آخر الأخبار

حرب "المستضعفين" ضد "المستكبرين".. أصول العداء الإيراني لأمريكا وإسرائيل

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يعد العداء الفكري والعقدي الإيراني تجاه "الغرب" متمثلا في الولايات المتحدة و"قاعدتها المتقدمة" في المنطقة، إسرائيل، موضع تساؤل دائم وغالبا ما تفشل الإجابات الشائعة في إصابة كبد الحقيقة. فإما أن يغرق الجواب في حفريات فكرية أو فقهية وعقدية مجردة، باحثا عن جذور العداء في بطون الكتب بمعزل عن التموجات الاجتماعية والزمنية، وإما أن يستغرق في قراءة الأحداث والسياقات، التي تختزل التحولات الكبرى في منعطفات تاريخية درامية، مما يؤدي إما إلى بتر الأفكار عن حاضنتها التاريخية أو تفريغ التاريخ من أبعاده الفكرية والفلسفية.

وانطلاقا من فرضية أن "وعي" أي مجتمع بشري لا يتشكل في فراغ، نحاول هنا استدعاء المنهجية "البنيوية التكوينية" لعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي لوسيان غولدمان، وتحديدا مفاهيمه المركزية حول "الإله الخفي" و"رؤية العالم". إذ يقرر غولدمان في أطروحته الجوهرية أنه لا يمكن فهم أي نتاج فكري أو عقائدي إلا بربطه بتركيبة المجتمع التي أنتجته، وباللحظة التاريخية التي عانى فيها هذا المجتمع من "توتر وجودي" بين قيمته العليا المطلقة وواقعه التاريخي المتردي.

في السياق الإيراني، ساد لزمن طويل تفسير "اختزالي" يُحِيل كل أدبيات العداء للولايات المتحدة وإسرائيل إلى لحظة "الصدمة السياسية" المتمثلة في عملية "أجاكس" عام 1953 التي تآمرت فيها المخابرات الأمريكية والبريطانية مع الشاه الإيراني للانقلاب على حكومة محمد مصدق. ورغم مركزية هذا الحدث إلا أن قراءته كنقطة انطلاق منعزلة للموقف الإيراني تجاه الغرب تطمس مسارين جوهريين كانا يتشكلان بروية في خلفية تلك الأحداث الساخنة.

الأولى: المسار الفكري متمثلا في ظهور "الجهادية الشيعية" التي كانت أسبق أحيانا من نظيرتها السنية، على يد رجل الدين الشيعي الإيراني نواب صفوي، ومؤسس تنظيم «فدائيان إسلام» (فدائيي الإسلام) الأصولي الذي وضع محاربة الأفكار الغربية ضمن مبادئه الجوهرية. وكذلك أفكار جلال آل أحمد الماركسية التي بدأت المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب في مرحلة مبكرة قبيل انقلاب مصدق.

أما المسار الثاني فهو "المأسسة الفكرية" التي تلت الحدث، وحولته إلى نقطة لبناء عالم فكري قادر على إنتاج موقف صلب ومستمر، لا مجرد ردة فعل نفسية غاضبة ستزول فور انتهاء الحدث. إن لحظة 1953 لم تكن مجرد انقلاب عسكري، بل كانت انعطافة تاريخية أكدت "تراجيدية" الواقع لدى النخب الدينية والفكرية الإيرانية، مما دفعهم للبحث عن "مخلص" (أو "إله خفي" وفق نظرية غولدمان، سواء كان ذلك في الإسلام السياسي أو المهدوية أو الثورة الحسينية أو التجربة العرفانية أو المقاربة اليسارية النضالية)، كبديل عن الواقع السياسي الفاسد الذي تلوث بالتدخل الأمريكي.

كانت النظرة الإيرانية ناتجة عن امتزاج بين المسارين "الديني - الفقهي" والسياسي لا يمكن قراءتها إلا ضمن التحولات في العالم الإسلامي الأوسع الذي كان يخوض مواجهات مختلفة الأشكال والحدة في مواجهة التحديث، والعلمنة والاستعمار الإمبريالي، ونهب الثروات والموارد، وفقدان الأمة لمركزها السياسي وتهميشها في حيزها الجغرافي.

في إيران، يمتد ذلك الخط التاريخي منذ ثورة التبغ (مارس/آذار 1890 - نشبت إثر منح ناصر الدين شاه حق تجارة التبغ في إيران لشركة بريطانية) على يد ميرزا حسين الشيرازي مرورا بكتابات أبو القاسم الكاشاني الذي استخدم نفوذه الديني لدعم توجه مصدق المناهض للغرب وقدم مجموعة من التنظيرات المبكرة التي تربط تراث الإمامية بالعمل السياسي، وصولا إلى النسخة الفقهية والسياسية الأكثر تطورا التي طورها آية الله الخميني. دون أن ننسى جهادية نواب صفوي، وفلسفات أحمد فرديد ونضاليات جلال آل أحمد، وإسهامات علي شريعتي وتجارب قراءة الذاكرة الشيعية لمرتضى مطهري، وتجربة "العرفان المسلح" لمصطفى شمران وغيرها.

وعليه فإن هذه المقالة لا تنظر إلى النصوص المؤسسة للعداء باعتبارها مجرد ردود فعل سياسية، بل بوصفها نتائج لتحولات شعورية واجتماعية كانت تتشكل ببطء. إن الفصل بين "الفكري" و"الاجتماعي-التاريخي" هو الذي يولد الوهم بأن العداء الإيراني للغرب وليد اللحظة السياسية، أو أنه عداء غير أصيل، مما يعزز "قراءة طائفية" تعمد إلى عزل إيران عن محيطها، بينما تمثل إيران في الواقع جزءا لا يتجزأ من فسيفساء العالم الإسلامي الكبير.الأصلالتصحيح

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل سوريا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا