في يومٍ مشمس وبارد في آن، جابت حشود من أبناء الجالية الكردية شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، رافعةً أعلام إقليم كردستان ولافتات وصوراً لقتلى مدنيين أكراد، ومردّدةً شعارات مؤيدة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
واتجه المشاركون في المسيرة، أمس الثلاثاء، نحو مقر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا” في وسط بيروت، حيث نظّمت وقفة تضامنية مع أكراد سوريا.
التحرك جاء عقب إعلان القيادة العامة لـ”قسد” حالة النفير العام، يوم الاثنين، ودعوتها “الشباب والشابات في روجافا وكردستان الشمالية والجنوبية والشرقية، إضافة إلى الجاليات الكردية في أوروبا، إلى الوحدة والانخراط في المقاومة”، وغداة الاشتباكات التي وقعت بين “قسد” والقوات الحكومية في شمال سوريا.
الفعالية أمام “الإسكوا” اختتمت ببيان صادر عن الجالية الكردية في لبنان، طالب بوقف فوري للعمليات العسكرية، وإرسال لجنة تحقيق دولية، وضمان حقوق الشعب الكردي دستورياً وقانونياً، إضافة إلى تأمين عودة آمنة للمهجّرين. كما سلّم وفد من رابطة نوروز وممثل الإدارة الذاتية رسالة إلى نائبة الأمم المتحدة في لبنان، شاديا عبد الله، لنقل مطالب الشعب الكردي إلى المحافل الدولية.
ما شهدته بيروت “يعكس تضامناً عميقاً بين الأكراد في كلّ مكان”، كما يصف ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في لبنان، عبد السلام أحمد، قائلاً: “هذه الوقفة ليست مجرد احتجاج، بل موقف وجداني وإنساني إلى جانب أهلنا الذين يتعرّضون لعمليات قتل وإبادة ممنهجة”.
ويؤكد أحمد في حديث لموقع “الحرة” أن أي دعوة عامة للدفاع عن الأكراد في سوريا “تشمل حكماً الجالية الكردية في لبنان”، موضحاً أن “كثيراً من أكراد لبنان لا تزال عائلاتهم تعيش في مناطق شمال وشرق سوريا، إذ ان غالبيتهم هم من المهجّرين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في عفرين والحسكة والقامشلي وكوباني، إما نتيجة الاحتلال التركي أو هرباً من الجماعات الجهادية “، داعياً الشباب “للالتحاق والدفاع عن أهلهم وأرضهم”.
وبعيداً عن مشهد التظاهر، يعبّر رستم، وهو سوري كردي من القامشلي لجأ إلى لبنان خلال سنوات الحرب السورية، عن تضامن كامل مع قوات سوريا الديمقراطية، مؤكداً أن موقفه نابع من الشعور بالانتماء والواجب.
ويقول: “قسد بالنسبة إلينا ليست مجرد قوة عسكرية، بل ضمانة وجود ومظلّة حماية في وجه الفصائل المتطرفة، وأيّ تخلّ عنها اليوم يعني إبادة الأكراد وتهجيرهم مجدداً. بالنسبة لي، هذه مسألة وجودية”.
ويضيف رستم في حديث لموقع “الحرة” إن “الأكراد حُرموا طويلاً من حقوقهم، ومن حقهم أن يكون لهم كيانهم ودولتهم مثل باقي شعوب العالم”. ويختم: “أنا اليوم في لبنان، لكن قلبي هناك، وأنا جاهز للعودة إلى سوريا للوقوف أمام أهلي إذا ما استدعى الأمر ذلك”.
يفتح مختار بيروت جمال عميرات نافذة على تاريخ الجالية الكردية في لبنان موضحاً أن ما يُعرف في لبنان بـ”الأكراد” لا يعكس الأصول الفعلية لغالبية هذه الفئة، “إذ تعود الغالبية الساحقة منهم في الأصل إلى عرب ماردين (جنوب شرق تركيا) وهم يتحدثون العربية، فيما لا تتجاوز نسبة الأكراد الفعليين 10 في المئة فقط”.
عرّف عرب ماردين عن أنفسهم كأكراد عند قدومهم إلى لبنان خلال فترة الانتداب الفرنسي، لتسهيل عملية اللجوء، مستفيدين، كما يقول عميرات لموقع “الحرة”، “من تعاطف الفرنسيين مع الأكراد ومعارضتهم للأتراك، وكانت هذه الهجرة في بدايتها موسمية بدوافع اقتصادية قبل أن تتحول تدريجياً إلى استقرار دائم، ساعد على ذلك اللغة العربية وسهولة الاندماج. وقد حصل بعضهم على الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم التجنيس عام 1956، بينما حصل الباقون عليها في مرسوم عام 1994”.
في البداية، عمل القادمون من الأرياف التركية “كباعة بسطات وعمال في أسواق الخضار، قبل أن يتدرجوا إلى تجارة الجملة، مع حضور بارز اليوم في الأسواق الكبرى في بيروت، لا سيما سوق الخضار قرب المدينة الرياضية”، وفق عميرات.
لا تتوافر أرقام دقيقة حول أعداد الأكراد في لبنان، لكن أحمد يقدّر عدد الذين قدموا خلال السنوات الأخيرة بين 30 و40 ألف شخص “هؤلاء لا يحملون الجنسية اللبنانية”. في المقابل، يشدد على أن الوجود الكردي في لبنان ليس طارئاً، بل “قديم تاريخياً ويعود إلى عصور بعيدة، من العصر الساساني مروراً بالأيوبي والعثماني”، ويضيف إن قسماً كبيراً منهم هاجر لاحقاً خلال الحرب الأهلية اللبنانية إلى أوروبا، خصوصاً السويد وألمانيا.
الأجيال الجديدة التي نشأت داخل المجتمع اللبناني تأثرت وفق أحمد “ببيئته الاجتماعية، ونشأت علاقات مصاهرة واندماج في المجتمع اللبناني”.
هذا الاندماج جعل البعض ينسى لغته الأم، ومع ذلك لا يزال القلّة منهم يتحدثون الكردية عند اجتماع العائلة، كل بحسب لهجته. ويقول أحمد إن “معظم الأكراد الجدد يتحدثون لغتهم ويحافظون على ارتباطهم بجذورهم”.
ولعرب ماردين حضور في الحياة العامة في لبنان، “غالبيتهم يتبعون سياسياً لتيار المستقبل، ودينياً ينتمون إلى جمعية المشاريع (الأحباش). كما يوجد خمسة مخاتير منهم في بيروت، وسبق أن وصل أحد أفرادهم، عدنان عميرات، إلى عضوية مجلس بلدية بيروت”، بحسب عميرات.
ورغم ذلك لم يعترف بأكراد لبنان كمكوّن دستوري مستقل، بل يُصنّفون ضمن الطائفة السنية.
على الصعيد التنظيمي، شهد عام 1975 تأسيس حزب “رزكاري” الكردي اللبناني، فضلاً عن الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية التي أُنشئت عام 1963، إضافة إلى “مجلس الأعيان الكردي اللبناني الأعلى”، و”رابطة نوروز الثقافية والاجتماعية”، في محاولة للحفاظ على الهوية والدفاع عن القضايا الاجتماعية والسياسية للجالية الكردية في البلاد.
لم تكن المظاهرة التي شهدتها بيروت مجرّد رسالة عابرة. فالأعلام التي تمايلت في الريح، ومشاركة الرجال والنساء لأطفالهم في المشهد، رسمت لوحة حيّة من التضامن مع أكراد سوريا.
غير أن هذا المشهد لا يعكس مواقف جميع الفئات المصنّفة تحت مسمى “الأكراد” في لبنان. ففي مقابل الحماسة التي عبّر عنها مشاركون في الوقفة الاحتجاجية، يقدّم محمود، وهو شاب من أصول تعود إلى عرب ماردين، مقاربة مختلفة، مؤكداً أن ما يجري في سوريا “لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد”.
ويقول محمود لموقع “الحرة” إن إدراجه في خانة الأكراد لا يعكس واقع أصول عائلته التي تعود إلى جنوب شرق تركيا، لكنه يؤكد، في المقابل، أنه يعتبر نفسه لبنانياً، كونه وُلد وترعرع في هذا البلد. وبالتالي لا يرى نفسه معنياً بأيّ صراع أو مشروع سياسي أو عسكري خارج البلاد، سواء كان مرتبطاً بـ”قسد” أو بغيرها.
وفي هذا السياق، يوضح عميرات أن المشاركين في التظاهرات “لا يمثّلون عرب ماردين، بل إن غالبيتهم من الأكراد السوريين الذين قدموا إلى لبنان خلال الحرب السورية، ويتركّز وجودهم في مناطق مثل النبعة وبرج حمود”.
ويشدّد على أن “عرب ماردين في لبنان لا يتفاعلون سياسياً مع ما يجري في سوريا ولا يلبّون دعوات النفير”، مؤكداً أن “وطنهم هو لبنان، والعلاقة مع تركيا تبقى علاقة جذور واعتزاز بالأصل”.
خلال الحرب السورية، فرضت “قسد” سيطرتها على مساحات واسعة من شمال وشمال شرق البلاد، بدعم من الولايات المتحدة، في إطار قتالها ضد تنظيم “داعش”. ومع سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، دخلت واشنطن على خط الوساطة بين “قسد” والحكومة السورية، لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في تلك المناطق الحساسة.
وفي وقت سابق هذا الشهر، انسحبت القوات الكردية من أحياء في مدينة حلب عقب قتال مع القوات الحكومية، غير أنها لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في محافظة الحسكة في الشمال الشرقي، بما فيها مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، إضافة إلى مواقع شديدة الحساسية، أبرزها سجون تضم آلاف المعتقلين من عناصر تنظيم “داعش”.
وفي هذا السياق، أعلنت الرئاسة السورية، الثلاثاء، التوصل إلى تفاهم مشترك بين الحكومة السورية و”قسد”، حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة.
وأوضحت في بيان أن “قسد مُنحت مهلة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً”.
ويعتبر أحمد أن المسألة الكردية “معقّدة ومتشابكة”، ومرتبطة بأربع دول هي سوريا وتركيا والعراق وإيران، وأن “ما يجري اليوم في سوريا شكل من أشكال الإبادة للهوية الكردية، ثقافياً وجسدياً”.
ويحذّر أحمد من أن “تسليم السلاح بالشكل الذي يُطلب سيؤدي إلى مجازر بحق أهلنا”. ويقول “نحن مقبلون على مرحلة صعبة ونفق مظلم، نتيجة تسليم إدارة سوريا لجماعات جهادية تكفيرية لا تعترف بالحدود ولا بالدولة الوطنية، وتستهدف شعوب المنطقة كافة، بدءاً من دول الجوار”.
المصدر:
الحرة