يتجول إيلي تاوبر في مدينته الأم سراييفو. كل بضع دقائق يحييه المارة بترحاب. محادثة قصيرة هنا، موعد هناك. دائما ودود، دائما مبتسم. هذا في حد ذاته ليس أمرا غير عاديا، لكنه مع ذلك جدير بالملاحظة. لأن تاوبر البالغ من العمر 75 عاما هو يهودي.
ألا يخشى معاداة السامية عندما يتجول في شوارع عاصمة البوسنة والهرسك التي تقطنها أغلبية مسلمة؟ يبتسم إيلي تاوبر ويقول "لا، نحن نعيش هنا بسلام مع الجميع ونشكل مجتمعا متماسكا".
في البوسنة الحياة اليهودية هي جزء طبيعي من النسيج الاجتماعي منذ 500 عام. لا يوجد حارس أمام المتحف اليهودي في سراييفو، ولا يوجد حاجز يحمي المدخل ولا توجد شرطة في الأفق.
يقع المتحف في كنيس يهودي سفاردي بُني عام 1581. طُرد السفارديم اليهود من إسبانيا والبرتغال من وطنهم عام 1492. حوالي عام 1530 استقرت حوالي 30 عائلة سفاردية في سراييفو، التي كانت آنذاك تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، بدعوة من السلطان العثماني سليمان القانوني.
سراييفو هاغاداهصورة من: Selma Boracic-Mrso/DW
تجمع الهاغادا بين النص والطقوس والرواية وذكريات خروج اليهود من مصر وتجعلها جزءا حيويا من الهوية اليهودية. هاغادا سراييفو هي النسخة الوحيدة التي بقيت كاملة: فقد نجت من محاكم التفتيش في إيطاليا في العصور الوسطى وخلال الحرب العالمية الثانية أنقذها العالم المسلم ديرفيس كوركوت من النازيين.
تاوبر هو أيضا مؤسس أحد أشهر الأحداث الثقافية في سراييفو. نشأت "ليلة السفارديم" من فكرة مديرة المتحف اليهودي آنذاك، ميفليدا سيردارفيتش وهي مسلمة. احتفل الحدث في عام 2025 بمرور 20 عاما على إنشائه.
فرقة من اسبانيا موطن العديد من السفارديم الأصليين عزفت موسيقى سفاردية أمام حوالي 700 ضيف وغنت باللغة اللادينية التي تُعرف أيضا باسم "الإسبانية اليهودية" وهي اللغة التي جلبها اليهود الأيبيريون من وطنهم إلى البلقان الغربي وما زالوا يحافظون عليها حتى اليوم.
داخل الكنيس اليهودي القديم في سراييفو الذي يضم اليوم المتحف اليهوديصورة من: Mirella Sidroيقول تاوبر إن العائلات اليهودية عاشت منذ البداية مع أفراد من ديانات أخرى في أحياء مختلفة. كانوا يتشاركون المهن والأحياء والاحتفالات. لم تكن هناك أحياء يهودية. فقط في حي بيلافي كان كل ثاني منزل تقريبا يعود ليهود.
"ليس قسرا" يوضح تاوبر "بل لأن الشمس تشرق هناك لفترة أطول". تقع سراييفو في وادٍ محاط بسبعة جبال. من يعيش في "الجانب الخطأ" يعيش في الظل والبرد خاصة في فصل الشتاء.
قبل الهولوكوست كان يعيش حوالي 12000 يهودي في عاصمة البوسنة. بعد انتهاء الحرب في عام 1945 لم يتبق سوى 2000 يهودي غادر معظمهم البلاد في السنوات التالية خاصة إلى إسرائيل. خلال حرب البوسنة (95ـ 1992) غادرت المزيد من العائلات اليهودية البلاد.
يبلغ عدد اليهود الذين يعيشون اليوم في البوسنة والهرسك ما بين 500 و700 يهودي. حوالي 70 في المائة منهم من السفارديم والباقي من الأشكناز، يهود من أوروبا الوسطى جاءوا إلى البلاد بعد ضمها إلى النمساـ المجر عام 1878. في الجالية اليهودية في سراييفو يحتفل السفارديم والأشكناز معا وهو أمر لم يكن دائما أمرا مفروغا منه.
"كان الاختلاف الأكبر في اللغة" يوضح تاوبر "كان السفارديم يتحدثون اللادينو والأشكناز يتحدثون اليديشية. ولكن مع مرور الوقت تعلم كلاهما البوسنية ومنذ ذلك الحين أصبحوا يحتفلون معا ويتزوجون فيما بينهم". عائلة تاوبر نفسها مختلطة: كانت والدته سفاردية، وكان والده من أصل سفاردي أشكنازي مختلط.
للانضمام إلى الجالية اليهودية في البوسنة لا يتعين على المرء اعتناق الديانة اليهودية. يروي تاوبر قصة فاتا فينسي، وهي مسلمة وصديقة والدته كانت متزوجة من يهودي وظلت عضوة نشطة في الجالية حتى وفاتها.
في كتابه "عندما كان الجيران بشرا" جمع تاوبر قصصا من فترة الاحتلال النازي الألماني للبوسنة. ويُظهر صورة تاريخية: في سراييفو المحتلة تغطي المسلمة زينبا هارداغا بعباءتها نجمة داود على ذراع اليهودية ريفكا كابيليو.
أنقذت عائلة هارداغا عائلة كابيليو من المحرقة وتم تكريمها لاحقا باعتبارها من "الصالحين بين الأمم". في عام 1994 أثناء حصار سراييفو في حرب البوسنة تم نقل زينبا هارداغا وابنتها وزوجها إلى إسرائيل بفضل عائلة كابيليو حيث توفيت زينبا لاحقا ودُفنت هناك.
تاريخ عائلة تاوبر نفسه يتسم بإنقاذ. "هذه المرأة أنقذت والدتي"، يقول وهو يشير إلى صورة زورا كراينا، وهي كاثوليكية. نقلت والدة تاوبر في عام 1941 من سراييفو إلى موستار ومن هناك هربت إلى جزيرة هفار الكرواتية.
تاوبر يريد الحفاظ على مثل هذه القصص. ولهذا السبب تقوم الجالية اليهودية بإنشاء أرشيف يجمع ويقوم برقمنة الوثائق المنتشرة في جميع أنحاء العالم. وقد وصلت بالفعل آلاف الماسحات الضوئية من صربيا وإسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. والهدف هو تقديم تاريخ شامل لليهود في البوسنة والهرسك بحلول عام 2030 بمناسبة الذكرى الـ 500 لوصول السفارديم.
إيلي تاوبر يعرض الصورة الشهيرة لزيجنيبا هارداغا وريفكا كابيليو في كتابه "عندما كان الجيران بشرا"صورة من: Mirella Sidroمشروع آخر هو ما يُعرف باسم "جينيزا": وهو عبارة عن تجويف لتخزين الكتب المقدسة التي لم تعد مستخدمة. يشرح تاوبر: "نحن اليهود لا نرمي الكتب، بل ندفنها". قام العالم السفاردي زكي أفندي (1845-1916) من سراييفو بإنشاء مثل هذه الجنيزا وخطط لفتحها بعد سنوات، لكنه توفي قبل يوم واحد من الموعد المقرر. أجرى تاوبر أبحاثا حول هذا الموضوع ولديه تخمين حول مكان وجود الجنيزا: "لا يتبقى سوى إثبات أنها موجودة بالفعل هناك". ويأمل أن يجد هناك شهادات تاريخية قيّمة.
قبل أن نودعه يبتسم تاوبر ويقول: "الكنيس اليهودي السفاردي في سراييفو لا يتجه نحو القدس، بل نحو مكة احتراما للسلطة العثمانية الإسلامية التي منحتهم الحماية". ويمكن إثبات ذلك من خلال اتجاهها المعماري الذي يتطابق مع اتجاه مسجد غازي حسريف بيج المجاور.
"مجتمعنا متعدد الثقافات هنا في البوسنة هو تراث قيم يجب الحفاظ عليه"، يقول تاوبر "وهو مثال لأوروبا". ولا يغير من ذلك شيء الصراع الدائر في الشرق الأوسط. تقام مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين بانتظام في سراييفو ولكنها لا تقام أبدا أمام المؤسسات اليهودية. يقول تاوبر: "احتراما لأن الناس هنا يعرفون أننا لا علاقة لنا بهذه الحرب".
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW