آخر الأخبار

خشب الأرز بين الفينيقيين والفراعنة: رحلة عبر التاريخ

شارك
مصدر الصورة

بات معلوماً أنّ المصريين القدماء أقاموا علاقات مع الفينيقيين المقيمين على ساحل البحر المتوسط، وفق ما دلّت عليه الاكتشافات الأثرية في أكثر من مرحلة.

كانت التجارة أساس هذه العلاقة، ووثّق المؤرخون وعلماء الآثار استيراد الفراعنة خشب الأرز من جبال لبنان لاستخدامه في بناء السفن والتوابيت وأشياء أخرى.

فيمكننا أن نتخيّل سفناً راسية في مرفأ ما على الساحل اللبناني القديم، لتحمل جذوع خشب الأرز وتبحر بها إلى مصر. لكنّ العملية كانت أكثر تعقيداً من ذلك.

في البداية علينا أن نعرف كيف نُقلت الجذوع الضخمة الطويلة، من الجبال البعيدة إلى الساحل أولاً قبل أن تعبر البحر المتوسط.

فلنفترض أنّنا نعيش اليوم في عصر الفينيقيين والفراعنة، وأنّ شحنة من خشب الأرز ستنطلق من مصدرها في غابات الأرز في جبال لبنان، لتصديرها بحراً إلى مصر.

سنتابع مسار هذه الجذوع التي تحمل في العادة أشجاراً يصل ارتفاعها إلى 40 متراً.

لكن قبل انطلاق الرحلة، علينا أن نعرف أولاً لماذا أراد الفراعنة خشب الأرز تحديداً وبحثوا عنه خلف البحار؟

مصدر الصورة

سفينة الشمس

في مايو/أيار عام 1954، اكتشف عالم الآثار المصري كمال الملاخ نحو 1200 قطعة خشبية مفككة ومدفونة في حفرة مغطاة بالحجارة، في القسم الجنوبي من الهرم الأكبر "خوفو".

جمعت هذه القطع الخشبية واستغرق ترميمها وقتا طويلاً من جديد لتعود إلى شكلها الأصلي وتكشف عن سفينة صنعت للملك خوفو، يرجّح أنها كانت السفينة الجنائزية التي من المفترض أن تحملته في رحلته الأخيرة. وسميّت بسفينة أو مركب الشمس.

يعدّ هذا الاكتشاف من أهم وأقدم الشواهد التي تؤكد قيمة خشب الأرز لدى المصريين القدماء

وأكدّت نتائج دراسة إيطالية نشرت في 2021، شملت فحص مجموعتين من التوابيت: مجموعة خاصة بموتى أفراد الأسرة الثامنة عشر (الدولة الحديثة) والثانية خاصة بالأسرة الحادية والعشرين من الفترة الانتقالية الثالثة.

وثبت في الدراسة أن توابيت الأسرة الحديثة كانت مصنوعة من خشب الأرز، بينما صنعت توابيت الأسرة الحادية العشرين من خشب أشجار الجميز المصرية.

وتساهم هذه الاكتشافات الأثرية في تحديد وجهة استخدام خشب الأرز في مصر القديمة. مثل استخدامه في صنع السفن التي أبحر بها الفراعنة نحو البحر الأحمر.

وأعلنت وزارة الثقافة المصرية في مارس/آذار 2005، عن اكتشاف بقايا سفن استخدمها المصريون القدامى في رحلاتهم البحرية الى بلاد بونت في جنوب البحر الأحمر.

وصدر حينها عن المجلس الأعلى للآثار في مصر، أنّ بعثتين أثريتين من الولايات المتحدة الأمريكية وايطاليا عثرتا على بقايا السفن أثناء أعمال التنقيب داخل أحد الكهوف المحفورة في الميناء الفرعوني جنوبي ميناء سفاجا على ساحل البحر الاحمر.

ومن بين ما عثر عليه في ذلك الموقع بحسب بيان المجلس، مجموعة من حبال الأشرعة والصواري وأضلاع خشبية للسفن وألواح من خشب الأرز المستورد من بلاد الشام.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، عثر على قطعة أثرية مصرية فقدت لزمن طويل بعد العثور عليها للمرة الأولى عام 1872 في غرفة الملك خوفو داخل الهرم، بواسطة مهندس بريطاني يدعى واينمان ديكسون ضمن مقتنيات الهرم.

تمّ التبرع بهذه القطعة إلى جامعة أبردين في في اسكتلندا عام 1946، لكنها اختفت في ظروف غامضة لتعود وتظهر من جديد في علبة سيجار.

وكشفت عملية تحديد عمر قطعة خشب الأرز هذه، أنّها تعود إلى الفترة ما بين 3094 و3341 قبل الميلاد، أي قبل 500 عام من بناء الهرم. وزاد الاهتمام بهذه القطعة لما قد تكشفه حول طرق أو أدوات استخدمت خلال بناء هرم خوفو.

مصدر الصورة

اسطول فرعوني على الساحل الفينيقي

وتشير الدراسات إلى أن العلاقة بين الحضارتين قديمة جداً؛ إذ أرسل الملك سنفرو (مؤسس الأسرة الرابعة وعصر بناة الأهرام) أسطولاً ضخماً إلى فينيقيا لجلب خشب الأرز، نظراً لندرة الأخشاب الجيدة في مصر.

وبالإضافة لأهميته في تشييد السفن وصناعة الأثاث، حظيت شجرة الأرز بمكانة مقدسة في المعتقدات المصرية القديمة. فبحسب الأساطير، ارتبطت الشجرة برحلة بحث الربة إيزيس عن جثة زوجها أوزيريس (إله البعث والخصوبة)، حيث استقر الصندوق الذي حمل جثمانه في مدينة جبيل القديمة واحتضنته شجرة هناك، مما جعل الأرز رمزاً للخلود.

ولم يقتصر استخدام المصريين للأرز وصمغه على بناء التماثيل والتوابيت فحسب، بل أدخلوا زيت الأرز كمكون أساسي في عمليات التحنيط لقدرته العالية على الحفظ. ويتميز الأرز بكونه من الأشجار المعمرة التي تعيش قروناً، كما يشتهر برائحته العطرية، ومتانته، ومقاومته الفائقة للعوامل الطبيعية كالرطوبة والآفات، وهي الخصائص التي جعلته المادة المفضلة لبناء الأسطول الفينيقي الشهير بنشاطه التجاري.

مصدر الصورة

رحلة خشب الأرز

نعود إلى غابة أرز في لبنان خلال العصر الفينيقي، وننطلق من إحدى غابات الجبال المحيطة بمدينة جبيل، حيث كان مرفأها الأكثر نشاطاً في التبادل التجاري مع مصر.

ترتفع أشجار الأرز بطول يتخطى 40 متراً ويتجاوز قطر الشجرة المعمّرة خمسة أمتار في بعض الأحيان.

وإن كانت هذه الأشجار قد قطعت حديثاً، فسيعني هذا أنها ستكون رطبة، ما يعني بدوره أن وزنها أثقل من تلك الجافة.

الآن صارت الجذوع الضخمة مقطّعة ومصطفة أرضاً تمهيدا لبدء نقلها نحو الساحل.

لو تمّ تقطيع هذه الأشجار إلى قطع صغيرة، لكان من السهل ربما نقلها برّاً بواسطة عربات تجرّها الحيوانات.

لكن من المعروف أنّ الطرقات الجبلية شاقة ووعرة وتمثل تحدياً كبيراً في نقل البضائع مسافة طويلة.

وسيحتاج بناء سفن وتوابيت إلى استخدام قطع طويلة أو جذوع كاملة من شجر الأرز دون تقطيعها.

ما العمل؟

لجأ الفينيقيون أو سكّان بلاد كنعان إلى إرسال شحنات خشب الأرز عبر الأنهار التي تجري من الجبال نزولاً لتصبّ في البحر.

مصدر الصورة

ربطوا الجذوع ببعضها على شكل عبّارات ودفعوها في النهر لتسلك المجرى نزولاً باتجاه الساحل البحري.

ولكن هذا لا يعني أنّ المسألة تمّ حلّها ببساطة، لأنّ إرسال الشحنة عبر الأنهار بات خاضعاً لعوامل عدة، أبرزها الطقس.

ويذكر موقع آثار مدينة جبيل الرسمي أنّ المخططات الزمنية الواردة في تقرير وون آمون – الكاهن المصري الذي أرسل في عهد رمسيس الحادي عشر إلى جبيل لجلب خشب الأرز – تشير إلى أنّ قطع الأشجار كان يتمّ في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني.

وكانت الأشجار – بحسب ما يذكر الموقع – تترك على الأرض من ديسمبر/كانون الأول حتى فبراير/شباط وهو عادة فصل الثلوج في جبال لبنان.

وتنتظر الجذوع حتى تحلّ الفترة بين مارس/آذار وأبريل/نيسان، والتي تشهد ارتفاع منسوب الأنهار نتيجة ذوبان الثلوج وانفجار الينابيع، بالقدر الكافي لتعويم الأخشاب أو العبارات.

وبعدها تترك الأشجار على الشاطئ حتى تجفّ وتتصلّب قبل حلول فصل الصيف، وهو الوقت المناسب للإبحار في المتوسط نحو مصر.

ومن هنا نستنتج أنّ هذه التجارة كانت عبارة عن عمل متواصل يستغرق عاماً كاملاً بجميع مواسمه.

ويذكر موقع آثار جبيل أنّ تجارة خشب الأرز إلى مصر بدأت وفق ما تدلّ المكتشفات الأثرية في أواخر العصر النحاسي من 3500 إلى 3200 قبل الميلاد، أي قبل بدء عصور الأسر الفرعونية.

هل هذا كل شيء؟

ليس بعد، علينا أن نتخيّل أولاً استقبال هذه الجذوع العائمة في البحر بعد سلوكها المجرى النهري، وانتشالها إلى الشاطئ وتركها تجفّ.

وعلينا أن نتخيّل المخاطر التي تحيط بعملية إرسال هذه الجذوع لتطفو على سطح مياه أنهار قوية جارية بقوة عبر المنحدرات الجبلية. ما يتضمن ذلك من احتمال أن يفلت الحبل الذي يربط بين الجذوع أو أن تصطدم تلك العبارات المكونة من جذوع ضخمة مترابطة وطويلة، بصخور على طريقها وتخرج عن مسارها أو تتعرض لأضرار.

ولا يتوافر لدينا الكثير من المعلومات حول تفاصيل التقنيات المعتمدة حينها في إرسال هذه الشحنات بحراً، وما إذا كان المسؤولون عن هذه العملية نشرون أشخاصاً على طول الطريق لمراقبة مسارها.

لكنّ ما تمّ توثيقه تاريخياً، هو نشاط ونجاح تجارة خشب الأرز منذ العصور القديمة إلى مصر وغيرها، فلا بدّ وأنّ تجار هذا الخشب اختبروا عدة وسائل للتقليل من الخسائر.

يبقى أن تحمّل هذه الجذوع بعد جفافها واستخراج زيتها وصمغها، مما سيقلّل من وزنها إلى سفن تبحر بها نحو مصر.

ومع وصولها إلى الشاطئ المصري، ستعبر الشحنة من البحر إلى نهر النيل، وتبحر مجدداً إلى الداخل المصري، ومن ثمّ تخرج عبر أحد روافد النهر إلى وجهتها النهائية.

ولحسن حظّ المصريين أنّ النيل الذي يعبر مصر، يتصل بالبحر المتوسط عبر فرعي دمياط ورشي.

وهذان هما الفرعان الوحيدان المتبقيان من فروع النيل السبعة في مصر القديمة.

وكان فرع دمياط (دميت في مصر القديمة، يسمى قديماً بالفرع الفانتيني، وفرع رشيد (رخيت قديماً) كان اسمه الفرع الكانوبي.

وتصبّ مياه النيل في البحر المتوسط عند نقطة تدعى لسان رأس البر. وهي نقطة حيوية لانتقال السفن من البحر إلى النهر، ولاستقبال البضائع من بعيد عبر البحر المتوسط.

ومن هناك، من نقطة التقاء النيل بالمتوسط، تشارف رحلة الأرز المقدّس لدى الحضارتين على الانتهاء. وتحمل السفن الجذوع هذه المرة عبر نهر النيل وتسلك تفرعاته التي تقود إلى الوجهة المطلوبة لإنزال الشحنة.

كلّ ما نعرفه عن تلك الرحلات وعن مسار خشب الأرز عبر المتوسط ونهر النيل، يعود فضله إلى الكتابات القديمة المنقوشة على الجدران والحجارة، وإلى ميزة شجرة الأرز المعمّرة، التي صمد خشبها قروناً بانتظار مكتشفيه، وقد تحوّل هو أيضاً إلى قطع أثرية تاريخية قيّمة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل مصر إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا