آخر الأخبار

البلدات العربية بإسرائيل دون ملاجئ.. كيف تواجه خطر الصواريخ؟

شارك

القدس المحتلة- في كل مرة تدوي فيها صفارات الإنذار ضمن المشهد اليومي للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والمستمرة منذ 28 فبراير/شباط، تتجمد اللحظة داخل منزل محمد خليلية في بلدة إكسال قضاء الناصرة شمالي البلاد.

ينظر الأب إلى أطفاله الثلاثة، فيما تبحث العيون الصغيرة عن مكان آمن، بينما لا يوجد في المنزل ملجأ حقيقي يحمي العائلة من خطر الصواريخ أو شظاياها.

يعيش خليلية -كغيره من آلاف العائلات الفلسطينية في الداخل- تحت وطأة قلق يومي، حيث تحولت صفارات الإنذار إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية. ومع كل إنذار جديد يتكرر السؤال ذاته: إلى أين يمكن الهروب في بلدة لا توجد فيها ملاجئ عامة؟

مصدر الصورة خليلية مع أطفاله الثلاثة وهم من سكان بلدة إكسال قضاء الناصرة بلا ملجأ (الجزيرة)

صافرات الإنذار

يقول خليلية -للجزيرة نت- إن الخوف لا يبدأ عند سقوط الصاروخ، بل منذ اللحظة التي تعلن فيها صفارات الإنذار عن خطر وشيك.

وبينما تنتشر الملاجئ العامة وغرف الحماية داخل الأحياء في كثير من البلدات اليهودية، تكاد هذه الملاجئ تكون معدومة في البلدات العربية، مما يترك العائلات أمام واقع قاسٍ يتمثل في مواجهة الخطر دون حماية كافية.

قبل فترة قصيرة فقط، سقط صاروخ بالقرب من منزل خليلية، غير المحصن. ويستذكر اللحظات التي أعقبت الانفجار بأنها كانت مليئة "بالارتباك والقلق، خصوصا أن المنزل يفتقر إلى غرفة حماية أو ملجأ".

لذلك حاول، بإمكانات محدودة، تجهيز غرفة داخل المنزل لتكون بمثابة "غرفة آمنة"، علّها توفر قدرا من الحماية لعائلته من شظايا الصواريخ الاعتراضية التي قد تسقط في محيط البلدة.

مصدر الصورة 46% من فلسطينيي 48 يفتقرون للملاجئ (الجزيرة)

صواريخ قرب المنازل

ويؤكد خليلية أن الأضرار حتى الآن اقتصرت على الممتلكات والأراضي الزراعية "بلطف من رب العالمين"، لكنّ الشعور بالخطر لا يغادر العائلات التي تعيش هذه التجربة بشكل متكرر. مشيرا إلى أنه التقط صورة بجانب أحد الصواريخ التي سقطت قرب البلدة ولم يكن ذلك بدافع المغامرة، بل لتوضيح حجم الخطر الذي يهدد السكان.

إعلان

ويستعيد خليلية بقلق حادثة وقعت خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، عندما سقط صاروخ في مدينة طمرة في الجليل، ما أدى إلى مقتل امرأة في الأربعين من عمرها وابنتيها (20 و13 عاما) إضافة إلى قريبة لهن، وإصابة آخرين.

ويشير إلى أن العائلة كانت تظن أن الغرفة الموجودة في الطابق السفلي من المنزل كافية للحماية، لكنها لم تصمد أمام قوة الانفجار.

وسط هذه المخاوف، يوجه خليلية نداء إلى الأهالي بعدم السماح لأبنائهم بالاقتراب من مواقع سقوط الصواريخ أو تصويرها، محذرا من أن الشظايا وبقايا الصواريخ قد تكون غير مستقرة وتشكل خطرا حقيقيا على الحياة.

مصدر الصورة محمد عمر من بلدة كفر قرع حوّل الطابق الأرضي من منزله إلى مكان محصن (الجزيرة)

محاولة التكيف

قصة خليلية ليست استثناء. فالمشاعر ذاتها يعيشها محمد عمر من بلدة كفر قرع في المثلث الشمالي، حيث يحاول التكيف مع واقع أمني يفرض نفسه مع كل صفارة إنذار.

يقول عمر- للجزيرة نت- إنه اضطر إلى تحويل الطابق الأرضي من منزله المؤلف من 3 طوابق إلى ما يشبه الحيز الآمن لعائلته المكونة من 4 أفراد. ففي هذا المكان يجتمع أفراد الأسرة معظم ساعات يومهم خلال شهر رمضان، على أمل أن يكون ملاذا مؤقتا في حال سقوط صاروخ قريب أو تناثُر شظايا صواريخ اعتراضية.

ويوضح أن هذا القرار جاء نتيجة شعور دائم بالخطر، في ظل غياب الملاجئ العامة وعدم توفر غرف محصنة في كثير من المنازل. لذلك حاول ترتيب الطابق الأرضي ليكون المكان الذي تلجأ إليه العائلة فور سماع صفارات الإنذار.

ويضيف أن هذه الإجراءات المنزلية، رغم أهميتها "تبقى محدودة أمام حجم التهديد" خصوصا في الأحياء التي تفتقر تماما إلى الملاجئ العامة.

ك ما أن الخطر لا يقتصر على الصواريخ بعيدة المدى، بل يشمل أيضا احتمال سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية، وهي ظاهرة شهدتها عدة مناطق في السنوات الأخيرة.

مصدر الصورة غنايم: الحلول تبقى محدودة ولا يمكن أن تعوّض غياب الملاجئ العامة (الجزيرة)

انعدام الحماية

المشهد نفسه يتكرر في بلدة باقة الغربية، حيث خصص الطيب غنايم غرفة داخل منزله لتكون مكانا يلجأ إليه أفراد عائلته عند سماع صفارات الإنذار.

ويقول للجزيرة نت إن هذه الحلول المنزلية تبقى محدودة ولا يمكن أن تعوّض غياب الملاجئ العامة، مضيفا أن الشعور السائد داخل المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل هو أنهم "عراة لا حامي لهم إلا الله"، في ظل ما يصفه بإهمال الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لمسألة بناء ملاجئ عامة في البلدات العربية.

ويشير إلى أن الفجوة في البنية التحتية للحماية واضحة بين البلدات العربية واليهودية، حيث تنتشر في الأخيرة الملاجئ والأماكن المحصنة، بينما يكاد وجودها ينعدم في البلدات العربية، بما في ذلك داخل المؤسسات التعليمية والمرافق العامة.

ويضيف أن الوضع يبدو أكثر صعوبة في القرى مسلوبة الاعتراف في منطقة النقب، حيث لا تتوفر في كثير من التجمعات أي ملاجئ أو أماكن آمنة يمكن للسكان اللجوء إليها، وهو ما يصفه بالوضع الكارثي.

مصدر الصورة غرف محصنة نشرتها الجبهة الداخلية الإسرائيلية في البلدات العربية عوضا عن الملاجئ (الجزيرة)

مبادرات محلية

أمام هذا الواقع، بادرت بعض السلطات والمجالس المحلية العربية إلى إقامة غرف طوارئ تعمل على مدار الساعة لمتابعة التطورات الميدانية والتعامل مع الحالات الطارئة.

إعلان

وتعمل هذه الغرف على تنسيق الجهود بين أقسام الطوارئ في البلديات وتوجيه السكان حول كيفية التصرف عند سماع صفارات الإنذار، إضافة إلى محاولة توفير حلول مؤقتة للحماية داخل المدارس والمؤسسات العامة.

ويؤكد مسؤولون في الحكم المحلي العربي أن الهدف من هذه المبادرات هو تقليل المخاطر قدر الإمكان، عبر نشر الوعي بقواعد السلامة وتحديد أماكن يمكن استخدامها كمناطق حماية مؤقتة، خصوصا في المدارس والمراكز الجماهيرية.

لكنهم يقرون في الوقت ذاته بأن هذه الإجراءات تبقى محدودة ولا يمكن أن تكون بديلا عن بنية حماية متكاملة تشمل ملاجئ عامة وغرف أمان مجهزة.

رئيس بلدية باقة الغربية، رائد دقة من المبادرين إلى إنشاء غرفة طوارئ محلية (الجزيرة)

تعزيز الجاهزية

يُعد رئيس بلدية باقة الغربية، رائد دقة، من المبادرين إلى إنشاء غرفة طوارئ محلية تضم طواقم مهنية متعددة الاختصاصات ومزوّدة بالمعدات والآليات اللازمة، لخدمة نحو 35 ألف نسمة من سكان البلدة في حالات الطوارئ.

وقد سعى إلى تطوير هذا النموذج وتعميمه في عدد من البلدات العربية لتعزيز الجاهزية المجتمعية، كما يطمح إلى إقامة كلية متخصصة لإعداد كوادر وفرق إنقاذ عربية مدرّبة للعمل في حالات الطوارئ والحروب.

ويرى دقة أن الجاهزية للطوارئ مسألة مركبة، مشيرا في حديثه -للجزيرة نت- إلى أن البلدات العربية تعاني منذ سنوات من إهمال في البنى التحتية الخاصة بالطوارئ، وفي مقدمتها غياب الملاجئ العامة.

غرفة الطوارئ في بلدة باقة الغربية تعمل على مدار الساعة بطواقم مهنية لتقديم الخدمات للسكان بزمن الحرب (الجزيرة)

وأمام هذا الواقع، عملت البلدية على تجهيز مبانٍ عامة ومدارس ومراكز تربوية لتكون أماكن آمنة يمكن للسكان اللجوء إليها عند إطلاق صافرات الإنذار.

وتعمل غرفة الطوارئ البلدية على مدار الساعة، بمشاركة فرق تطوع وتدخل سريع وفرق إسعاف وإنقاذ، من مركز إدارة محصن تحت الأرض بمساحة نحو 200 متر مربع، يتولى تنسيق الاستجابة للأحداث ومتابعة شؤون السكان.

ويصف دقة عمل هذه الطواقم بأنه أشبه بـ"خلية نحل"، إذ تقدم خدماتها لمختلف القطاعات، إلى جانب توفير الدعم النفسي والصحي للسكان في ظل الخوف والقلق الناتجين عن الحرب.

ويؤكد أن الهدف لا يقتصر على التعامل مع الطوارئ، بل يشمل الحفاظ على استمرارية الحياة اليومية في المدينة، واستخلاص الدروس لتعزيز الجاهزية مستقبلا، داعيا إلى "بناء منظومة دفاع مدني عربية أكثر تنظيما قادرة على التعامل مع الحروب والكوارث الطبيعية".

مبنى المركز الجماهيري في باقة تَحول إلى حيز آمن لتقديم الخدمات والفعاليات التربوية للأطفال (الجزيرة)

تدعيم الحصانة المجتمعية

بدوره، يقول مدير مركز المبادرات المجتمعية والتطوع في المركز الجماهيري ببلدة باقة الغربية، أنس غنايم، إن المركز عمل منذ بداية حالة الطوارئ والحرب على ملاءمة خدماته وفعالياته لمختلف الشرائح الاجتماعية، بما يتناسب مع الظروف الأمنية وتعليمات الجبهة الداخلية.

وأوضح -للجزيرة نت- أن الطواقم تواصل عملها على مدار الساعة، مع الحفاظ على تواصل دائم مع السكان وتقديم الأنشطة والخدمات في أماكن آمنة قدر الإمكان، إذ تَحوّل مبنى المركز الجماهيري خلال هذه الفترة إلى حيز آمن ومفتوح لسكان الحي، بحيث يمكن للجيران الدخول إليه والاحتماء فيه عند سماع صافرات الإنذار.

يحرص المركز- بحسب غنايم- رغم الظروف على مواصلة تقديم خدماته للمجتمع، من خلال برامج توعوية وإرشادية وأطر اجتماعية تستهدف مختلف الفئات العمرية، بهدف الحفاظ على حالة من الاستمرارية والتواصل مع السكان حتى في أوقات الحرب.

وجود هذه الطواقم وغرف الطوارئ يمنح السكان، "شعورا بوجود جهة قريبة تهتم باحتياجاتهم وتقدم لهم الدعم المعنوي والنفسي"، حسب غنايم، وهو ما يعزز، برأيه، حالة من الحصانة المجتمعية وروح التكافل في مواجهة الظروف الصعبة التي تفرضها الحرب.

بلدة جت المثلث من الجهة الغربية المطلة على ساحل البحر وقيساريا ومحطة توليد الكهرباء، بلا طوارئ وبلا ملاجئ (الجزيرة)

فجوات ومعيقات في الحماية

وتشير دراسة أعدتها جمعيتا "سيكوي-أُفق" و"إنجاز" إلى أن البلدات العربية لا تزال في أسفل سلم الجاهزية من حيث التحصين وتوفر الملاجئ، رغم التحذيرات المتكررة منذ سنوات.

إعلان

وحسب الدراسة التي حصلت الجزيرة نت على نسخة عنها، يوجد في البلدات العربية نحو 37 ملجأ عاما فقط من أصل 11 ألفا و775 ملجأ في إسرائيل، أي ما يعادل 0.3% من مجمل الملاجئ، بينما 8 منها غير صالحة للاستخدام.

وتؤكد هذه الأرقام ما أشار إليه تقرير سابق لمراقب الدولة الإسرائيلي القاضي المتقاعد يوسيف شابيرا، عام 2018، والذي أظهر أن 46% من المواطنين العرب يفتقرون إلى ملاجئ أو غرف آمنة مقابل 26% لدى عموم السكان.

وتعزو الدراسة جزءا من هذه الفجوات إلى معيقات بنيوية في التخطيط والبناء داخل البلدات العربية، إذ إن إضافة غرف محصنة في المنازل تتطلب وجود رخص بناء، في حين تواجه الكثير من المنازل صعوبات في إجراءات الترخيص والتنظيم.

وتظهر الفجوات أيضا في المؤسسات التعليمية؛ إذ تشير الدراسة إلى أن نسبة كبيرة من الطلاب في بعض البلدات العربية يدرسون دون حماية معيارية، في حين تتوفر مساحات محمية بدرجة أكبر في المدارس داخل المدن اليهودية.

يوفر مجمع تجاري بين باقة الغربية وجت ملجأ تحت الأرض لزبائنه (الجزيرة)

أمان على المقاس

وفي سياق هذه المعطيات، قالت المديرة العامة الشريكة في جمعية "سيكوي-أُفق"، رغد جرايسي، إن الأرقام التي عرضتها الدراسة تكشف أن الفجوات في الجاهزية لحالات الطوارئ بين المجتمع الفلسطيني واليهودي داخل إسرائيل ليست مسألة تقنية أو ظرفية، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات الإسرائيلية التي لم تأخذ احتياجات البلدات العربية بعين الاعتبار.

وأضافت مديرة الجمعية في حديثها -للجزيرة نت- أن هذه السياسات أدت، على مدار سنوات، إلى تهميش الاستثمار في البنية التحتية والموارد اللازمة لتعزيز حصانة المجتمع العربي، سواء على المستوى البنيوي أو المدني أو المجتمعي وحتى النفسي، الأمر الذي جعل المواطنين العرب أكثر عرضة للخطر في أوقات الحروب والأزمات، وأكثر عرضة لانتهاك حقهم الأساسي في السلامة والأمن والحياة.

وقالت إن هذه الفجوات تجعل الأمان في حالات الطوارئ مسألة مرتبطة بمكان السكن والهوية القومية، مؤكدة أن المطلوب هو "تغيير حقيقي في السياسات وتخصيص الموارد، بما يضمن توفير حماية متساوية لجميع المواطنين".

في ظل هذه المعطيات، تبقى حياة آلاف العائلات في البلدات العربية معلقة بين صفارات الإنذار والبحث عن ملاذ مؤقت، بينما يظل السؤال قائما: هل تكفي المبادرات المحلية لسد فجوة الحماية، أم أن البلدات العربية ما زالت تواجه المخاطر بإمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم التهديد؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا