آخر الأخبار

ما أهمية قاعدة "دييغو غارسيا" لبريطانيا؟ وما قصة "الحماقة الكبرى"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لندن – في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لترميم ما تبقى من "إرث الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، وضعت بريطانيا في مايو/أيار 2025 حجر الأساس لنظام قانوني جديد في المحيط الهندي، معترفة بسيادة جمهورية موريشيوس على أرخبيل "تشاغوس" الذي يضم قاعدة " دييغو غارسيا" الأميركية العسكرية.

ومؤخرا، واجهت المملكة المتحدة انتقادات أميركية حادة بعد أن وصف الرئيس دونالد ترامب تنازلها عن السيادة على القاعدة لصالح موريشيوس بـ"الحماقة الكبرى".

وجاء هذا الاعتراف بعد عقود من الممانعة والنزاع، حيث اضطرت بريطانيا لحماية نفسها من خلال اتفاق ثنائي بعد تعزيز المحكمة الدولية لدورها في حل النزاعات الدولية وفق قانون البحار في 2021، ففي حين كانت جمهورية موريشيوس الأفريقية تطالب باستعادة الأرخبيل، كانت السيطرة البريطانية عليه ستعتبر احتلالا وفق القانون الدولي، وفي ظل تدخّل المحاكم الدولية.

ورغم ذلك، يعتقد البريطانيون أن الاتفاق لم يمنح موريشيوس سيادة حقيقية على الأرخبيل، فقد تحولت هذه السيطرة إلى "عقد إيجار طويل الأمد" يضمن استمرار قاعدة "دييغو غارسيا " العسكرية بعيدا عن أية تغيرات سياسية.

ويضع الاتفاق غطاء قانونيا يحمي بريطانيا من أية مساءلة دولية، ويبقي نشاطها الاستخباراتي السري في القاعدة تحت سيطرة كاملة لها، لذا، على الرغم من الاعتراف الرسمي، فإن السيادة الفعلية لموريشيوس بقيت معرّضة للخطر.

وأرخبيل تشاغوس، وتسميه بريطانيا "إقليم المحيط الهندي البريطاني"، هو عبارة عن عدة جزر تقع في نقطة إستراتيجية وسط المحيط الهندي، استعمرتها بريطانيا عام 1814، وأجّرتها ل لولايات المتحدة الأميركية، التي أنشأت فيها قاعدة "دييغو غارسيا" الجوية.

في ردود حصرية على أسئلة "الجزيرة نت" بشأن الضمانات الأمنية ومستقبل السيادة في الأرخبيل، اعترفت وزارة الخارجية البريطانية بـ"هشاشة" الوضع القانوني السابق.

إعلان

وصرّح المتحدث الرسمي باسم الحكومة للجزيرة نت قائلا: "لن تتنازل المملكة المتحدة أبدا عن أمنها القومي، وتحركنا لأن قاعدة "دييغو غارسيا" كانت مهددة بعد أن أضعفت قرارات المحاكم موقفنا، وكانت ستعيق تشغيل القاعدة وفق المخططات المستقبلية".

التحالف الاستخباراتي

وأضاف المتحدث البريطاني "تؤمّن هذه الصفقة عمليات القاعدة المشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في دييغو غارسيا للأجيال القادمة.. مع الحفاظ على قدراتها الفريدة وإبقاء خصومنا بعيدا".

وحول سؤال "الجزيرة نت" عن الضمانات والشركاء، أشار المتحدث إلى أن الاتفاق "لقي ترحيبا علنيا من قِبل المؤسسات الرسمية بالولايات المتحدة و أستراليا وجميع حلفاء (العيون الخمس) الآخرين (تحالف استخباراتي بين خمس دول هي: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، نيوزيلندا)، بالإضافة إلى شركاء دوليين رئيسيين، بما في ذلك الهند و اليابان و كوريا الجنوبية".

ولم يكن وصف المتحدث الرسمي البريطاني للترحيب الدولي بالصفقة عابرا حين ذكر حلفاء "العيون الخمس"، حيث يمثل هذا التحالف أقوى منظومة استخباراتية في العالم.

وتُعتبر "دييغو غارسيا" القلب النابض لهذا التحالف، فهي ليست مجرد مهبط للطائرات، بل محطة تتبع وإشارة فائقة الحساسية، تتيح لهذه الدول الخمس ممارسة ما يُعرَف بـ"السيادة الاستخباراتية".

وهذا المصطلح يعني أن بريطانيا، وبالتنسيق مع وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، تدير من داخل القاعدة أنظمة تجسس ورقابة فضائية لا تخضع لرقابة موريشيوس أو أي طرف ثالث.

وبحسب مراقبين، فإن مباركة "العيون الخمس" للاتفاق تعني أن واشنطن ولندن حصلتا على ضمانات بأن السيادة الاسمية لموريشيوس لن تمنحها الحق في الوصول إلى "الصندوق الأسود" الاستخباراتي داخل القاعدة، مما يضمن بقاء تدفق المعلومات الحساسة بعيدا عن أعين الخصوم، وعلى رأسهم الصين.

ودخلت الاتفاقية حلبة الصخب السياسي مع تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصف فيها قرار الحكومة البريطانية بالتنازل عن السيادة بـ"الحماقة الكبرى"، واعتبره "فعل ضعف" يخدم مصالح الصين، رابطا الأمر بطموحاته الجيوسياسية الأوسع.

ويتناقض هجوم ترامب على الاتفاق مع تصريح وزير خارجيته ماركو روبيو الذي أثنى عليه، وقال عبر منصة إكس عند توقيعه إنه "يضمن استخداما طويل الأمد وثابتا وفعّالا لقاعدة دييغو غارسيا الأساسية للأمن الإقليمي والعالمي".

كما أن تصريح ترامب يناقض بيانا رسميا صدر عند إعلان التفاهم حول الأرخبيل بين بريطانيا وموريشيوس في أكتوبر/كانون الأول 2024 عن وزارة الدفاع الأميركية ( البنتاغون).

ووصف وزير دفاع الرئيس الأميركي لويد أوستن الاتفاق بـ"التاريخي"، مؤكدا أنه يضمن "العمليات العسكرية الآمنة والفعالة طويلة الأمد وقدرة واشنطن على الاستجابة للأزمات".

مصدر الصورة لندن نالت ترحيبا أميركيا سريعا بقرارها منح السيادة لموريشيوس رغم انتقاد ترامب (الجزيرة)

99 عاما جديدة

تشير بريطانيا إلى تناقض صارخ داخل واشنطن بشأن القاعدة العسكرية، ويفسر المتحدث الرسمي باسم الحكومة البريطانية لـ"الجزيرة نت" قائلا: إن لندن تلقت ترحيبا من الولايات المتحدة الأميركية بعد ساعات من تغريدة ترامب، وهو اعتراف ضمني بأن لندن لا تقوم بـ"عربدة سياسية" أو تتجاهل الشرعية الدولية "كما تفضّل ترامب"، على حد وصفه.

إعلان

ومن ناحيته، يقول البروفيسور بيتر كليج، الخبير الأكاديمي الذي أُسندت إليه التحقيقات البرلمانية في مجلس اللوردات البريطاني بشأن قضية أرخبيل "تشاغوس": إن الدافع الرئيسي للندن لم يكن مجرد "رغبة في إنهاء الاستعمار"، بل كان البحث عن "اليقين العملياتي".

ويرى كليج، في حديثه للجزيرة نت، أن الاتفاق يعزز بشكل جوهري قدرة بعثات الاستجابة السريعة، حيث يمنح المملكة المتحدة "الحقوق والسلطات الكاملة اللازمة لتشغيل القاعدة بشكل آمن وفعّال لمدة 99 عاما، مما يطمئن المخططين العسكريين بأن الوصول لن ينقطع بسبب قرارات الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية".

ويكشف كليج أن نقطة التحول الحقيقية كانت حكم المحكمة الدولية ل قانون البحار (ITLOS) في 2021، الذي جعل الموقف البريطاني "غير قابل للدفاع عنه" دوليا، مما دفع لندن للاحتماء باتفاقية ثنائية تحميها من "القانون الدولي"، حيث اعتبرت المحاكم سيطرتها على جزر الأرخبيل احتلالا غير قانوني.

مصدر الصورة قاذفات "بي-52" في مدرج قاعدة دييغو غارسيا الأميركية (رويترز)

الأمن الإقليمي والاستجابة السريعة

وتكتسب "دييغو غارسيا" سمعتها كـ"حاملة طائرات لا تغرق" من دورها المحوري كمنصة انطلاق للقاذفات الإستراتيجية الثقيلة مثل "بي-52".

وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوتر بين واشنطن و طهران، برزت القاعدة كأهم "درع أمني" في المنطقة، فهي المكان الوحيد الذي يمكن للقاذفات الأميركية الانطلاق منه لضرب أهداف في العمق الإيراني أو دعم حلفاء واشنطن، مع البقاء خارج مدى الصواريخ الإيرانية التقليدية.

يؤكد بيتر كليج أن الإطار الجديد للسيادة يضمن "عدم الحاجة لموافقة مسبقة من موريشيوس على العمليات العسكرية"، ما يمنح واشنطن ولندن "حرية العمل الكاملة" في نطاق يمتد من الشرق الأوسط إلى المحيط الهندي و الأطلسي، تحت شعار "الأمن الإقليمي والاستجابة السريعة".

بينما يرى المعارضون في لندن أن الاتفاق "منقوص" أخلاقيا لأنه يحرم سكان تشاغوس من العودة لموطنهم الأصلي في "دييغو غارسيا، وترى غرف اتخاذ القرار أن الثمن قليل أمام الحفاظ على مركز الأعصاب العسكري والاستخباراتي في المحيط الهندي.

ويرى المؤيدون أن ذلك يشكّل ما يمكن تسميته معادلة "السيادة الوظيفية"، فالأرض تظل مملوكة لموريشيوس، والإدارة بريطانية، والقدرة العسكرية أميركية، في إطار تحالف يضمن بقاء "قاذفات الاستجابة السريعة" جاهزة للإقلاع نحو أي بؤرة توتر في الشرق الأوسط، دون الحاجة للحصول على إذن، وتحت غطاء تحالف "العيون الخمس".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا