آخر الأخبار

محمود ممداني يتحدث للجزيرة نت عن سم أفريقيا البطيء

شارك

يُعَد البروفيسور محمود ممداني من المفكرين المميزين في حقل الدراسات الأفريقية والسياسات الدولية، فمنذ ولادته في مومباي عام 1946، تَشكَّل وعيه بين جنبات العاصمة الأوغندية كمبالا التي احتضنت عائلته المسلمة التي تنحدر من ولاية كُجرات الهندية وعاشت في تنزانيا أثناء الاستعمار البريطاني. نشأ محمود في بيئةٍ متعددة الثقافات واللغات، بقدرٍ ما كانت مثقلةً بإرث الفصل العنصري للاستعمار البريطاني الذي ترسَّخ آنذاك في أوغندا.

بدأ رحلته بالبحث عن المعرفة في الولايات المتحدة حين حصل على منحة عام 1963 للدراسة بجامعة بيتْسبِرغ، وسرعان ما جذبه النشاط السياسي حين تمازجت لديه الرؤى الماركسية مع زخم حركات التحرُّر الأفريقية، مما دفعه إلى المشاركة في معارك الحقوق المدنية الأميركية المشتعلة في ستينيات القرن الماضي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا تخاف إسرائيل من زهران ممداني؟
* list 2 of 2 أنقذتهم الصلاة.. كيف صاغ الإسلام "الوعي الأسود" في أميركا؟ end of list

ففي مارس/آذار 1965، انخرط في احتجاجات بولاية ألاباما جنوبي الولايات المتحدة دعما لحركة الحقوق المدنية الرافضة للفصل العنصري في الجنوب، وشارك في مسيرات "سِلْمَى" (Selma) الشهيرة نصرة للأميركيين الأفارقة، معتبرا ذلك امتدادا للنضال العالمي ضد الاستعمار، وهو موقفٌ نضالي كلَّفه الاعتقال والسجن قبل أن يتدخل السفير الأوغندي لإطلاق سراحه.

لم تكن تلك مواجهة ممداني الوحيدة مع السلطة، فقد تجرَّع لاحقا مرارة اللجوء والنفي القسري عام 1972 حينما طرده نظام عيدي أمين الأوغندي ضمن حملة استهداف للآسيويين تسبَّبت في سحب الجنسية منه، فاضطر للانتقال بين مخيمات اللجوء في بريطانيا ثم الإقامة في تنزانيا حتى سقوط الديكتاتورية عام 1979، وعودته إلى بلاده.

كان محمود قد أتمَّ شهادة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة تافتس بولاية ماساتشوستس الأميركية عام 1968، ثم تُوِّج مساره الدراسي بالدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1974. وقد انطلق بعدها في مسيرة مهنية حافلة تنقَّل فيها بين تأسيس المراكز البحثية في شرق أفريقيا، ثم التدريس في جنوب أفريقيا والهند وجامعة برينستون العريقة بالولايات المتحدة.

إعلان

وفي عام 1999، عُيِّن ممداني أستاذا بجامعة كولومبيا في نيويورك، حيث لا يزال يعمل حتى اليوم، وترأس مركز الدراسات الأفريقية، مُثريا المكتبة العالمية بمؤلفات مرجعية نال بها أرفع الجوائز. وقد اكتملت فصول سيرته الطويلة بارتباطه بالمخرجة الهندية المعروفة ميرا ناير، وإنجابهما ابنهما الوحيد زُهران.

وفي كنف حاضنة فكرية ونضالية شيَّدها والده المفكر محمود ممداني ووالدته المخرجة ميرا ناير، نشأ زهران مُتشبِّعا بقيمة الانتصار للمُهمَّشين، وسائرا على خُطى أبيه، مُزاوِجا بين التكوين الأكاديمي والتجربة الميدانية لنصرة المهاجرين والأقليات في أغنى مدن العالم، حتى انتُخِب عام 2025 أول عمدة مسلم في تاريخ نيويورك.

مصدر الصورة يقف عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (الثاني من اليمين) مع زوجته راما دوجي (الثانية من اليسار) ووالده محمود ممداني (يسار)، ووالدته ميرا ناير، يوم الثلاثاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، في نيويورك (أسوشيتد برس)

السم البطيء.. تشريح أوغندا

مثَّلت عودة محمود ممداني للكتابة عن وطنه أوغندا في كتاب "السم البطيء" لحظة مهمة في التأريخ المعرفي له، إذ تجاوز السرد التقليدي للأحداث مُقدِّما تشريحا بنيويا للحكم في أوغندا بعد الاستقلال.

وعبر تفكيك الأساطير المحيطة بعِيدي أمين وقراءته بوصفه نتاجا للسياق الاستعماري، وتعرية نظام يوري موسيفيني الذي انقلب من التحرر الثوري وحوَّل الدولة إلى قبيلة ورسَّخ التبعية النيوليبرالية؛ كشف ممداني عن تحوُّل أزمة المواطنة والفساد إلى "سم بطيء" ينخر جسد أوغندا.

وقد افتتح ممداني كتابه بتفكيك السردية الغربية السائدة حول عيدي أمين، رافضا اختزاله فقط في صورة "الوحش آكل لحوم البشر"، وهي مثلها مثل الصور النمطية الشائعة عن المستبدين في العالم الثالث، لا تُقدِّم اشتباكا بنيويا حقيقيا مع أسس الاستبداد في أوغندا. وبدلا من ذلك، أعاد ممداني قراءة أمين بوصفه جزءا من البنية العسكرية الاستعمارية وطبقة شكَّلها البريطانيون من "الحطام البشري" للجيوش القديمة بلا أرض أو قبلية تقليدية.

في هذا السياق، لم يكن طرد أمين للآسيويين مجرد نزوة جنونية، بل محاولة راديكالية -وإن كانت فوضوية- لتأسيس "أمة سوداء" وإنهاء الدور الوسيط الذي لعبه الآسيويون والبيض في الاقتصاد، وهي خطوة منحته شعبية جارفة محليا بوصفه "أبا الأمة" الذي حرَّر البلاد من الهيمنة الأجنبية، رغم فشله لاحقا في إدارة الدولة بسبب اعتماده على العنف الموروث من الحقبة الاستعمارية.

ينتقل التحليل بعد ذلك إلى الجرح الغائر في الجسد الأوغندي، وهي أزمة المواطنة التي كشفت عنها "المسألة الآسيوية"، إذ يرى ممداني أن القوانين الاستعمارية التي ميَّزت بين "الأصلي" (صاحب الحق في الأرض) و"المستوطن" (الدخيل)، هي التي مهَّدت الطريق لعمليات الطرد.

ويستند ممداني إلى سيرته الذاتية بالنظر لكونه أحد ضحايا عملية الطرد، ويناقش كيف تحوَّل الآسيويون إلى "غرباء سياسيين"، وكيف تواطأت بريطانيا في تحويلهم إلى "عديمي الجنسية"، وهي أزمة لم تنتهِ برحيل أمين، بل ظلت شبحا يؤرق الدولة، كاشفة عن فشل النخبة القومية في صياغة هوية وطنية جامعة.

إعلان

ثم يُشرِّح ممداني تحولات نظام موسيفيني، الذي بدأ رافعا لواء التحرُّر، لكنه تبنَّى إستراتيجيات الحكم الاستعماري غير المباشر وانقلب على مبادئه لضمان بقائه في السلطة، إذ عمل على تفتيت الأمة سياسيا وإداريا عبر "مأسسة القبلية" في دستور عام 1995، مع مضاعفة عدد المقاطعات بشكل جنوني لتمزيق الكتل السياسية الكبرى، وهي سياسة حوَّلت المواطنين إلى رعايا يتنافسون على رضا المركز، وقضت على فكرة المواطنة التي حارب من أجلها جيل الاستقلال.

لم يغفل ممداني الجانب الاقتصادي، حيث نظر إلى تحوُّلات الدولة في أوغندا على أنها نتاج تبني سياسات البنك الدولي والدوران في فلك المنظومة النيوليبرالية. وبالتوازي، تحوَّلت الحروب، خاصة في الشمال وفي الحدود مع الكونغو، إلى مشاريع استثمارية للنخبة العسكرية عبر "الجنود الأشباح" ونهب الموارد، مما جعل استمرار النزاعات مصلحة إستراتيجية ومالية للنظام، الذي أصبح وكيلا أمنيا للغرب أثناء الحرب على الإرهاب.

بين التحرُّر من إرث الاستعمار البريطاني والعنصرية الأميركية في منتصف القرن الماضي، والتنقُّل من زمن الدكتاتوريات القومية الشرسة، وعلى رأسها عيدي أمين في بلده أوغندا، إلى زمن الاستبداد النيوليبرالي الذي جسَّده نظام موسيفيني من بعده، وبين الانتماء الأفريقي والآسيوي والجنوبي من جهة، والانتماء إلى الولايات المتحدة ونيويورك والعيش فيها والتدريس في أبرز جامعاتها؛ تتجلَّى أمامنا فصول حياة زاخرة ومُركَّبة لمفكر عالمي، لم يكن غريبا أن يكون ابنه المُهاجر الذي قلب السياسة في نيويورك رأسا على عقب.

مصدر الصورة كتاب "السم البطيء: عيدي أمين ويوري موسيفيني وبناء الدولة الأوغندية" (الجزيرة)

نص الحوار


* ما الذي دفعك لكتابة هذا الكتاب عن عيدي أمين وموسيفيني في هذا الوقت؟

ممداني: لقد ألَّفتُ هذا الكتاب لأنه كان لا بد من كتابة مؤلَّف عن عيدي أمين ويوري موسيفيني، وذلك نظرا للتشوُّهات الجسيمة التي شابت تناول سيرتيْهما في الفضاء العام ووسائل الإعلام.

لقد كتبت عن هذه المرحلة لأن قصتها هي قصة جيلي؛ جيل مثقفي ما بعد الاستعمار، والجيل الأول الذي تلا الاستقلال. وعليه، فإن هذا الكتاب يتوجه بالخطاب إلى ذلك الجيل من جهة، وإلى الجيل الجديد من جهة أخرى. وثمَّة دوافع عديدة وراء هذا العمل، والحقُّ أنه كان حريا بي أن أنجزه في وقت أبكر.


* كيف ساعدت الخلفية العسكرية غير الإثنية لبعض النوبيين مثل عيدي أمين على استخدام القوة لحكم الدولة الوليدة؟ وكيف شكَّلت خلفية عائلة أمين، وخاصة والدته، وجهات نظره المبكرة؟

ممداني: حسنا، كان النوبيون إحدى الجماعتيْن اللتيْن نهض منهما من ساعد أمين في حكم الدولة. وقد كانوا جزءا من الجيوش في شرق أفريقيا منذ الحقبة الاستعمارية، وارتقوا إلى مناصب القيادة، وكان لديهم تاريخ طويل من الخبرة العسكرية يمتد لأكثر من قرن.

أما الجماعة الأخرى فتُسمَّى "الأنيانيا"، وهم المقاتلون السابقون من جنوب السودان، الذين انضم نصفهم بعد اتفاقية أديس أبابا عام 1972 إلى جيش النميري في السودان، بينما انضم النصف الآخر إلى جيش عيدي أمين ليحلُّوا محل أولئك الذين فرُّوا مع سلفه أوبوتي. وقد ساعدته هاتان الجماعتان في الحكم، ولم يسقط أمين إلا عندما تفرَّقتا تماما واندلعت حرب أهلية بينهما.


* ذكرت في كتابك أن القادة الآسيويين فشلوا في بلورة خطة سياسية موحدة بعد ما حدث عام 1958 فيما يتعلق ببعض المقاطعات. هل يمكن أن تشرح لنا لماذا أخفق القادة الآسيويون سياسيا؟

ممداني: القادة الآسيويون، وقيادة الجالية الآسيوية، كانوا في الجوهر مجتمعا تجاريا، وكانت خبرتهم السياسية ضئيلة جدا، إذ اقتصرت تجربتهم السياسية على الالتماسات الشخصية للمسؤولين الإداريين الاستعماريين وموظفي الدولة.

وكانت الخبرة الوحيدة التي امتلكوها في تعبئة المجتمع الآسيوي قائمة على انتماءات ضيقة للطوائف الدينية أو الطبقية، ولم تكن لديهم أي خبرة في التعبئة السياسية على مستوى الآسيويين ككل. ولذا، لم يكن من المستغرب إطلاقا عدم إنتاج سياسة آسيوية متماسكة.

مصدر الصورة رئيس أوغندا السابق عيدي أمين يلقي كلمةً في تجمع حاشد في 25 يناير/كانون الثاني 1978 (أسوشيتد برس)
* ذكرتَ في الكتاب أن هناك إشكالية في التعايش داخل الدولة بين الآسيويين والأفارقة. لماذا توجد صعوبة في تعايش هذه الأعراق في أوغندا؟ هل يعود ذلك إلى النظام الاستعماري الذي أرسى البريطانيون دعائمه في أوغندا أم إلى شيء آخر؟

ممداني: إن مشكلة التعايش الصعب بين الآسيويين والأفارقة كانت جزءا من مشكلة أكبر، وهي نمط الحكم الاستعماري، الذي رسَّخ سياسات الهوية المتطرفة، حيث جرى تعريف كل مجتمع تعريفا ضيقا ومُحددا، وشُجِّع كلٌّ منهم على التعبئة وفقا لتلك الانتماءات، فيما حكم كلًّا منهم قائد بموافقة الدولة المُستعمرة، ولذا فقد كان نظاما سياسيا مشرذما للغاية.

إعلان

يمكنك رؤية الأثر الأول لذلك في الصعوبات التي واجهت خلق حركة وطنية. فحتى عندما فُهمت القومية على أنها أفريقية سوداء حصريا، ظلت القومية مُفكَّكة على أسس إثنية. وكان الآسيويون يمثلون إشكالية أعقد لأنهم عُرِّفوا باعتبارهم غير مواطنين، وغير أصليين.

ولم تكن هناك مساحة سياسية في النظام الاستعماري كي يعترف بالمهاجرين سكانا محليين. وحتى بعد مرور أجيال، كان المهاجرون يُعتبرون أجانب دوما، ومن ثمَّ فإن نوع المشكلة التي ترونها في أميركا اليوم مشكلة استعمارية قديمة في النظام السياسي البريطاني.


* يُعد الكتاب سيرة ذاتية أيضا، تمنحنا عبرها إضاءات ورؤى جوهرية تربط بين حياتك وتحليل ما جرى في أوغندا والولايات المتحدة؛ فكيف تضافرت نشأتك في مجتمع أوغندي محكوم بالانقسام العرقي مع تجربتك اللاحقة في أميركا، لتصوغ وعيك السياسي وتدفعك للانخراط في حركات النضال العالمي ومناهضة العنصرية؟

ممداني: حسنا، لقد نشأت في أوغندا وفي مجتمع شديد الوعي بالعِرق، والمناطق السكنية التي عشنا فيها حددتها الدولة الكولونيالية مناطق سكنية للطبقة الدنيا والمتوسطة من الهنود المقيمين في أوغندا. والمدارس التي ارتدناها بنَتها الدولة الكولونيالية ولكن للطلاب الهنود، والملاعب التي لعبنا فيها كانت مخصصة للأطفال الآسيويين، والمساجد التي ذهبنا إليها كانت أيضا مفصولة عِرقيا، رغم مبدأ المساواة في الإسلام.

ولذا، كل مَن عرفته من أقران الطفولة نشأ واعيا بالعرق. وأحد الأسئلة التي كان عليَّ أن أطرحها على نفسي عند تأليف هذا الكتاب هو: كيف يصبح طفل هندي واعٍ بالعرق ومن أوغندا المُستَعمَرة يصبح ناشطا سياسيا في حركة مناهضة للعنصرية؟ ماذا حدث؟ ولقد كانت رحلة طويلة، لكن بداية تلك الرحلة كانت حركة الحقوق المدنية في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، حيث كنت طالبا جامعيا وانضممت إلى مظاهرة لجنة التنسيق الطلابية اللاعنيفة (SNCC)، وهي مظاهرة في الجنوب الأميركي فتحت لي عالما جديدا بالكامل.

وقد سُجِنّا آنذاك واتصلت بسفير أوغندا الذي قال إنه مصدوم لتدخلي في الشؤون الداخلية لبلد آخر. أخبرته أن هذه ليست شؤونا داخلية، فقد خضنا النضال ذاته قبل بضع سنوات في أوغندا، إنه نضال من أجل الحرية، نضال ضد الاستعمار، نضال عالمي، ولذا فمن واجبنا المشاركة فيه.

انتقلت من حركة الحقوق المدنية للمشاركة في الحركة المناهضة للحرب في فيتنام، ومن هناك بدأت أتعلم وأشارك في بعض دروس الحركة النسوية عن طريق صديقاتي. ثم بدأت السياسة الجامعية في هارفارد، فقد كان عقدا من التحولات في الولايات المتحدة، وثورة ثقافية جلبت لنا موسيقى جديدة وطريقة تفكير جديدة.

مصدر الصورة معمر القذافي (يمين) وأنور السادات (وسط) وعيدي أمين (الفرنسية)
* بالعودة إلى أوغندا، ذكرتَ كيف كانت العلاقة بين عيدي أمين وإسرائيل وبريطانيا، وقلت إن هذه العلاقة كانت قوية منذ البداية، لكنها تغيَّرت لأنهم رفضوا بيعه طائرات وأسلحة. كيف دفعه ذلك للتوجه إلى ليبيا والقذافي، وكيف تفسر آثار هذا التحول؟

ممداني: الأمر لا يقتصر فقط على أن الإسرائيليين رفضوا بيعه الطائرات، بل إنهم أهانوه. لقد شعر أنه قام بعملهم في أوغندا وفتح البلاد للقوات الإسرائيلية والبريطانية، وقد دفعته تلك الإهانة للبحث عن بدائل، والبديل الذي طرح نفسه جاء عن طريق الرئيس المصري أنور السادات وكان الرئيس الليبي معمر القذافي.

وقد قال له القذافي: انظر، لقد قضيت مسيرتك العسكرية في أوغندا المستقلة وأنت خادم للبريطانيين، تُجنِّد وتُسلِّح وتُدرِّب مرتزقة جنوب السودان لصالح الإسرائيليين، وقد حان الوقت لتفكر بمصطلحات أفريقية، ومناهضة للإمبريالية والصهيونية.

وقد اقترحوا حلًّا لأمين، وهو أن يقنع قيادة حركة تحرير جنوب السودان بالانضمام إلى جهود السلام مع النميري، وأنه لن يكون وحده، فالإمبراطور هيلا سيلاسي سيكون جزءا من المبادرة. وقد فعل أمين ذلك، وفي النهاية اقترحوا تقسيم جيش عصابات جنوب السودان بين الجيش السوداني وجيش أمين. لقد كانت تلك هي الصفقة.


* كيف ساهمت اتفاقية أديس أبابا في إعادة تموضع نظام أمين إستراتيجيا، وكيف انعكست الديناميات السياسية التي تلتها على صياغة هوية جديدة للسياسة الخارجية الأوغندية؟

ممداني: كان للاتفاقية تأثير كبير على السياسة السودانية. فقد سمحت للنميري بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وأتاحت تشكيل هيكل فيدرالي، وتحرير نفسه من الحزب الشيوعي السوداني.

وبالنسبة لأمين، أتاحت له الاتفاقية إعادة توجيه سياسته الأفريقية وعلاقاته مع منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي لاحقا).

وقد أصبح أمين يصف نفسه بأنه مناهض للإمبريالية. وكانت الاتفاقية مقدمة لما حدث في غضون عام واحد، حيث نفَّذ أمين 3 عمليات طرد، للإسرائيليين، ثم للآسيويين الذين رأى أنهم رأس حربة المصالح البريطانية، ثم للبريطانيين.

مصدر الصورة عائلة لاجئة من شبه القارة الهندية تصل إلى بريطانيا عام 1972 بعد طرد الآسيويين من أوغندا بأمر عيدي أمين (الفرنسية)
* في كتابك، شرَّحت عجز القادة القوميين عن تأسيس مواطنة جامعة، وأرجعت ذلك إلى رسوخ التصنيف الاستعماري الذي يميز بين الأصلي والدخيل. هل لك أن تسلط مزيدا من الضوء على تجذُّر هذه الثنائية في المجتمع الأوغندي، وكيف تحولت إلى عائق بنيوي أمام الدولة الوطنية؟

ممداني: كان الإرث الاستعماري بسيطا جدا: فعلى أمين أن يخلق قومية عرقية، حتى تكون لديه دولة. ولقد كان عيدي أمين مندفعا نحو ذلك، مقدما نفسه أبا لأوغندا بوصفها أُمَّة أفريقية سوداء، لكنه لم يستطع نزع الطابع العرقي عنها. وكانت المسألة الآسيوية هي الحد الذي لم يستطع تجاوزه. وحتى موسيفيني لم يستطع تجاوزه، إذ قَبِلَ بعودة الآسيويين مستثمرين وزوارا لكن ليس بوصفهم مواطنين.

إعلان

* تناولتَ في كتابك تجربة مجلة "ترانزيشن" التي كانت تُنشر بين عامي 1961-1976 في دول أفريقية عديدة. وقد ذكرت كيف انخرط المثقفون الآسيويون من خلالها في تقديم نقد ثقافي مهم، لكنك أشرت في الوقت ذاته إلى أن هذا الجهد لم ينجح في إحداث اختراق سياسي ملموس داخل أوغندا. هل لك أن تحدثنا أكثر عن خصوصية هذه التجربة ورموزها؟

ممداني: المثقف الآسيوي المَعني كان راجات نيوغي (Rajat Neogy) (الذي أسس مجلة "ترانزيشن" وهو ابن 22 عاما)*، وكانت لديه رؤية شاملة. ولم يكن جمهوره مقتصرا على أوغندا أو أفريقيا، بل شمل الجميع والمهاجرين من ذوي الأصول الأفريقية خارج أفريقيا.

وقد كتب في المجلة لانغستون هيوز وجيمز بولدوين ونادين غورديمر، وكان ذلك جُهدا رياديا وطفرة ثورية، أدبية وسياسية، واستمرت نحو 6 سنوات قبل سجن نيوغي، وإنني أعتبره رائدا في تطور مبكر ألهم كثيرين بعده.


* ذكرتَ في الكتاب الإصلاح الزراعي الذي نفَّذه أمين عام 1975. فهل تراه إصلاحا اقتصاديا حقيقيا أم مجرد أداة سياسية لتدمير سلطة ملاك الأراضي في أوغندا؟

ممداني: لقد كان الأمرين معا. فسياسيا، دمَّر الإصلاح الزراعي وقوَّض سلطة المُلاك الإقطاعيين في أوغندا بإلغاء نظام المايلو (Mailo) (طبقة كبار الملاك).

واقتصاديا، نقل الحيازة والملكية إلى مَن يحرثون الأرض وليس إلى الدولة، فحوَّلها إلى أراضٍ عامة فعليا، وبذلك كسب دعما شعبيا هائلا من الفلاحين في مواجهة النخبة القديمة.


* بالحديث عن وثائق القاضي محمد سعيد التي كشفت وحشية الدولة عام 1974، هل تُصنِّف ما قام به على أنه عمل بطولي نابع من شجاعة شخصية بحتة، أم أنها كانت خطوة محسوبة بدقة من رجل قانون يدرك خبايا تلك الحقبة القاسية؟

ممداني: كان لسعيد سمعة سابقة في الاستقلالية، فقد كان القاضي الذي حاكم الكاتب راجات نيوغي (ناشر مجلة Transition) والسياسي أبو مايانجا (نائب برلماني ومعارض) عام 1968، حين اتهمتهما الحكومة الأوغندية بالعمالة، وقد برَّأهما سعيد وقال إنهما يُمارسان حرية التعبير المكفولة بالدستور، لكن في اللحظة التي همَّا فيها بالخروج من المحكمة، اعتقلتهما مجددا أجهزة الأمن.

ولذا، عندما عيَّنه أمين رئيسا للجنة التحقيق في اختفاء الأشخاص، فإنه كان يعلم سمعته جيدا، وتلك كانت بالمناسبة أول لجنة حقيقة تُحقِّق في انتهاكات نظام لا يزال في السلطة. وقد فضح التقرير مأسسة العنف وتورُّط "وحدة السلامة العامة" والشرطة العسكرية فيه.

ولذا، بعد أن كتب سعيد التقرير، غادر البلاد اليوم التالي، لأنه لم يكن أحمقَ، فقد كان يدرك المخاطر المميتة الناجمة عن تحدي السلطة العسكرية، وليس بالضرورة تحدي عيدي أمين نفسه، ولكن تحدي القادة العسكريين الذين ذكرهم في تقريره وحمَّلهم مسؤولية الانتهاكات.


* ذكرتَ فشل الدمج السريع لمتمردي الأنيانيا عام 1972. هل تراه المفتاح لتفكُّك الجيش وفق الانتماءات الإثنية؟

ممداني: لم يسقط عيدي أمين لأنه فقد الدعم الشعبي (فقد ظل محبوبا في الجنوب بوصفه بطلا قوميا)، لكنه سقط بسبب انهيار داخلي، لأن جيشه انشق وتشرذم بين كتلة "غرب النيل" القديمة ومجندي "الأنيانيا" الجُدد، مما أدى إلى حرب أهلية دموية داخل الجيش نفسه، تزامنت لسوء حظه مع حرب واجه فيها تنزانيا عام 1979، ومن ثمَّ حُسِم مصيره بسبب تلك العوامل معا.

حرب أوغندا وتنزانيا دارت رحاها في الفترة 1978-1979 وأدت إلى الإطاحة بنظام عيدي أمين (شترستوك)
* كيف صعد موسيفيني ليصبح رئيسا لأوغندا؟

ممداني: كانت هناك فترة طويلة، نحو 6 سنوات، وحكومات متعاقبة أثبتت فشل النخبة المدنية. إن جيش ما بعد عيدي أمين (UNLA) لم ينشأ داخليا، بل تَشكَّل في تنزانيا، وهناك انشق الجيش إلى ميليشيا أوبوتي وميليشيا جبهة الخلاص الوطني (FRONASA) التابعة لموسيفيني، تماما مثلما انقسم جيش عيدي أمين من قبلهم.

وحين دخل عيدي أمين تلك الحرب، قرَّر الجيش التنزاني دعم موسيفيني بدلا من أوبوتي، مما مكَّن موسيفيني من السلطة.


* في تشريحك لنظام موسيفيني، لاحظت أنه لم يلتزم بسردية واحدة ثابتة، بل تنقَّل بين سرديات متناقضة. كيف تفسر هذه التحولات التي طرأت على مشروعه السياسي، من الثورية إلى ما انتهى إليه اليوم؟

ممداني: لقد أدرك موسيفيني أنه لم يمتلك قاعدة شعبية داخل أوغندا كي يحكم بها فترة طويلة، وأنه لم يُحارب إلا في جزء صغير من البلاد، ولم يمتلك تنظيما سياسيا في بقية أنحاء أوغندا، ولم يدعمه أي طرف خارجي سوى مصر وليبيا، ومن ثمَّ قرَّر التفاهم مع الأميركيين لحماية سلطته، وكان ذلك التحوُّل الأول في رؤيته.

أما التحوُّل الثاني فكان حين أدرك أن الأمة الموحدة تُشكِّل تهديدا لاستمراره في السلطة، لأنها قادرة على مُساءلة بقائه في الحكم، ولذا تحوَّل إلى تفتيت الأمة ذاتها التي نادى بها في البداية، وذلك بالعودة إلى منطق النظام الاستعماري.

يويري موسيفيني يلوح لبعض مؤيديه في كمبالا عاصمة أوغندا، خلال احتفالات فوزه في انتخابات 2001 (الفرنسية)
* كيف فتَّت موسيفيني المجتمع الأوغندي؟ وماذا كانت أدواته؟

ممداني: عبر إستراتيجية التفتيت الإداري، إذ إنه ضاعف عدد المقاطعات بشكل جنوني، مانحا النخب المحلية مناطق نفوذ مقابل دعم السلطة المركزية.

والأهم أنه أعاد الشرعية الدستورية لمبدأ القبيلة عبر خلق تصنيفات أصلي وغير أصلي (مستوطن) على مستوى المقاطعات، مما يعني أن أولئك الذين لم يُولدوا في مقاطعة بعينها، وليس في أوغندا كلها عموما، اعتُبروا مستوطنين في تلك المقاطعات بعينها حتى لو كانوا سكانا أصليين من أوغندا عموما. وقد دمَّر ذلك فكرة المواطنة الجامعة واستبدل بها انتماءات قبلية متناحرة.


* لقد أشرتَ إلى تحول جذري طال مفهوم الجامعة في أوغندا تحت وطأة سياسات البنك الدولي والخصخصة. كيف أثَّرت هذه الرؤية التجارية على جوهر الرسالة الأكاديمية؟ وما معالم المشروع الإصلاحي الذي قُدته في معهد ماكيريري للبحوث الاجتماعية لمواجهة هذا الانحراف واستعادة البحث العلمي الرصين؟

ممداني: كانت فكرة البنك الدولي أن التعليم الجامعي ليس منفعة عامة وإنما سلعة خاصة، وأن الجامعة يجب أن تُدار على أنها شركة يجب أن تدر الأرباح وفقا لعدد الطلبة الملتحقين بها. وأدى ذلك إلى فتح الأبواب لأعداد ضخمة من الطلاب دافعي الرسوم الذين تسببوا في إثقال منشآت الجامعة فوق طاقتها.

ورغم ذلك لم تكفِ مصروفات الطلبة في تمويل الجامعة، ومن ثمَّ ظهر عجز مالي، وبعدئذ تغيَّر أيضا المحتوى التعليمي نحو التدريب المهني على حساب الاتجاهات الأكاديمية، فتحوَّلت الجامعة من كونها ساحة للتفوُّق العلمي إلى مؤسسة مشغولة بتخريج أعداد أكبر.

وعندما توليت إدارة معهد ماكِريري للبحوث الاجتماعية، كانت مهمتي تطوير نموذج بديل. وقد توليت مهمة مركز بحثي صغير للدراسات العليا بحيث يتخرَّج فيه حاملو الدكتوراه بعد 5-7 سنوات. وقد اعتمد البرنامج على فكرة خلق نظام جديد عماده أجوبة جديدة عن أسئلة مَن يُدرِّس، وماذا سيُدرِّس، وكيف سيُدرِّس، وهو ما شرحته بالتفصيل في كتابي.

كان هدفنا أن يُسهم 50 حاملا للدكتوراه في غضون 5 سنوات في تحسين الأوضاع التعليمية، وليس بالضرورة تغيير المنظومة الجامعية كلها. لقد كانت أوغندا في خضم عملية توسُّع في تأسيس الجامعات، مع شُح في أعداد المُدرسين، ولذا كان من المُنتظر أن يسهم هؤلاء في حمل أعباء التدريس، وقد انتقل بعضهم بالفعل إلى التدريس في بعض الجامعات الجديدة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا