسي أكثر شمولا؟ لأن التجارب التاريخية في المنطقة تشير إلى حقيقة واحدة: كلما ازداد الضغط، ازدادت احتمالات الانفجار.
المصدر:
الحرة