آخر الأخبار

نابليون والإسلام.. هل آمن الجنرال حقا أم تلاعب بالناس؟

شارك

يورد المؤرخ ديمتري كازالي في كتابه "نابليون على الأريكة" أن اهتمام الإمبراطور الفرنسي " نابليون بونابرت" بالإسلام لم يكن طارئا، بل يعود إلى مراحل مبكرة من حياته؛ إذ أمضى جزءا من فترة مراهقته في قراءة القرآن، كما ألَّف في سن العشرين رواية مستوحاة من شخصية الرسول محمد ﷺ بعنوان "قناع النبي"، تناول فيها مصير رجل مُتديِّن يدعو إلى بعث الشعوب والنهوض بها.

ويعكس هذا الإنتاج المبكر، بحسب كازالي، انجذابا فكريا لدى بونابرت إلى النموذج الديني القيادي الذي يجمع بين الإيمان والقدرة على تحريك المجتمعات. ولهذا السبب حرص منذ بداية تحرُّك قواته نحو مصر على رسم صورة مغايرة لتلك المرتبطة تقليديا بالغزو الأوروبي في عصوره الصليبية للشرق الأوسط.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "سأحمل السلاح من جديد".. رئيس كولومبيا يستعد لحرب "محتملة" مع واشنطن
* list 2 of 2 هذا ما سيحدث إذا سيطر ترامب على غرينلاند end of list

فقبل أن تصل قواته إلى مصر، قدَّم نابليون نفسه بوصفه مدافعا عن الإسلام ونصيرا له في وجه الظلم المملوكي القاسي على العباد والبلاد، كما نرى في تاريخ الجبرتي ورصده الدقيق لبيانات "ساري عسكر بونابرته" كما وصفه.

ولا شك أن نابليون قد قرأ كثيرا عن آراء المستشرقين الفرنسيين حول الإسلام عامة، ومصر خاصة، ولا ريبة أنه أدرك أن مصر هي مفتاح الشرق الأوسط، فهي التي كسرت الحملتين الصليبيتين الخامسة والسابعة. ومن اللافت أن بعض الكتابات الفرنسية السابقة على الحملة تكشف عن إدراك مبكر لتعقيد البُعد الديني في مصر بوصفه أحد أهم التحديات التي تعوق تثبيت النفوذ الأجنبي. فقد عُدَّ الدين عنصرا فاعلا في تشكيل المقاومة في مصر، لا مجرد ظاهرة روحية هامشية.

ولهذا السبب قدَّم المستشرق الفرنسي فولني سنة 1788 تصورا بالغ الدلالة، حين اعتبر أن إخضاع مصر يقتضي خوض 3 معارك متزامنة: الأولى مع إنجلترا بوصفها الخصم الدولي الأشد منافسة لفرنسا، والثانية مع الدولة العثمانية باعتبارها مصدر الشرعية السياسية القائمة في البلاد، أما الثالثة -والأصعب في رأيه- فكانت مع المصريين المسلمين أنفسهم، الذين يُشكِّلون الكتلة السكانية الأوسع، ومصدر المقاومة المحتملة للغزو الغربي.

مصدر الصورة نابليون حرص منذ بداية تحرُّك قواته نحو مصر على رسم صورة مغايرة لتلك المرتبطة تقليديا بالغزو الأوروبي في عصوره الصليبية للشرق الأوسط (غيتي)

وعي نابليون بالإسلام وتوظيفه السياسي

يعكس هذا التحليل وعيا فرنسيا مبكرا بمركزية الإسلام في المجتمع المصري، وبقدرته على إنتاج مقاومة شرسة، كما يُفسِّر هذا الإدراك الطريقة التي استفاد منها نابليون ورجاله من كيفية التعامل مع الإسلام والمسلمين في مصر.

إعلان

وسنرى أن نابليون لم يتجه إلى المواجهة المباشرة مع الدين، بل حاول الالتفاف عليه عبر خطاب توفيقي يُوظِّف الدين في خدمة الاحتلال بدلا من الاصطدام به، إدراكا منه بأن كلفة الصدام المباشر تقضي على احتمالات النجاح السياسي والعسكري.

وفي هذا الصدد يذكر المؤرخ الفرنسي فرانسوا شارل-رو، في دراسته "السياسة الإسلامية لبونابرت"، تحليلا لافتا عن بونابرت وعلاقته بالإسلام، إذ شدَّد على أن اهتمامه بالإسلام لم يكن ناتجا عن الحملة على مصر، بل يعود إلى مرحلة أسبق من شبابه حين كان يقرأ ما يكتبه المستشرقون حول الإسلام، حيث نظر بونابرت إلى النبي ﷺ على أنه شخصية جمعت بين الزعامة الدينية والقيادة السياسية والتشريع، مما دفعه إلى الاهتمام المبكر بالتاريخ والعقيدة الإسلامية، حتى قبل أن تتحدد ملامح مشروعه العسكري في الشرق.

ويرى شارل-رو أن حضور الإسلام في وعي بونابرت لم يتراجع مع مرور الوقت، بل ازداد رسوخا أثناء وجوده في مصر وما بعده. وحتى في سنوات اعتقاله اللاحقة بعد هزيمته في أوروبا ونفيه، ظل نابليون يستدعي العالم الإسلامي بوصفه تجربة فكرية مؤثرة.

ويلاحظ شارل-رو أن بعض النصوص التي أملاها بونابرت في منفاه بجزيرة سانت هيلينا تضم مقاطع من أكثر ما كُتب في الغرب آنذاك اتزانا تجاه الإسلام وتعاطفا معه، مقارنة بالأدبيات الأوروبية السائدة في تلك الفترة.

وانطلاقا من هذا التصور، حرص بونابرت منذ وصوله إلى مصر على بناء خطاب سياسي ديني يؤكد أنه لم يأتِ لمعاداة الإسلام أو اضطهاد المسلمين، بل تعمَّد إبراز احترامه لنبي الإسلام والقرآن الكريم في بياناته وتصريحاته، ولجأ في بعض المواقف إلى إعلان "انضمامه إلى الإسلام"، زاعما أن جنوده "مسلمون مخلصون"، في خطوة تكشف عن توظيف مدروس للخطاب الديني بهدف اكتساب شرعية محلية وتقليل حِدَّة الرفض الشعبي للوجود العسكري الفرنسي في مصر.

مصدر الصورة البيان الأول لنابليون في مصر جاء محملا بإيحاءات دينية وسياسية مُركَّبة ولم يكن كثير من أفراد الجيش الفرنسي على إلمام بمحتواها الحقيقي
(غيتي)

بيان بونابرت للمصريين

يُعَدُّ بونابرت من أوائل مَن أدركوا في التجربة الاستعمارية الحديثة أهمية توظيف الدين بوصفه وسيلة للتأثير السياسي، فحرص منذ انطلاق حملته على مخاطبة المشاعر الدينية للمصريين عبر بيانات كُتبت بعناية فائقة باللغة العربية. ويتجلَّى ذلك بوضوح في بيانه الأول الموجَّه إلى المصريين، الذي صاغه عدد من المستشرقين المرافقين للحملة الفرنسية، مثل فانتور ومارسيل.

وبحسب وائل جمال الدين، جاء بيان نابليون مُحمّلا بإيحاءات دينية وسياسية مُركَّبة، ولم يكن كثير من أفراد الجيش الفرنسي على إلمام بمحتواها الحقيقي، بل إن النسخة العربية اشتملت في بعض مواضعها على دلالات تختلف عن نظيرتها الفرنسية، سواء في الأسلوب أو في المقاصد المُضمرة التي استهدفت مخاطبة الوعي المحلي.

وقد ذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، المعاصر للحملة الفرنسية، في تاريخه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أن مطلع البيان صِيغ بلغة محسوبة تخاطب الحِس الإيماني للمجتمع المصري، حيث جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له، ولا شريك له في الملك، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته، يُعرِّف أهالي مصر جميعهم.. قد قيل لكم إنني ما نزلتُ بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمتُ إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبدُ الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم".

إعلان

ثم اتجه نابليون بخطابه إلى النخبة الدينية التي يعلم مدى تأثيرها في جماهير المصريين قائلا: "أيها المشايخ والقضاة.. قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي دائما يحثُّ النصارى على محاربة الإسلام.. طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيُصلح مالهم وتُعلى مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين.. لكن الويل كل الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر".

من اللافت أن المقارنة الدقيقة بين النص العربي لبيان بونابرت وأصله الفرنسي يكشف فروقا واضحة في الأسلوب والدلالة والغاية، وهي تباينات يمكن الوقوف عليها مما ورد في مذكرات الضابط الفرنسي جوزيف مواريه، أحد أفراد الجيش الفرنسي في تلك الحملة، إذ يفتتح البيان في صيغته الفرنسية بلهجة رسمية ذات طابع عسكري صارم، تُحدِّد المكان والتاريخ والصفة السياسية لبونابرت، قبل أن يتحوَّل إلى خطاب موجَّه إلى النخب الدينية المحلية من مشايخ وقضاة، داعيا إياهم إلى طمأنة العامة والتأكيد أن الفرنسيين "أصدقاء صادقون للمسلمين".

ويعمد النص الفرنسي إلى دعم هذا الادعاء بالاستشهاد بعداء فرنسا للبابوية وفرسان مالطا، في محاولة لتقديم الحملة بوصفها غير معادية للإسلام، بل ومُوجَّهة ضد أعدائه.

وقد تنبَّه بونابرت إلى المكانة المركزية التي يحتلها شيوخ الأزهر في وجدان المصريين، فحرص على التقرب منهم شخصيا، ووجَّه قادته إلى انتهاج السياسة نفسها. ويتجلى ذلك بوضوح في رسالة بعث بها إلى القائد أوغوست دي مارمون في 28 أغسطس/آب 1798، دعاه فيها إلى التواصل مع الشيخ محمد المسيري، أحد علماء المصريين، مؤكدا كثافة لقاءاته بمشايخ الدين وزعماء القاهرة، ومعلنا اقتناعه بـ"نقاء وقدسية الدين الإسلامي".

ولم يقتصر هذا النهج على الخطاب، بل دأب القائد الفرنسي على مجالسة العلماء وسؤالهم عن شؤون الدين، ساعيا إلى ترسيخ صورة رمزية لنفسه بوصفه شخصية مُلهمة للمسلمين. وبلغ هذا التوظيف ذروته حين قدَّم نفسه صراحة لسكان القاهرة عقب الثورة المصرية الأولى على الفرنسيين، في بيان صدر في 21 ديسمبر/كانون الأول 1798.

وكان البيان قد صدر بمناسبة إعادة فتح ديوان المشايخ، وهو بمنزلة الهيئة الاستشارية المحلية التي أنشأها، وذلك في أعقاب اقتحام الجامع الأزهر لقمع الثورة وقصفه بالمدفعية، في مفارقة تكشف التناقض بين الخطاب الديني المُعلَن والممارسة العسكرية القسرية التي استهدفت معقل الإسلام الأبرز في مصر.

استعان بونابرت في ذلك البيان بمخزون واسع من العبارات والمفردات الإسلامية، في محاولة واضحة لإضفاء مسحة دينية على مشروعه السياسي والعسكري. وقد بلغ هذا التوظيف حدَّ الادعاء بمعرفة الغيب وكشف أسرار النفوس وما تُكِنُّه الصدور، فضلا عن الإيحاء بأن قدومه إلى مصر وتولِّيه حكمها أمر قدري "منصوص عليه" في آيات من القرآن الكريم.

وقد نقل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي نص هذا البيان كاملا في تاريخه، موثقا بذلك أحد أكثر نماذج الخطاب الاستعماري تطرفا في استغلال الخطاب الإسلامي لإضعاف المسلمين أنفسهم والسيطرة عليهم، حيث يقول بونابرت: "بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير الجيوش الفرنساوية خطابا إلى كافة أهالي مصر؛ الخاص والعام، نُعلمكم أن بعض الناس الضالين العقول، الخالين من المعرفة وإدراك العواقب سابقا، أوقعوا الفتنة والشرور بين القاطنين بمصر فأهلكهم الله بسبب فعلهم ونيتهم القبيحة، الباري سبحانه وتعالى أمرني بالشفقة والرحمة على العباد، فامتثلتُ أمره، وصرتُ رحيما بكم شفوقا عليكم".

إعلان

وقد حرص بونابرت عقب كل حادثة على استخدام الخطاب الإسلامي في تسويغ شرعية ما يقوم به من إجراءات، فمثلا، يقول بعد مشاحنة وقعت بين قواته وبين المصريين: "فاشتغلوا بأمر دينكم، وأسباب دُنياكم، واتركوا الفتنة والشرور، ولا تُطيعوا شيطانكم وهواكم، وعليكم بالرضا بقضاء الله وحسن الاستقامة لأجل خلاصكم من أسباب العطب والوقوع في الندامة".

مصدر الصورة خطاب بونابرت لجنوده قبيل إنزال قواته مصر كان مغاييرا للغة الدينية التي وجهها للمصريين (غيتي)

خطاب نابليون لجنوده واستغلال المواسم الدينية

كما تكشف مذكرات مواريه عن بيان آخر أصدره بونابرت لجنوده قبيل إنزال قواته في مصر، وتحديدا في 12 يوليو/تموز 1798. فقد أتى البيان بخطاب مغاير للغة الدينية التي وُجِّهت إلى المصريين؛ إذ يخاطب الجيش بلغة مباشرة وصريحة تُبرز الأهداف الإستراتيجية للحملة، فقد قدَّم الغزو على أنه حملة كبرى ستترك أثرا بالغا في مسار فرنسا والحضارة الغربية والتجارة العالمية، مؤكدا أن الهدف الرئيس يتمثل في توجيه ضربة حاسمة إلى إنجلترا، الخصم الإستراتيجي لفرنسا.

وكما يلاحظ وائل جمال الدين فإن بونابرت يحدد في بياناته أسس العلاقة بين الطرفين، الفرنسي "المسيحي" والمصري "المسلم"، موجِّها حديثه إلى جنوده بصيغة إرشادية تحمل في طياتها بُعدا تحذيريا. فقد شدَّد على أن السكان ينتمون إلى جماعة "مُحمَّدية" يقوم إيمانها على الشهادتين، ودعا إلى عدم التعرُّض لمعتقداتهم أو معارضتها، بل إلى معاملتهم بالنهج ذاته الذي اعتاده الجيش الفرنسي في تعامله مع اليهود والإيطاليين.

كما أكَّد ضرورة احترام رموزهم الدينية من مفتين وأئمة، على غرار ما أُبدي من مراعاة للأحبار والرهبان، داعيا إلى إبداء التسامح نفسه تجاه شعائرهم ومساجدهم كما هو الحال مع المعابد اليهودية.

ويشي هذا الخطاب بالاستخدام الواعي المقصود لفكرة التسامح الديني بوصفها أداة سياسية تهدف إلى تهدئة الأوضاع، وتنظيم الوجود العسكري، وتقليص التوتر مع المجتمع المسلم، أكثر مما تعكس التزاما فكريا أو دينيا حقيقيا بهذا المبدأ.

وكلما حصل توتر بين المصريين والفرنسيين، خرج الخطاب الفرنسي مؤكدا الصداقة بين المِلَّتيْن، وأن نابليون يعترف بمكانة الإسلام وقدره، بل ويتكئ عليه في تثبيت سلطته في مصر.

ويأتي الجبرتي على ذكر العديد من هذه الخطابات، فعلى سبيل المثال يقول بونابرت: "ونخبركم أن الطائفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوائف الإفرنجية، دائما يحبون المسلمين ومِلَّتهم، ويبغضون المشركين وطبيعتهم، أحباب لمولانا السلطان، قائمون بنصرته".

ويستمر المنشور في تأكيد احترام الإسلام، وضرورة التقيُّد بقيده المتين في عدم إحداث البلبلة والفتنة: "إن حضرة ساري عسكر الكبير أمير الجيوش بونابرته اتفق معنا على أنه لا ينازع أحد في دين الإسلام، ولا يعارضنا فيما شرعه الله من الأحكام، ويرفع عن الرعية سائر المظالم، ويُقتِّر على أخذ الخراج، ويُزيل ما أحدثه الظلمة من المغارم، فلا تُعلِّقوا آمالكم بإبراهيم ومراد، وارجعوا إلى مولاكم مالك الملك وخالق العباد، فقد قال نبيه ورسوله الأكرم: الفتنة نائمة لعن الله مَن أيقظها بين الأمم، عليه أفضل الصلاة والسلام".

وقد استغل بونابرت مواسم الاحتفالات العامة بوصفها أداة فعَّالة لاجتذاب مشاعر المصريين وتعزيز صورته أمام العالم الإسلامي بوصفه صديقا للإسلام والمسلمين، فحرص على إظهار مشاركته فيها ودعمه لها. ومن ذلك احتفاله بالمولد النبوي الشريف، إلى جانب إقدامه على تعيين مصطفى بك كَتْخُدا أميرا للحج في الأول من سبتمبر/أيلول 1798.

كما وجَّه مراسلات إلى شريف مكة تعهَّد فيها بإرسال أوقاف الحرمين الشريفين، في خطوة هدفت إلى توسيع دائرة خطابه الدعائي خارج مصر، وربط اسمه مباشرة برعاية المقدسات الإسلامية، بما يخدم مشروعه السياسي ويمنحه غطاء دينيا أوسع.

وقد شهد احتفال المولد النبوي في ظل الاحتلال مشاركة لافتة من الجيش الفرنسي، الذي قدَّم عروضا عسكرية ونظَّم حفلات موسيقية وأطلق الألعاب النارية، في مشهد غير مألوف قصد به إضفاء طابع احتفالي رسمي على المناسبة الدينية.

وفي الإطار ذاته، أقدم بونابرت على تعيين الشيخ خليل البكري نقيبا للأشراف في مصر أثناء الاحتفال، في خطوة سياسية هدفت إلى استمالة النخب الدينية وتعزيز التأييد المحلي لسياساته.

مصدر الصورة بونابرت حرص عقب كل حادثة على استخدام الخطاب الإسلامي في تسويغ شرعية ما يقوم به من إجراءات (غيتي)

احتيال من طراز رفيع

ونرى عقب إخفاقه في حصار عكَّا وعودته إلى القاهرة سعيه إلى تعويض انتكاسته العسكرية بخطوة ذات طابع ديني وسياسي، حيث طلب استصدار فتوى شرعية تُلزم الأهالي بأداء قسم الولاء له.

إعلان

وقد وضع هذا الطلب شيوخ الأزهر في موقف بالغ الحرج، إذ مثَّل اختبارا لمدى استعدادهم لمنحه غطاء دينيا يُكرِّس سلطته. غير أن العلماء سرعان ما لجأوا إلى مناورة ذكية لتفادي الوقوع في هذا الفخ، فبادروا إلى سؤاله عمَّا يمنعه من إعلان إسلامه وإسلام جيشه، طالما كان يُصرِّح بإعجابه بنبي الإسلام، ويعزو انتصاراته إلى العناية الإلهية، ويستعين بلغة القرآن والسنة في كل بلاغ يقوم به.

وينقل الجنرال هنري برتران أن بونابرت اختار في هذه اللحظة طريق المراوغة، مُبرِّرا تردده بوجود عائقين يحولان دون إعلانه اعتناقه الإسلام مع جيشه، وهما مسألتا الختان وشرب الخمر.

وأضاف أن التحول الديني لا يمكن أن يتم بسرعة، إذ لا بد من منح الفرق العسكرية الوقت الكافي للتعرُّف إلى عقائد الإسلام وشعائره، مُقدِّرا أن الأمر يتطلب نحو عامين على الأقل. ويكشف هذا التبرير عن محاولة كسب الوقت والحفاظ على الخطاب الديني أداة سياسية دون الالتزام بنتائجه الفعلية كما يرصد وائل جمال الدين.

ويؤكد استغلال بونابرت للإسلام لمصالحه الإمبريالية ما أشار إليه المؤرخ الفرنسي هنري لورِنس، في دراسته "بونابرت والإسلام"، إلى أن بونابرت أفصح للكونت لاس كاسي في منفاه بسانت هيلينا عن نية أكثر صراحة، إذ اعترف بأنه كان يعتزم إذا سقطت عكا إلباس جنوده الزي الشرقي، وحملهم على اتباع دين البلاد، ولو على المستوى الشكلي.

ويؤكد خوان كول في دراسته "مصر تحت حكم بونابرت"، بعد تتبُّعه لكل الوثائق والإعلانات التي أصدرها بونابرت للمصريين، أن أسلوبها اللغوي رديء وغير مُقنع.

ويشير الدبلوماسي الفرنسي لويس أنطوان دي بوريان، المعاصر لنابليون بونابرت وكاتب مذكراته، إلى أن بونابرت لم يتلقَّ تعليما مُنظَّما في القرآن، ولم يمارس أيًّا من الشعائر الإسلامية.

ويُقدِّم دي بوريان هذا التوصيف في سياق نفي الطابع الديني الحقيقي لما نُسب إلى بونابرت من اهتمام بالإسلام، مؤكدا أن ذلك الاهتمام لم يخرج عن حدود الفضول الفكري أو التوظيف السياسي، بل والتسلية أحيانا على حد وصفه.

وقد قال نابليون بنفسه لاحقا في منفاه بجزيرة سانت هيلينا لهنري بِرتران، أحد كتبة مذكراته في المنفى، إن بياناته المُوجَّهة إلى المسلمين كانت ذا طابع براغماتي خالص، كما يقول بِرتران: "كان هذا احتيالا، لكن احتيال من أعلى طراز، ومن جهة أخرى فإن ذلك لم يكن إلا لأجل ترجمته إلى أبيات عربية جميلة.. وقال (بونابرت) إن الفرنسيين الذين كانوا معي لم يجدوا في ذلك غير مادة للضحك، وكانت استعداداتهم في هذا الصدد فاترة".

رغم اتزان رؤاه تجاه الإسلام نسبيا في تلك الفترة التاريخية إذن، يبقى هذا الاعتراف الصريح شاهدا على أن الخطاب الديني الذي تبناه بونابرت لم يكن نابعا من اقتناع أو تعاطف حقيقي، بل كان جزءا من مناورة سياسية انتهت مع نهاية حملته العسكرية في الشرق، وسقطت قيمتها العملية مع سقوط مشروعه أمام أسوار عكَّا وانسحابه من مصر فيما بعد.

ولذا كان نابليون من أوائل مَن استخدموا الخطاب الإسلامي للسيطرة على المسلمين ومنع الثورات، ومحاولة إفشال المقاومة الشعبية ضد سلطته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا