آخر الأخبار

تقرير إسرائيلي: شرطة الاحتلال تتجاوز القانون للتنصت والتجسس

شارك

القدس المحتلة- كشف تقرير رسمي لمراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو أنغلمان، عن اتساع غير مسبوق في استخدام الشرطة الإسرائيلية لأدوات التنصت والاختراق التكنولوجي خلال الأعوام 2011 إلى 2021، في ظل غياب تنظيم قانوني واضح وآليات رقابة فعالة، وذلك على خلفية قضايا أثارت جدلا واسعا في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها قضية برنامج التجسس " بيغاسوس".

ووفق المعطيات الواردة فيه، تقدمت الشرطة خلال هذه الأعوام بنحو 14 ألف طلب للحصول على أوامر قضائية بالتنصت، صودق على 12 ألفا و937 منها، أي ما يزيد على 90%. كما تم إقرار أكثر من ألف عملية تنصت وتجسس على اتصالات بين الحواسيب، وأكثر من ألف عملية لتركيب أدوات تكنولوجية على وسائل خاضعة للمراقبة.

وبيّن التقرير أن الشرطة الإسرائيلية وسّعت بشكل كبير استخدام أدوات تكنولوجية مكنتها من جمع معطيات اتصال حساسة، بما في ذلك تحديد مواقع الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، في ظل تطور تقني سريع وتراكم قدرات تسمح بجمع كميات هائلة من المعلومات الشخصية.

مصدر الصورة تقرير رسمي كشف تجاوزات واسعة في تنصت الشرطة الإسرائيلية (المتحدث باسم الشرطة)

إخفاقات خطِرة

وخلق هذا التوسع إشكالية معقدة في الموازنة بين متطلبات إنفاذ القانون وحماية الأمن العام، وبين صون الحق في الخصوصية، في غياب تشريع واضح ومحدّث ينظم هذه الصلاحيات.

ووثّق المراقب سلسلة إخفاقات خطِرة في مسارات المصادقة القانونية، من بينها استخدام أدوات تنصت دون الاستناد إلى آراء قانونية من وزارة القضاء أو المستشارة القضائية للحكومة، أو دون إطلاع هذه الجهات على القدرات الكاملة للوسائل التكنولوجية المستخدمة.

كما رصد حالات عديدة صودق فيها على إجراءات تنصت من داخل الشرطة فقط، قبل أن يتبين لاحقا أنها تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لها قانونا، واعتمدت الشرطة أوامر استثنائية بديلة عن المسار القانوني الأصلي، إلى حد تحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة في عملها.

إعلان

وفي ما يتعلق بإجراءات التوجه إلى المحاكم، أشار التقرير إلى إخفاقات واسعة في استيفاء الشروط القانونية، سواء في عرض مبررات التنصت أو تحديد أهدافه أو طبيعة الجرائم المرتبطة به، ما حوّل المسار القضائي إلى إجراء شكلي تقني بدل أن يكون فحصا جوهريا وحساسا.

وكشف عن إشكاليات خطِرة تتعلق بالتنصت على أشخاص غير مشتبهين، مثل الشهود والضحايا، مؤكدا أن هذه الممارسات ألحقت ضررا خاصا بالفئات المستضعفة، وفي مقدمتها القاصرون، في ظل غياب تعليمات داخلية تضمن لهم حماية خاصة عند استخدام وسائل المراقبة.

مصدر الصورة توصية بإخضاع كل الهيئات والمسؤولين ومنهم نتنياهو (الثالث يسار) لسيادة القانون (مكتب الصحافة الحكومية الإسرائيلية)

نقطة تحول

وعلّقت المحامية دينا زيلبر، التي شغلت سابقا منصب نائبة المدعي العام الإسرائيلي وتعمل حاليا باحثة في مركز "روبنشتاين" للتحديات الدستورية، على تقرير مراقب الدولة بالقول إنه يقود إلى استنتاج واضح مفاده أن الشرطة تنتهك القانون.

وفي مقال لها نُشر في صحيفة "هآرتس"، ترى زيلبر أن قضية التجسس وتوسيع استخدام وسائل المراقبة خارج الصلاحيات القانونية يعكس ثقافة مؤسسية تتعامل مع القانون بوصفه "توصية" لا التزاما ملزما.

وترى أنه في ظل قيادة سياسية تماطل في سن تشريعات تنظم هذه الصلاحيات، وتلقي بالمسؤولية على عاتق جهات أخرى، يصبح من الضروري إحداث تغيير جذري في نهج الشرطة، يقوم على حماية حقوق المواطنين وصون حرياتهم.

وأكدت أن التقرير ينبغي أن يشكل نقطة تحول في وعي الرأي العام، لأن تعرّض كل مواطن لاحتمال المراقبة والاستهداف يجعل هذا التقرير بمثابة جرس إنذار حقيقي. فمصطلح "الدولة البوليسية"، الذي يُستخدم في الشعارات الاحتجاجية، لم يعد توصيفا دعائيا، بل بات يعكس واقعا مقلقا يتسلل إلى الحياة اليومية.

وتضع هذه القضية، بحسب زيلبر، حلقة جديدة في سلسلة متنامية من الأمثلة التي تبرز مخاطر تركيز السلطة في أيدي المؤسسات الحاكمة دون رقابة فعالة، وتظهر الحاجة الماسة إلى إخضاع جميع الهيئات والمسؤولين، من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مرورا بالسلطات التنفيذية، وصولا إلى الأجهزة الأمنية، لسيادة القانون دون استثناء.

وحذرت من أن تبرير تجاوز القانون بذريعة "الانتخاب"، أو تحت شعارات مثل "الغاية تبرر الوسيلة"، أو "مكافحة الإرهاب" أو "محاربة الجريمة" أو حتى "مواجهة الأوبئة"، يؤدي إلى توسيع مناطق انعدام القانون والعدالة، ويطبع الاستثناء ليصبح قاعدة.

دائرة الخطر

تحت عنوان "التجسس مجرد مثال: هكذا تستخدم الشرطة التقنيات المتقدمة دون رقابة"، خلصت الباحثة تهيلا شفارتس ألتشولر رئيسة برنامج الديمقراطية في عصر المعلومات في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، في تقدير موقف تحليلي، إلى أن ما ورد في تقرير مراقب الدولة لا يعبر عن خلل عابر، بل يكشف فشلا عميقا ومستمرا ومتعدد المستويات في منظومة الحوكمة بإسرائيل.

وترى أن الحديث عن مئات حالات التجسس، حتى دون تفصيل كل حالة على حدة، كفيل بإثارة قلق عام واسع، لأن هذه الأدوات تمنح الشرطة قوة هائلة تمكنها من الوصول إلى كميات ضخمة من المعلومات الشخصية والسياسية والمهنية، من دون رقابة فعالة أو إشراف واضح، ما يضع خصوصية المواطنين جميعا في دائرة الخطر.

إعلان

وأشارت ألتشولر إلى أن التقرير، رغم خطورته، يفتقر إلى السياق الأشمل، إذ إن التجسس ليس سوى نموذج واحد ضمن منظومة متكاملة من التقنيات المتقدمة التي تستخدمها الشرطة، مثل الكاميرات الذكية في الفضاء العام، وأنظمة قراءة لوحات المركبات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تحدد من يخضع للتفتيش في مطار بن غوريون.

ووفقا لها، تبرر الشرطة دائما لجوءها إلى هذه الوسائل بحجة تعقّد الجريمة وتغيّر التهديدات، والحاجة إلى أدوات متطورة لحماية الجمهور. وأحيانا تُعرَض هذه التقنيات على أنها امتداد طبيعي لوسائل قديمة، أو أنها مجرد "مشاريع تجريبية" مؤقتة.

وقالت إن هذه التقنيات "التطفلية" جرى اعتمادها وتشغيلها في غياب تشريع منظم، وإجراءات واضحة، وتدريب مهني كافٍ، وإشراف فعلي، ما يعكس بنية مؤسسية تقدّم فيها القدرة التكنولوجية على أي نقاش مبدئي حول الشرعية، وحدود السلطة، وحماية الحقوق الأساسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا