على الطرق القومية في السودان، لا يكفي أن تكون الشاحنة قانونية محمّلة بالبضائع لتصل إلى وجهتها، فالمشهد اليومي لسائقي الشاحنات يختصره شعار واحد: "شخلل جيوبك عشان تعدي". عبارة صادمة تحوّل كل رحلة تجارية قصيرة إلى اختبار للصبر، ونزيف مالي يومي يرفع كلفة النقل أحياناً إلى ثلث قيمة السلعة نفسها، ويزيد أسعار المواد الأساسية على المستهلك.
ليست هذه مجرد مبالغة بل واقع يومي تشهده شاحنات محمّلة بالتمور أو الأسمنت أو البضائع المستوردة، حيث تتوالى الإتاوات والجبايات بلا سقف، وتُفتح الحاويات المختومة، وتتنازع نقاط التحصيل صلاحياتها، فتتحول الطرق من شرايين للتجارة إلى مسار ابتزاز دائم يهدد الأسواق والمواطن على حد سواء.
في السودان لم تعد الطرق مجرد مسارات تعبرها الشاحنات، بل تحولت إلى متاهات تتربص بها رسوم تتكاثر بلا سقف، وإتاوات بلا سند، وحواجز تفتيش تتنازع الصلاحيات. رحلة تجارية قد لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات باتت، في نظر كثيرين، سلسلة فواتير مفتوحة، وتدفع الأسعار إلى الارتفاع بصمتٍ متدرج لا يلاحظه المواطن إلا حين يصل إلى رفوف السوق.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، فقد عبرت حكومات وتعاقبت عليها عهود، لكنها ظلت حاضرة بأشكال مختلفة، حتى بدت لكثيرين أشبه بـ"نظام تحصيلٍ موازٍ" يعمل خارج الدفاتر الرسمية. وبينما تتبدل الشعارات، يبقى الطريق في نظر التجار والسائقين ساحة اختبار يومية لحدود الاحتمال والربح والخسارة.
في بلد يرزح اقتصاده تحت أعباء متلاحقة، تتصاعد شكاوى التجار وسائقي الشاحنات من رسوم عبور وجبايات متكررة على الطرق القومية ونقاط التفتيش الداخلية. مبالغ تُحصَّل أحيانًا دون إيصالات واضحة، وإجراءات تتباين من نقطة إلى أخرى، ما يحول بعض محطات العبور من أدوات تنظيم إلى بؤر تحصيل غير منضبطة.
شهادات متطابقة تشير إلى أن الظاهرة لم تعد محصورة في مسار بعينه، بل امتدت عبر خطوط التجارة الحيوية، الأمر الذي ضاعف تكلفة النقل وانعكس مباشرة على أسعار السلع. ويصف بعض المتضررين الرحلة التجارية بأنها "نزيف مفتوح" يبدأ من الميناء ولا ينتهي إلا عند أبواب المخازن.
ولا تقف الإشكالات عند حدود الرسوم، بل تمتد إلى شكاوى من فتح حاويات مختومة بما يُعرف بـ"الشمع الأحمر"، وفقاً لإفادات متطابقة، وهو ختم يُفترض أن يضمن سلامة الشحنة بعد استكمال الإجراءات الجمركية. العبث بهذه الحاويات خارج الأطر القانونية لا يمثل مجرد مخالفة إجرائية، بل يضرب في صميم الثقة بسلسلة الأمان التجاري، ويعرّض البضائع للتلف أو التلاعب، ويزيد كلفة التأمين والنقل معا.
ولا تقف الشكاوى عند حدود الانطباعات العامة، بل تسندها إفادات ميدانية موثقة. ويقول أحد المتعاملين في قطاع النقل لـ"العربية.نت" إن المشكلة لا تكمن في رسم واحد بقدر ما تكمن في تعدد جهات التحصيل على الطرق القومية، مشيرا إلى وجود نقاط للمرور، والضرائب، والطرق والجسور، والغابات، والمحليات، إضافة إلى الارتكازات الأمنية، "تحت مسميات مختلفة لكن النتيجة واحدة: تحصيل متكرر". ويضيف أن بعض الولايات – لاسيما في الإقليم الشمالي – تشهد "كثرة في الإيصالات وتباينًا في الجهات"، ما يجعل السائق يواجه سلسلة رسوم لا تنتهي من نقطة إلى أخرى.
في إفادة أخرى، كشف أحد سائقي الشاحنات – طلب حجب هويته لأسباب أمنية – عن إيصالات ورسوم فُرضت على شاحنة "لوري" محمّلة بجوالات التمر قادمة من شمال السودان، أحد أغنى أقاليم البلاد بإنتاجه.
وأوضح لـ"العربية.نت" أن رحلته أُوقفت ومُنعت من مواصلة السير عبر الطريق الرابط بين الشمال والعاصمة الخرطوم، بذريعة الخشية من "تهريب المحصول" إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان، وهي حجة أصبحت تُستخدم ذريعة لتعليق الشاحنات وفتح أبواب الجباية.
ويضيف السائق أن الرسوم تتكرر "بصورة مفزعة"، مؤكدًا أن الاستنزاف لا يقتصر على الشاحنات المحلية، بل يطال كذلك الشاحنات القادمة من معابر حدودية، والتي تبدأ رحلتها المالية منذ نقطة الدخول ولا تنتهي إلا عند الوجهة النهائية. وقد تصل الكلفة الإجمالية أحيانًا إلى نحو مليوني جنيه سوداني للرحلة الواحدة – والدولار الواحد يساوي نحو 3700 جنيه سوداني تقريبا – في اقتصاد متقلب سعر الصرف، ما يجعل الطريق أشبه بـ"نزيف مالي يومي". والأدهى أن هذه الرسوم لا تُدفع مرة واحدة، بل تتكرر "جيئة وذهابا" ما دامت الشاحنة محمّلة بالبضائع.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي بروفيسور عبد العظيم المهل، أستاذ الاقتصاد بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، أن تعدد الجبايات "يعرقل انسياب البضائع ويزيد تكلفة السلع"، مشيرا إلى أن جزءا من هذه الأموال "لا يصل إلى الخزينة العامة كما ينبغي". ويحذر من أن غياب الرقابة الفاعلة يخلق بيئة مواتية للتجاوزات، فيما يجد السائق نفسه غالبا أمام خيار واحد: الدفع أو التعطيل.
ويؤكد المهل أن المعالجة ممكنة عبر الحوسبة الكاملة للرسوم، ومنع السداد النقدي، والرقابة متعددة الجهات، وحملات التفتيش المفاجئة، وتوعية السائقين بعدم الدفع خارج القنوات الرسمية، وتقليص عدد نقاط التفتيش. كما يدعو إلى إعادة ضبط العلاقة المالية بين المركز والولايات بما يحد من اللجوء إلى الجبايات العشوائية لتعويض نقص الموارد.
وحسب وكالة السودان للأنباء، أعلنت لجنة التحصيل غير القانوني تكثيف نشاطها في مراجعة الرسوم المفروضة على السلع والبضائع في الطرق القومية والمعابر الحدودية. وتفقدت اللجنة معبر "اللفة" بولاية كسلا على الحدود مع دولة إريتريا، ووقفت على القضايا والملاحظات المتعلقة بالرسوم، وتلقت ردودا على شكاوى المواطنين في نطاق التحصيل. وأكدت اللجنة أنها ستقوم بزيارة مماثلة لمعبر القلابات الحدودي مع دولة إثيوبيا، مشددة على ضرورة منع التحصيل غير القانوني. وخلصت إلى وجود جبايات قانونية وأخرى غير قانونية، إضافة إلى أن جزءا من عمليات التحصيل يتم يدويا.
لا يقف أثر الجبايات عند حدود التاجر أو شركة النقل، فالفاتورة تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك. شاحنة الأسمنت المثقلة بالرسوم ترفع كلفة البناء، وشحنة الدواء المتأخرة تضاعف السعر، والسلع الأساسية تكتسب زيادات صغيرة تتراكم حتى تصبح عبئا معيشيا ثقيلا. هكذا تتحول الجباية من حاجز على الطريق إلى رقم إضافي في فاتورة الأسرة.
التجار وسائقو الشاحنات طالبوا بنافذة مركزية موحدة للرسوم، وإعلان شفاف لكل استحقاق مالي، ومنع أي تحصيل خارج القنوات القانونية، مع تفعيل الرقابة والمساءلة على نقاط التفتيش.
وعلى الجانب الرسمي، زار رئيس الوزراء كامل إدريس سوق "السجانة"، أحد أعرق وأكبر الأسواق بالعاصمة، وقال بشكل مباشر: "لا تدفعوا أي جبايات غير قانونية، وسننشئ مركزا للشكاوى في مجلس الوزراء"، مؤكدا أن أي تحصيل يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية فقط. كما أعلن عن حزمة إجراءات تشمل حصر المعاملات المالية عبر التطبيقات الإلكترونية ومنح التجار مهلة لترتيب أوضاعهم.
لكن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ تظل التحدي الأكبر، والأسواق لا تزال تحت رحمة وحش الرسوم وسرطان الجبايات المتنامية.
من يملك حق التحصيل؟ أين تنتهي الرسوم الرسمية وتبدأ الجبايات الخفية؟ وهل تكفي النوافذ الساخنة لإغلاق أبواب الفوضى؟
بين وحش الرسوم وسرطان الجبايات المتنامية، تقف التجارة السودانية عند مفترق حاد: إما استعادة الانسياب الطبيعي سريعا أو مواجهة نزيف قد لا يترك ما يمكن استعادته، لا في السوق فحسب، بل في فكرة الانضباط الاقتصادي ذاتها.
المصدر:
العربيّة