آخر الأخبار

بسجون الاحتلال.. أسرى صائمون عن البوح وعن الطعام

شارك

رام الله/غزة– مهما بلغت شهادات الأسرى الفلسطينيين المحررين من دقة، تظلُ عاجزة عن ملامسة جوهر العذاب القابع في زنازين الاحتلال، وما يخرج للعلن ليس إلا شظايا من حقيقةٍ مهولة وألم ينهش الروح والجسد.

فالسجان لا يكتفي باستهداف الجسد، بل يمارس "هندسة للسحق" تتجاوز حدود الجرح الظاهر، ومهما نجحت المؤسسات الحقوقية في رصد آثار التعذيب الجسدية، تظل الآثار النفسية حبيسة في دواخل الضحايا، نتيجة حرمان مُركب كأداة "للقتل البطيء" وفق وصف حقوقي فلسطيني.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 العفو الدولية: توسُّع الاستيطان الإسرائيلي بالضفة تحدٍّ سافر للقانون الدولي
* list 2 of 2 مشقة السفر لم تشفع لشيبته.. مسنٌّ يُنكّل به الاحتلال ويحرمه الصلاة بالأقصى end of list

أما رمضان فليس مجرد شهر للامتناع عن الطعام، فكل العام عندهم رمضان، ليغدو الصيام هناك فعلا من أفعال المقاومة؛ حيث يضطرون لتجميع فتات الوجبات الشحيحة طوال اليوم، ليجعلوا منها إفطارا لا يسمن ولا يغني من جوع.

مصدر الصورة أسرى فلسطينيون مفرج عنهم ضمن صفقة تبادل (الجزيرة)

اقتحام غرف الأسرى وقت الإفطار

يختصر الأسير المحرر إسلام أحمد، الذي اعتقلته قوات الاحتلال في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024 عقب حصار مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع، ما شهده داخل السجون من تعذيب جسدي ونفسي بقوله "يفوق قدرة العقل على التصور".

ويذكر في حديث -للجزيرة نت- من أبرز أساليب التعذيب الجسدي:


* التنكيل بالمعتقلين وهم مكبلو الأيدي والأرجل.
* الاعتداء عليهم بالضرب المبرح.

أما عن التعذيب النفسي، فيقول إنه كان الأقسى حين يتعمد السجانون إبلاغ الأسرى بمقتل أهلهم وزوجاتهم وأطفالهم، لإيصالهم إلى حالة انهيار كامل.

وأشار إلى أن إدارة السجون فرضت تضييقا غير مسبوق على المعتقلين، شمل منع إدخال أبسط المستلزمات الشخصية مثل ماكينات الحلاقة أو مقصات الأظافر "وقد يصادرون الماكينة بعد حلق جزء من الشعر، في صورة إذلال متعمدة".

وفيما يتعلق بالطعام، أكد أحمد أن الحرمان كان سياسة ثابتة، خاصة خلال شهر رمضان "كان السجانون يجلبون الطعام قبل موعد الإفطار، ثم يقتحمون الغرف ويعتدون علينا بالضرب ويصادرون الطعام، وذلك رغم أنهم يخصصون للأسير ملعقة واحدة فقط من التونة أو اللبنة، ونصف ملعقة من المربى، بما يبقي الأسرى على قيد الحياة فقط".

إعلان

وبحسب الأسير -الذي أمضى في سجون الاحتلال 10 أشهر- فإن الزيارات ممنوعة بشكل كامل بما في ذلك زيارات المحامين، كما أن العلاج ممنوع أو تُعطى للمرضى جرعات غير مناسبة.

وفي حديثه عن وسائل القمع، ذكَر الأسير الغزيّ المحرر:


* استخدام الغاز ورذاذ الفلفل ومواد حارقة أثناء اقتحام الغرف الجماعي.
* الشتم والإهانات الدينية والمس بكرامة المعتقلين وعائلاتهم.
* إجبار الأسرى على خلع ملابسهم في أجواء شديدة البرودة.
* ترك الأسرى تحت إضاءة قوية على مدار 24 ساعة.

أما أماكن الاحتجاز، فوصفها بأنها "ليست سجونا بالمعنى المتعارف عليه، بل معتقلات مخصصة للتحقيق والتعذيب (…) بعضها "بركسات" حديدية أشبه بحظائر، يسمح فيها للأسير دخول الحمام مرة واحدة يوميا في أفضل الأحوال مع الضرب الشديد".

تحقيقات مؤلمة ومحاكمات عبر الهاتف

عن مرحلة التحقيق تحدث أحمد عن أساليب قاسية من بينها: تقييد المعتقلين لساعات طويلة تتجاوز 12 ساعة يوميا على كراسي منخفضة، ولمدد متواصلة قد تمتد لنحو 20 يوما، مما يتسبب بآلام حادة في الظهر والمفاصل، فيما كانت بعض أساليب التعذيب تستهدف الصدر والعمود الفقري بشكل مباشر.

وأشار إلى أن محاكمات المعتقلين "صورية"، وتعقد عبر الهاتف المحمول، دون إجراءات قانونية حقيقية، مع وجود تهم وأحكام جاهزة ومتشابهة، مثل "الانتماء لتنظيم سياسي" أو "التوقيف حتى نهاية الحرب"، بغض النظر عن وضع الشخص.

وأكد أحمد أن المؤسسات الدولية، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لم تتمكن من الوصول إليهم خلال فترة اعتقالهم، وأن المعتقلين كانوا معزولين تماما عن العالم الخارجي.

مصدر الصورة الأسير المحرر أحمد شقورة قبل الاعتقال (الجزيرة)

كسور وجروح وكدمات

في شهادة أخرى للجزيرة نت، يجزم الأسير المحرر أحمد شقورة أن التعذيب داخل السجون يبدأ من لحظة الاعتقال ولا يتوقف حتى يوم الإفراج، متفقا مع زميله إسلام في أن المعاناة لا تقتصر على التحقيق، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية من طعام ولباس ونوم وجلوس وحتى استخدام الحمام.

ويوضح شقورة -الذى اعتقل 14 شهرا خلال الحرب على غزة- أن إدارة السجن كانت تقدم 3 وجبات يوميا "لكنها لا تكفي طفلا صغيرا" ، بل ويضيف أن سياسة التجويع "كانت أحد أسوأ أشكال التضييق، إلى جانب سوء المعاملة المستمر، والحرمان من العلاج إلا من المسكنات لمن يقترب من الموت" مشيرا إلى أنه مُنع من زيارة الطبيب رغم تدهور حالته الصحية خلال الاعتقال.

يصف شقورة ما تعرض له من وسائل قمع داخل الأقسام، قائلا "كان السجّانون يدخلون الكلاب إلى الغرف لبث الرعب في نفوس المعتقلين، ويجبرونهم على الجلوس لساعات طويلة وهم معصوبو الأعين ومكبّلو الأيدي، وأحيانا يُلقون بهم ليلا في ساحات السجن في ظروف قاسية".

وخرج شقورة من السجن يعاني من إصابات جسدية عدة، بينها إصابة في الركبة، وكسور في الأضلاع، وكسر في أحد الأسنان، إضافة إلى كدمات وجروح نتيجة الضرب المتكرر على الظهر ومناطق متفرقة من الجسد.

كما عانى من الحرمان من النوم، وانعدام الفراش والأغطية المناسبة، وغياب المياه الساخنة، ما اضطره للاستحمام بمياه باردة في أوقات الشتاء.

أسرى يصومون طوال العام

بالانتقال إلى الضفة الغربية، فإن ظروف الأسرى تتشابه مع ظروف أسرى غزة من حيث الانتهاكات، لكنها أكثر قسوة بالنسبة لمعتقلي قطاع غزة، ومع ذلك يتجنب أغلب أسرى الضفة الحديث عن ظروف اعتقالهم بسبب التهديدات الإسرائيلية لهم ومنعهم حتى من استقبال مهنئين.

إعلان

وفي كثير من الأحيان استدعت قوات الاحتلال ذوي الأسرى أو تواصلت معهم لتحذيرهم من إبداء أي مظاهر فرحة بتحررهم، بل واقتحمت بيوتهم ونكلت بالمستقبِلين في كثير من الحالات.

المعتقل "أ.س" من جنوبي الضفة الغربية اعتقل بعد شهر من بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأمضى قرابة عامين في الاعتقال الإداري متنقلا بين عدد من السجون، يعود بجسد نحيل وقد فقد قرابة 60 كيلوغراما من وزنه.

سألنا الأسير المفرج عنه، بشكل خاص عن شهر رمضان داخل السجون، فاختصر الإجابة في 3 كلمات "رمضان طوال السنة".

يقول الشاب الثلاثيني إنه لا يبالغ في وصفه، وما قاله حقيقة "معظم الأسرى يصومون العام كاملا" موضحا "الطعام قليل جدا، لذلك كنا نجمع وجبتي الفطور والغداء مع العشاء وتكون عادة شرائح من الخبز أو ملاعق من الأرز وملعقة صغيرة من اللبنة أو المربى، نتناولها كوجبة إفطار ومع ذلك هي غير مشبعة".

كيف يتم التعرف على وقت الأذان؟

لا يعرف الأسرى شيئا عن الوقت ويؤدون صلواتهم حسب التقدير ومن خلال حركة الشمس، يضيف الأسير المحرر، أما الإفطار فكان مقياسه حركة الشمس أيضا، وبالنسبة للغرفة التي كان يعتقل فيها كان ينظرون من ثقب صغير إلى منطقة مكشوفة للشمس، وبعد اختفائها بثلاث دقائق يتناولون طعامهم إذا لم تقتحم قوات القمع الغرفة وتصادره.

أما عن الأذان وصلاة التراويح والسحور، فيقول إنهما ممنوعان "في أحسن الأحوال يسمح لمعتقلي كل غرفة بالصلاة بصوت منخفض، وإذا كان تقدير السجان أن الصوت مرتفع يستدعي قوات القمع وتقتحم الغرف جميعا بالغاز والكلاب البوليسية وتعتدي بالضرب المبرح على الأسرى ولا تغادر دون أن تخلف إصابات بليغة".

ويشير الأسير المحرر إلى أن رمضان لا يحمل أي خصوصية للأسرى والمعتقلين، وحتى في الأعياد تعرضت غرف الأسرى للاقتحام والقمع والضرب من فرق القمع، مشيرا إلى أن الظروف الأصعب تكون بحق مرضى الجرَب (السكابيوس) الذين يتركون فريسة للمرض بلا علاج.

مصدر الصورة معتقلون في حالة ضعف وآثار ندوب على أجسادهم بعد إطلاق سراحهم (جيتي)

أسرى يخافون من سرد التفاصيل

ضمن توثيقها لحالات الأسرى، تتحدث منظمات حقوقية عن جرائم قاسية وإفادات "منقوصة" من الأسرى، والسبب امتناعهم عن الإدلاء بتفاصيل بشعة واعتداءات جنسية تعرضوا لها.

يقول الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بغزة ياسر عبد الغفور إن أوضاع الأسرى تشكل محطة مؤلمة التاريخ الفلسطيني، لكنها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تحوّلت إلى "جحيم حقيقي".

يضيف في حديثه -للجزيرة نت- أن منظومة السجون الإسرائيلية أُنشئت أساسا كأداة عقاب وانتقام، وتحدث عن توثيق نحو 50 نمطا من أنماط التعذيب المختلفة بينها:


* الضرب المبرح والحرمان من النوم والشبح بأشكاله المتعددة.
* التجويع الممنهج الذي أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من المعتقلين أوزانهم بشكل حاد.
* العنف الجنسي بمستوياته المختلفة: من التحرش اللفظي والملامسة القسرية إلى الاغتصاب الكامل.

وهنا أشار إلى شهادات متواترة من ضحايا، رجالا ونساء وفتيانا، تحدثوا عن تعرضهم لاعتداءات جنسية مباشرة، بعضها تم باستخدام أدوات، وأحيانا أمام معتقلين آخرين بهدف إذلالهم وكسرهم نفسيا، مؤكدا أن بعض الضحايا أصيبوا بتمزقات وإعاقات دائمة نتيجة تلك الانتهاكات.

ويلفت إلى أن حجم ما تعرّض له المعتقلون "لم تُكشف تفاصيله كاملة حتى الآن"، مؤكدا أن "بعض الضحايا لا يروون سوى جزء من الحقيقة، إما بدافع الخوف أو الوصمة الاجتماعية أو بسبب الانهيارات النفسية التي يعانونها، لا سيما في ما يتعلق بجرائم العنف الجنسي".

ماذا تغيّر بعد أكتوبر 2023

وفق عبد الغفور فإن التقديرات تشير إلى ما لا يقل عن 9300 أسير بينهم نحو 1500 معتقل من غزة، موزعون على نحو 30 مركز احتجاز، بين سجون تابعة لإدارة مصلحة السجون الإسرائيلية ومعسكرات اعتقال أنشأها الجيش بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

إعلان

وأضاف أن "طبيعة التعذيب تغيّرت في المرحلة الأخيرة (بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول)؛ فبعد أن كان يتركز سابقا في مرحلة التحقيق بهدف انتزاع المعلومات، أصبح اليوم نهجا دائما يلازم المعتقل طوال فترة احتجازه".

وتحدث عن تفشي سياسة التجويع والحرمان من الزيارات والعلاج والإهمال الطبي الذي "بات أحد أخطر أدوات الانتهاك، إذ استُخدمت الحالات المرضية للمعتقلين وسيلة للضغط والتعذيب، مما أدى في حالات عدة إلى بتر أطراف أو الإصابة بالشلل الجزئي أو فقدان البصر".

وفيما يتعلق بضحايا السجون، أشار عبد الغفور إلى أن عدد الشهداء المعلَن داخل أماكن الاحتجاز منذ بداية الحرب على غزة يقارب المئة، من بينهم 88 معروفة هوياتهم، وأكثر من خمسين من قطاع غزة، مع وجود حالات أخرى غير معلومة المصير، وسط تكتم إسرائيلي على أوضاعهم.

تعذيب وممارسات مهينة برعاية رسمية

من الضفة الغربية، أشار مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية "حريات" حلمي الأعرج إلى أشكال التعذيب المرصودة ومعظمها ورد ذكرها، وأوضح أن "التعذيب قبل حرب الإبادة كان مقتصرا على فترات التحقيق لانتزاع معلومات وضمن سقف زمني محدد أما اليوم فإنه يلازم الأسير من لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، وبإمكان أي جندي أن يقرر مصيره".

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن الجديد في سياسة القمع والانتقام هو ممارستها من قبل مصلحة السجون و"بقرار ومشاركة من الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها الوزير المتطرف إيتمار بن غفير الذي يتفاخر بممارساته".

يقول الأعرج إن زيارات عائلات الأسرى ما زالت ممنوعة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وكذلك زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ليبقى الأسير "في عزل شامل".

وأشار الحقوقي الفلسطيني إلى تمرير قانون الإعدام بالقراءتين الثانية والثالثة، مضيفا أن " الحركة الأسيرة تمر بأخطر مراحلها على الإطلاق".

عن معنى "التجويع" كمصطلح متكرر عند الحديث عن أوضاع الأسرى قال: "هو منع تقديم الطعام كمّا ونوعا، وما يقدم يكون دون الحد الأدنى لغرض إبقائهم على قيد الحياة، أي إعدام بطيء" ودلل على ذلك بأمرين:


* ما يظهر على أجساد الأسرى عند إطلاق سراحهم، وخسران الأوزان.
* ما أعلنه ابن غفير نفسه من قلب قاعة المحكمة العليا، حين أقر باستخدام سياسة التجويع "للردع".

ولفت إلى تسجيل ونشر فيديوهات التنكيل والقمع والتعذيب بحق الأسرى وقال إن الهدف:


* تحقيق مكاسب انتخابية في صندوق الاقتراع على حساب معاناة الأسرى.
* رسالة للشعب الفلسطيني لترهيبه.
* رسالة للمجتمع الدولي أن إسرائيل لا تعترف لا بالقانون الدولي، ولا بالقانون الدولي الإنساني . مصدر الصورة هيئات الأسرى المفرج عنهم وأوزانهم مؤشر على ظروف اعتقالهم (الجزيرة)

كيف تعذب عائلات الأسرى ولماذا؟

تحدث الأعرج عن معاناة عائلات الأسرى، موضحا أن أغلبها يعيش حالة قلق شديد لعدة أسباب:


* المعاناة التي يعيشونها والتعذيب الممارس بحقهم والتجويع وانتشار الأمراض والإهمال الطبي.
* الإخفاء القسري خاصة لأسرى قطاع غزة الذين لا يعرف أغلبهم شيئا عن أبنائهم منذ اعتقالهم.
* شح المعلومات الواردة عنهم ومنع زيارتهم من عائلاتهم وأحيانا من المحامين وانقطاعها لشهر وربما لسنوات.
* التنكيل بالعائلات عند اعتقال أبنائها وتخريب محتويات المنازل ومصادر أموال ومدخرات.
* اقتحام بيوت الأسرى بعد الإفراج عنهم وبشكل متكرر والتنكيل بهم.

ووفق معطيات لمؤسسات الأسرى حتى مطلع فبراير/شباط، فإن من بين الأسرى الـ 9300 نحو 350 طفلا و56 أسيرة، و1249 معتقلا يصنفون "مقاتلين غير شرعيين" بينهم أسرى عرب، لكنْ ليس بينهم معتقلو غزة المحتجزون في المعسكرات التابعة للجيش والذين لا يعرف عددهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا