آخر الأخبار

43 دقيقة غيرت وجه أفغانستان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في مساء 27 ديسمبر/كانون الأول 1979، لم يكن شيء في كابُل يوحي بأن البلاد تقف على بُعد دقائق ليس إلا من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخها الحديث. كانت الشوارع هادئة كعادتها بعد أن أغلقت المتاجر أبوابها وعاد الموظفون إلى منازلهم، لكن وراء هذا الهدوء أخذت عاصفة كبرى تتشكَّل قبل أن تضرب البلاد وتغيِّر مسارها لعقود قادمة.

على بُعد نحو 16 كيلومترا من وسط العاصمة الأفغانية كابُل، وفي قصر تاج بيغ، الذي لم يكن قد مضى على اعتماده مقرا رئاسيا إلا بضعة أسابيع؛ كان الرئيس الأفغاني آنذاك حفيظ الله أمين في سريره، نتيجة السُّم الذي وُضِع له في مشروب الصودا بواسطة طباخ روسي كان يعمل في جهاز المخابرات السوفياتية من داخل القصر، مما استلزم محاولة إفاقة وغسيل معدة والبقاء في المشفى 4 ساعات قبل العودة للقصر، وذلك بحسب ما رواه نائب رئيس الأركان حينها دولت وزيري في مقابلة خاصة مع الجزيرة نت.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 جزيرة الخوف.. كيف هزم السلطان سليمان القانوني قراصنة البحر؟
* list 2 of 2 كيف نفهم موقف موسكو من اعتقال مادورو؟ end of list

في تلك الليلة، كان الإعداد جاريا لمأدبة رسمية كي يحضرها أعضاء من الحكومة وكبار المسؤولين، لكن قبل أن تبدأ المأدبة، بدأت عملية "العاصفة 333″، إذ تقدَّم مقاتلون من وحدة ألفا من قوات النخبة التابعة للاستخبارات السوفياتية وقوات سبيتسناز الخاصة، وكانوا مُتنكرين في زي الجيش الأفغاني، وفتحوا نيرانهم على القصر ومَن فيه، وفي غضون دقائق انقطعت الاتصالات وتحوَّل المكان إلى ساحة قتال.

مصدر الصورة الرئيس الأفغاني السابق محمد داود خان عام 1975، وهو أول رئيس لأفغانستان الجمهورية بعد إسقاط النظام الملكي (أسوشيتد برس)

لم يكُن النظام الحاكم في كابُل مُعاديا للشيوعية أو لموسكو بحال، كما توحي تلك الوقائع لأول وهلة، بل في الحقيقة كان حليفا وثيقا للروس. بيد أن الشكوك الروسية في التزام الرئيس أمين بالتحالف مع السوفيات فتحت الباب أمام رغبتهم في التدخُّل العسكري، على غرار ما جرى في المجر 1956 وتشيكوسلوفاكيا 1968، حين اجتاح السوفيات بلدانا اشتراكية للتأكُّد من أن الأمور تسري وفقا لإرادة موسكو، وإقصاء أي اتجاهات تحاول موازنة العلاقات مع الغرب.

أقل من ساعة

"وقفتُ وحملتُ بندقية الكلاشينكوف خاصتي وفتحت النافذة، اتجهت نحو مكتب محمد يعقوب (رئيس الأركان)، حيث قتله مترجم سوفياتي بالرصاص. ثم هرولت إلى الباب، وما إنْ رأيت جنديا سوفياتيا حتى اختبأت سريعا، وقبل أن أنجح في إطلاق الرصاص، كان قد أصابني في مِعصمي برصاصة، فوقعت بندقيتي من يدي. وسرعان ما أُصِبت برصاصتين أخريين في بطني وقدمي اليمنى. ولكنني تساءلت حينها: لماذا يُمكن أن يطلق الروس النار عليّ؟".

إعلان

بتلك الكلمات، تحدَّث دولت وزيري، نائب رئيس الأركان حينها، عن وقائع الهجوم على قصر تاج بيغ، الذي لم يُسعِفه الوقت للجواب عن سؤاله الذي دار في ذهنه حينذاك، إذ سقطت إلى جانبه قنبلة يدوية أجبرته على القفز من الطابق الثاني حفاظا على حياته، حتى أفاق بين عشرات الجثث، ظنًّا من السوفيات أنه قد مات، قبل أن يؤخذ إلى المشفى، وينضم لاحقا إلى الجيش الأفغاني المدعوم من موسكو بعد الاجتياح، في مفارقة تعكس ولاء رجال كثيرين داخل النظام للسوفيات، على عكس ما تصوَّر الروس أنفسهم.

يروي ببري أمين، نجل حفيظ الله أمين، الذي نجا من الهجوم، في حوار مع الجزيرة نت "أن والده لم يكن يتوقع أن الهجوم حين بدأ كان هجوما سوفياتيا، بل ظن في البداية أنه اضطراب داخلي، وعندما حاول استخدام جهاز اللاسلكي، اكتشف أن مركز الاتصالات قد دُمِّر بالفعل، ولم يكن يعتقد حتى تلك اللحظة أيضا أن السوفيات هم الذين يهاجمون قصره ويطلقون عليه النيران".

في نهاية المواجهة، قُتل حفيظ الله أمين وعدد من أفراد أسرته، ودخلت القوات السوفياتية قصر تاج بيغ، ومن ثمَّ بدأت رسميا مرحلة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. وبعد ساعات، بثَّت الإذاعة بيانا بصوت بَبرك كارمل، السياسي بجناح "برتشم" المناوئ لجناح "خلق" داخل الحزب الحاكم، وأعلن فيه الإطاحة بالرئيس واتهامه بالفاشية والعمالة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

كانت الرسالة قد سُجِّلت مسبقا وبُثَّت من إذاعة طاجيكستان، في مشهد كشف أن تغيير السلطة كان جزءا من خطة مُحكمة، لا نتيجة تطورات مفاجئة.

ولكن ما يثير الانتباه دوما في وقائع ديسمبر/كانون الأول 1979 أن كثيرا من كبار المسؤولين الأفغان في ذلك الوقت لم يتوقَّعوا أي هجوم سوفياتي، حيث كتب فقير محمد فقيري، وزير الداخلية الأسبق، في مذكراته قائلا: "إن القيادة الأفغانية لم تكن تشُك مطلقا في نِيَّات موسكو، بل كانت تعتقد أن الوجود السوفياتي مرتبط بعقود تسليح ودعم عسكري".

مصدر الصورة صورة التقطها مسؤول سوفياتي لقصر قصر تاج بيغ عقب عملية "العاصفة 333" (مواقع التواصل)

وحتى في اللحظات التي سبقت الهجوم، كان هناك ضباط سوفيات في وزارة الدفاع يجلسون إلى جانب كبار القادة الأفغان، دون أن يُنظر إليهم على أنهم تهديد، بل إن بعض الضباط السوفيات المرافقين للرئيس أمين في قصره، ممن لم يعلموا بالخطة السوفياتية، شاركوا في محاولة إسعافه بعد تسميمه. هذه الثقة، أو ربما الغفلة، لا تزال حتى اليوم محل تساؤل تاريخي كبير.

على الجانب السوفياتي، تكشف مذكرات الجنرال بوريس غروموف، القائد السابق للقوات السوفياتية في أفغانستان، أن قرار إرسال الجيش كان قد اتُّخذ مسبقا، ففي ديسمبر/كانون الأول 1979، حيث جرى تشكيل اللواء الأربعين وتجهيزه في آسيا الوسطى، في أكبر تحرك عسكري شهدته المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.

كانت المفارقة هي أن موسكو، وبينما بدأت تضع خطة لإسقاط أمين، أخذت تُطمئنه شفهيا في الوقت نفسه إلى أنه يحظى بالدعم والمساندة، بل وكانت تطلب من الجيش الأفغاني التعاون الكامل مع القوات السوفياتية القادمة.

إعلان

ولكن بعد إقصاء أمين لرفيق دربه نور محمد تراكي وقتله إياه في صراع دموي داخل الحزب الحاكم، كانت علاقة أمين بموسكو قد دخلت مرحلة من الشك العميق، رغم كونه حليفا رسميا للاتحاد السوفياتي، إذ ارتابت موسكو في أن الرئيس الذي درس في الولايات المتحدة عازم على فتح قنوات للتواصل مع واشنطن.

بعد مقتل الرئيس أمين، روَّجت القيادة السوفياتية لرواية مفادها أن "قوى ثورية داخلية" هي التي أطاحت به بسبب "استبداده وانتهاكه المعايير القانونية وقمعه خصومه"، مُتجنِّبة الاعتراف بدور قواتها الخاصة في العملية. وقد روِّجَت هذه الرواية في صفوف الأحزاب الشيوعية حول العالم، في محاولة من موسكو لمنح الغزو غطاء أيديولوجيا وسياسيا.

لم تنتهِ القصة عند مقتل رئيس أو احتلال قصر. فما جرى في تلك الليلة سرعان ما أدخل أفغانستان في دوامة حرب استمرت أكثر من 4 عقود، قُتِل فيها مئات الآلاف من الأفغان، وتفكَّكت بنية المجتمع الأفغاني، وتعاقبت الصراعات من الغزو السوفياتي إلى الحرب الأهلية، ثم التدخُّلات الدولية اللاحقة.

وحتى الاتحاد السوفياتي ذاته لم يخرج سالما، فقد خسر نحو 15 ألف جندي، وكان الانسحاب عام 1989 أحد المؤشرات الكبرى على بداية تفكُّك النظام السوفياتي من الداخل، كما كشفت الأحداث اللاحقة على مدار عاميْن حتى إعلان حلِّ الاتحاد عام 1991.

43 دقيقة ليس إلا في قصر تاج بيغ كانت كافية لتغيير مصير أفغانستان وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وترك جرحٍ مفتوحٍ لم يلتئم حتى اليوم.

من مُعلِّم رياضيات إلى الرجل الأقوى في كابُل

وُلد حفيظ الله أمين عام 1929 في ولاية بغلان شمالي أفغانستان، ونشأ في أسرة متوسطة. وقد تلقَّى تعليمه الأولي في بلاده قبل أن يُوفَد إلى الولايات المتحدة، حيث درس الرياضيات والتربية في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وهناك اطَّلع على الأفكار الاشتراكية وتأثر باليسار، في خضم المناخ السياسي المصاحب لحركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا أثناء خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

بعد عودته إلى أفغانستان، انخرط أمين في العمل الأكاديمي ثم السياسي، وكان من المؤسسين البارزين للحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، وتحديدا جناح "الشعب" (خلق) الراديكالي، إلى جانب نور محمد تراكي. وقد لمع نجم أمين سريعا بفضل شخصيته الصلبة وقدرته التنظيمية وخطابه الثوري الحاد، وقد وصفه رفاق دربه بأنه كان يتمتع بقوة قلَّ مثيلها في أفغانستان في بناء العلاقات، كما اشتهر بذاكرته القوية.

وقد تولَّى أمين الجناح العسكري في القوات المسلحة، ونُظِر إليه على أنه مهندس الانقلاب على الرئيس الأفغاني الأسبق محمد داود خان. وبعد انقلاب أبريل/نيسان عام 1978، تولَّى أمين مناصب مهمة أبرزها وزير الخارجية ورئيس الوزراء، ثم رئيس الجمهورية بعد إزاحة نور محمد تراكي نفسه وقتله عام 1979.

غير أن فترة حكم أمين كانت قصيرة جدا، وانتهت بعد 100 يوم فحسب باجتياح الاتحاد السوفياتي الأراضي الأفغانية، حيث هاجم السوفيات أفغانستان خوفا من سقوط النظام، لا رغبة في التوسُّع الجيوسياسي بحد ذاته، على عكس بعض السرديات الشائعة التي اختزلت الغزو السوفياتي في مقولات مثل "الطموح للوصول إلى المياه الدافئة"، إذ تشير الوثائق السوفياتية وشهادات القادة العسكريين السوفيات إلى أن الهاجس الأساسي لموسكو كان انهيار النظام الشيوعي في أفغانستان، البلد المتاخم لجمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية الخَمس.

بحلول عام 1979، كانت الحكومة الأفغانية قد بدأت تفقد السيطرة على معظم الأقاليم، وتواجه تمرُّدا مسلحا واسع النطاق، وتعاني انقسامات حادة داخل الحزب الحاكم نفسه، وكان السوفيات يخشون أن يؤدي سقوط النظام في كابل إلى قيام نظام معادٍ على حدودهم الجنوبية، مدعوما بالمال والسلاح من الولايات المتحدة وحلفائها.

إعلان

علاوة على ذلك، كان هناك قلق روسي من استقلالية أمين رغم خلفيته الشيوعية، إذ بدأ الرئيس الأفغاني يتصرف باستقلالية متزايدة عن موسكو، ورفض بعض النصائح التي أسداها له المسؤولون السوفيات وفق ما أشارت له عدد من المصادر التاريخية، كما أجرى اتصالات غير مُعلنة مع أطراف غربية وإقليمية، وأبدى استعدادا لإعادة التوازن في علاقات أفغانستان الخارجية.

في ذروة الحرب الباردة، فُسِّر هذا السلوك في موسكو على أنه انحراف خطير وربما محاولة اختراق أميركي لجر كابُل بعيدا عن مدار التحالف مع السوفيات. بطبيعة الحال، ثمَّة حسابات خاطئة جرت في موسكو آنذاك، حين ظنَّت القيادة السوفياتية أن التدخل العسكري سيكون قصير الأمد، وأن إسقاط أمين سيُهدئ الوضع في البلاد، وأن تنصيب قيادة أكثر "طواعية" سيعيد الاستقرار، وهو تقدير تبيَّن لاحقا أنه كان كارثيا.

مصدر الصورة صورة الرئيس الأفغاني السابق حفيظ الله أمين نُشرت بعد 3 أشهر من توليه السلطة عام 1979 (أسوشيتد برس)

شكوك موسكو.. في غير محلِّها؟

لم يكن اتهام الرئيس الأفغاني الراحل حفيظ الله أمين بالعمالة للولايات المتحدة نتاج دليل قاطع بقدر ما كان انعكاسا لمناخ الشك العميق الذي حكم علاقته بالاتحاد السوفياتي في أشهره الأخيرة. فقد تزامن صعوده السريع إلى السلطة مع سلسلة تحرُّكات دبلوماسية فسَّرها الكرملين على أنها رغبة في إعادة فتح قنوات دبلوماسية مع واشنطن في لحظة حرجة من مسار الحرب الباردة بالنسبة للروس.

كان آرتشر بلاد، الدبلوماسي الأميركي المخضرم، آخر مسؤول أميركي رفيع يلتقي أمين قبل اغتياله. وقد أُوفد بلاد من نيودلهي إلى كابُل في أكتوبر/تشرين الأول 1979، بعد انتهاء مهمة بروس أمِستاتز القائم بالأعمال الأميركي، تلبية لرغبة أمين في أن تستقبل أفغانستان ممثلا دبلوماسيا أميركيا جديدا.

وبحسب تقرير رفعه آرتشر بلاد إلى وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول، فقد استمر لقاؤه مع أمين نحو 40 دقيقة، تحدث فيها الرئيس الأفغاني عن رغبته في "تحسين العلاقات" مع الولايات المتحدة، دون أن يُقدِّم مقترحات عملية أو يطلب دعما سياسيا أو عسكريا مباشرا، وكل ما طلبه -وفق التقرير- كان "مساعدة أميركية، مهما كانت محدودة".

لفت آرتشر بلاد في تقريره الانتباه إلى إتقان أمين للغة الإنجليزية، واصفا إياه بأن لغته "جيدة جدا ومفهومة"، كما أشار إلى سلوكه الهادئ والمتحفظ طيلة اللقاء. وقال إن أمين بدا "متحمسا" لفكرة تخفيف حِدَّة العداء العلني تجاه واشنطن، بل إنه نصح حكومته بعدم إطلاق تصريحات معادية للولايات المتحدة في الصحافة والإعلام.

هذه السمات، التي بدت طبيعية في السياق الدبلوماسي الغربي، ولم تكُن تعني بالضرورة الرغبة في التحالف مع الولايات المتحدة، كانت كافية لإثارة الريبة في موسكو، خاصة أن أمين كان من القلائل في القيادة الشيوعية الأفغانية الذين تلقوا تعليمهم العالي في الولايات المتحدة.

لكن الطريق أمام أي تقارب مُحتمل مع واشنطن كان مسدودا بالفعل بعقبة ثقيلة، وهي مقتل السفير الأميركي أدولف دابس في كابل في فبراير/شباط 1979، أثناء أزمة بدأت بتوقيفه من ضباط شرطة أفغان وانتهت بإطلاق النار عليه بعد احتجازه داخل فندق كابُل.

وقد شدَّد آرتشر بلاد في تقريره على أن واشنطن لا تستطيع تقديم أي مساعدة قبل توضيح المسؤوليات السياسية والأمنية عن الحادثة. ورغم ذلك، لم يُخفِ أمين رغبته في فتح صفحة جديدة على حد وصف بلاد، حتى وإن بدا مدركا أن تحسُّن العلاقات لن يكون سريعا أو مضمونا.

وقد خلص بلاد في تقييمه إلى أن أمين كان يسعى إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة "لأي سبب كان"، لكنه لم يعتقد أن الرئيس الأفغاني يتوقع فعليا دعما أميركيا وشيكا. واعتبر أن تحركاته أقرب إلى مناورة سياسية تهدف إلى موازنة الضغط السوفياتي، لا إلى تغيير التحالف الإستراتيجي الأساسي للبلاد مع موسكو.

في موسكو، لم تُقرأ هذه اللقاءات وفق إيقاعها ودوافعها الحقيقية، بل في سياق صراعات داخلية دامية، وذاكرة مثقلة بانقلابات الحلفاء، التي عادة ما بدأت بفتح صفحات جديدة من هذا النوع مع واشنطن. وبالنسبة للكرملين، كان اغتيال أمين لسلفه نور محمد تراكي، وهو الحليف الموثوق للسوفيات، كافيا لتدمير الثقة أصلا في وقت سابق.

ولذا، جاءت لقاءات أمين مع الأميركيين وزادت الطين بلَّة، وغذَّت تصوُّرا مفاده أن ولاء أمين لنفسه ونظامه فقط لا لموسكو، ورسَّخت أسوأ مخاوف القيادة السوفياتية من خسارة نفوذها في أفغانستان. وهكذا، لم يكن اتهام أمين بالعمالة لواشنطن قائما على دليل استخباري حاسم، بل على تراكم الشكوك وسوء التقدير.

إعلان

بين وثائق واشنطن وقراءات موسكو، يظهر حفيظ الله أمين لا بوصفه جاسوسا أميركيا، بل بوصفه زعيما معزولا حاول فتح نوافذ ضيقة للمناورة، ففُسِّرَت على أنها خيانة لحليفه الرئيسي. وكانت النتيجة قرارا سوفياتيا لا رجعة فيه بالتخلُّص منه، مما فتح الباب أمام سلسلة أحداث لم يتوقَّعها السوفيات أو يضعوها في حسبانهم وهم ينفذون الاجتياح الذي غيَّر تاريخ أفغانستان والمنطقة بأسرها.

وتُظهر وثائق من أرشيف المكتب السياسي السوفياتي أن موسكو كانت قد بدأت تنظر إلى أمين على أنه خطر إستراتيجي، في تجلٍّ واضح لالتباس العلاقة معه بعد مقتل تراكي. ولكن القلق الأكبر جاء في أكتوبر/تشرين الأول 1979، عندما التقى أمين دبلوماسيين أميركيين في كابل، بينهم آرتشر بلاد، في وقت كانت الثورة الإسلامية في إيران قد أطاحت بحليف واشنطن قبل أشهر، ولم تجلب نظاما راغبا في التودُّد لموسكو في الوقت نفسه.

مصدر الصورة الرئيس المصري أنور السادات (يسار) ونظيره الأميركي جيمي كارتر عام 1977 (الفرنسية)

شبح السادات

داخل أروقة الكرملين، سادت مخاوف من تكرار "السيناريو المصري" الذي لم تمضِ عليه إلا بعض السنوات، حين غيَّر أنور السادات بوصلته السياسية بعد أن خلف جمال عبد الناصر وطرد المستشارين السوفيات، ثم تحوَّل إلى حليف أميركي بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

بالنسبة للكرملين، كان احتمال انزلاق كابل نحو الغرب كابوسا جيوسياسيا على حدوده الجنوبية. ورغم أن أمين كان حليفا أيديولوجيا صريحا، قرَّرت موسكو التخلص منه بعد أن طغت الشكوك تجاهه.

وتشير وثائق المكتب السياسي السوفياتي إلى أن أمين وُصف بأنه متهور ودموي وغير خاضع لموسكو سياسيا كما ينبغي. كما حُمِّل الرجل مسؤولية الفوضى وتوسيع دائرة العداء الشعبي للنظام ودفع آلاف الضباط والكفاءات إلى الانشقاق أو الهجرة، وتحويل الثورة الشيوعية إلى كابوس دموي بات عبئا على موسكو بحد ذاته.

ولذا، فضَّل السوفيات بديلا أكثر طواعية، وقد وجدوا ضالّتهم في بَبرك كارمل، زعيم جناح برتشَم، الذي كان أقرب من السوفيات، وأقل ميلا للعنف الداخلي، وأسهل من حيث إمكانية توجيهه سياسيا.

ولذلك، لم يكن اغتيال أمين مجرد عملية عسكرية، بل كان جزءا من إعادة هندسة السلطة في كابُل، التي ظنتها موسكو مهمة سهلة ومجرد إعادة ترتيب أوراق لن تُكلفها الكثير.

مصدر الصورة بَبرك كارمل الرئيس الثالث لأفغانستان الذي جاء خلفا لحفيظ الله أمين بعد مقتله (الفرنسية)

لم تُحل الأزمة الأفغانية بمقتل حفيظ الله أمين، بل انتقلت إلى مستوى أوسع وأعنف لم يكن يتوقَّعه حلفاء كابُل وخصومها على حدٍّ سواء. فبدلا من إنقاذ النظام، أدى التدخل السوفياتي إلى تدويل الصراع وعسكرة المجتمع الأفغاني واستنزاف الاتحاد السوفياتي نفسه.

أما أمين فتحوَّل في الذاكرة التاريخية الأفغانية من حاكم مثير للجدل إلى رجل فتح مقتله الباب أمام سلسلة أحداث غيَّرت وجه أفغانستان والمنطقة والعالم، من قلب بلد لم يكُن يتابعه باهتمام إلا قلة من المنشغلين بالسياسة الدولية حتى ذلك الوقت.

بعد أكثر من 4 عقود، لا يزال السؤال مطروحا: هل كان حفيظ الله أمين خائنا لموسكو كما رآه السوفيات، أم زعيما حاول المناورة بين القوتيْن العظميين؟ وهل كان بالفعل في طريقه كي يصبح النسخة الأفغانية من السادات؟ كل ما نعرفه اليوم هو أن التخلُّص منه لم يُنقذ موسكو، بل فتح بابا لتاريخ دموي طويل، ما زالت أفغانستان تدفع ثمنه حتى اليوم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا