"نفد المخزون" عبارة قد تبدو خبرا سيئا لشركة جاءها مشترون مستعدون للدفع، ولم يجدوا ما يشترونه. لكن في بعض الأسواق، قد تكون هذه العبارة هي النتيجة التي خططت لها الشركة منذ البداية، فنجاحها لا يقوم فقط على ما تبيعه، بل على إبقاء آخرين يتمنون الحصول عليه.
تخيّل أنك تتصفح متجرا إلكترونيا، فتتوقف أمام حذاء رياضي لم تكن تنوي شراءه. يعجبك تصميمه، لكنك تتردد: هل تحتاجه فعلا؟ وهل يستحق سعره؟ ثم تلاحظ عبارة "إصدار محدود"، وإشارة إلى قرب نفاد الكمية. فجأة، يتحول السؤال من لماذا أشتريه؟ إلى هل سألحق به قبل أن ينفد؟
لم يتغير الحذاء في تلك اللحظة، لكن احتمال فقدان فرصة امتلاكه أضاف إليه قيمة في عينيك. وعلى هذا التحول تراهن الشركات التي تصنع الندرة، إذ تقيّد الكميات أو تختصر فترة البيع، لتجعل التأجيل أصعب، والشراء أكثر إلحاحا، والسعر المرتفع أسهل قبولا.
غير أن وراء هذا الرهان حسابات تتجاوز إثارة حماس المستهلكين، فإنتاج كميات أقل قد يساعد على حماية الأسعار وتقليل التخفيضات، لكنه يعني أيضا التخلي عن مبيعات ممكنة، وربما ترك أرباح إضافية لمن يعيدون بيع المنتج لاحقا.
فكيف تتحول كلمة "محدود" إلى مصدر أرباح؟ ومتى تنجح الشركات في جعل المستهلك يدفع أكثر، لمجرد أن الحصول على المنتج أصبح أصعب؟
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، كشفت فيراري عن سيارتها "إف 80″، محددة إنتاجها عند 799 سيارة فقط. وكانت جميع السيارات قد خُصصت لعملاء، رغم أن طلبات الحصول عليها بلغت 3 أمثال الإنتاج المقرر، بحسب رويترز.
كان هناك من يريد الشراء، لكن الشركة أبقت سقف الإنتاج معلنا ومحدودا لتصنع ما يعرف بالندرة المصطنعة عبر قرار يضع سقفا للكميات.
وفي هذا النموذج لا يقتصر التقييد على العدد، فتخصيص السيارات مسبقا يجعل الوصول إلى الإصدار نفسه ميزة. أما تحديد فترة للبيع، فيضع المستهلك أمام قيد مختلف، وهو أن فرصة الشراء لن تظل مفتوحة بالضرورة.
وهكذا، تتعدد طرق تقييد توفر المنتج، لكن الهدف التسويقي يظل دفع المستهلك إلى الشراء سريعا، خشية أن يفوّت فرصة الحصول عليه.
ويشرح عالم النفس روبرت تشالديني أن الناس قد تزداد رغبتهم في الأشياء عندما تقل إمكانية الحصول عليها. ويضيف أن الإقناع بالندرة يرتبط بإبراز ما يميز العرض، وما قد يخسره الشخص إذا فوّته، فلا يعود الاهتمام محصورا في منفعة السلعة، بل يمتد إلى احتمال ضياعها.
لكن الندرة لا تكون متعمدة دائما، فقد ينفد المخزون بسبب صعوبة الحصول على المواد الخام أو الحاجة إلى حرفيين يصعب تدريبهم سريعا.
لذلك، فإن ظهور عبارة "نفد المخزون" لا يكفي وحده لإثبات أن الشركة تعمّدت حرمان السوق من المنتج.
بالنسبة إلى الشركة، لا يتوقف الربح على عدد المنتجات التي تبيعها، بل يتأثر أيضا بما تكسبه من كل منتج، فقد تبيع وحدات أقل وتحقق أرباحا أكبر إذا زاد ربحها من الوحدة الواحدة.
وهذا ما ظهر في نتائج فيراري في الربع الثاني من عام 2026، إذ سلّمت عملاءها 3366 سيارة، بانخفاض 128 سيارة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت أرباحها المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك (التوزيع المنظم لتكلفة الأصول الملموسة على مدار عمرها الإنتاجي) والاستهلاك بنسبة 7% إلى 755 مليون يورو (نحو 865.2 مليون دولار أمريكي).
وبحسب رويترز، ساعد على ذلك تسليم سيارات "إف 80″، التي تحقق للشركة هامش ربح مرتفعا عن كل سيارة مبيعة، إلى جانب زيادة ما يدفعه العملاء مقابل تجهيز سياراتهم وفق تفضيلاتهم الخاصة، وهكذا عوّضت زيادة الأرباح من هذه المبيعات انخفاض عدد السيارات التي جرى تسليمها.
وتقدم "بورشه" مثالا آخر على استفادة الشركات من الإصدار المحدود لتسويقه بسعر مرتفع. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلنت إنتاج 1500 سيارة فقط من "911 سبيريت 70″، وحددت سعرها الأساسي في الولايات المتحدة عند 240 ألف دولار.
تعتمد السيارة على طراز "كاريرا جي تي إس كابريوليه"، وتشترك معه في منظومة الدفع، لكنها تأتي بلون خاص ومقصورة وزخارف تستعيد تصميمات السبعينيات من القرن الماضي.
ولم تكتف الشركة بإصدار محدود للسيارة، بل طرحت معها ساعة لا تتاح إلا لمشتري هذا الإصدار، فأصبح امتلاك السيارة يفتح باب شراء منتج حصري آخر.
بهذه الطريقة لا يقتصر العرض على عدد محدود من السيارات، بل يجمع بين التصميم الخاص والارتباط بتاريخ العلامة وإتاحة منتجات للمشترين وحدهم.
تختلف أشكال الندرة من سوق إلى أخرى، قد تكون الندرة في حقيبة بتصميم نادر يبحث عنها جامعو المقتنيات، أو مجموعة ملابس تجمع علامتين شهيرتين ويصطف المشترون للحصول عليها يوم إطلاقها. وفي الحالتين، تصبح هوية الإصدار وصعوبة العثور عليه جزءا مما يدفع المستهلك مقابله.
ومن أمثلة ذلك حقائب بيركين فوبورج من هيرميس، التي تُنتج بكميات محدودة للغاية، وتحاكي بتصميمها واجهة متجر العلامة التاريخي في باريس.
وبحسب دليل نشرته دار المزادات العالمية "سوذبيز" في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تبدأ أسعار التجزئة لبعض نسخ حقائبها، مثل "داي" و"نايت"، من نحو 30 ألف دولار، ويبدأ سعر نسخة "سنو" من نحو 48 ألف دولار.
لكن الأسعار ترتفع كثيرا عند انتقال هذه الحقائب إلى المزادات، ففي مارس/آذار 2025، بيعت حقيبة "داي فوبورج" مقابل 152.4 ألف دولار، وبلغ سعر حقيبة "ريني دايز فوبورج" نحو 203 آلاف دولار.
وفي النصف الأول من عام 2026، سجلت مجموعة هيرميس إيرادات بلغت 8.2 مليارات يورو (نحو 9.35 مليارات دولار)، وأرباحا تشغيلية متكررة بلغت 3.35 مليارات يورو (نحو 3.84 مليارات دولار)، بهامش 41%، أي إن كل 100 دولار من المبيعات تركت للشركة نحو 41 دولارا ربحا تشغيليا.
وفي الملابس، قدم تعاون "بربري وسوبريم" مثالا واضحا على الإقبال على الإصدارات الخاصة. فعند إطلاق المجموعة في مارس/آذار 2022، امتدت الطوابير أمام متجر "بربري" في لندن. وكان من بين قطعها سترة بلغ سعرها 2090 جنيها إسترلينيا (نحو 2740 دولارا)، نفدت كمياتها المعروضة عبر الإنترنت بحلول نهاية يوم الإطلاق، وسط إقبال جمع بين راغبين في ارتداء القطع وآخرين يسعون لإعادة بيعها.
لا تنتهي رحلة المنتج عند ظهور عبارة "نفد المخزون"، فقد ينتقل إلى سوق إعادة البيع، حيث يعرضه بعض المشترين بسعر أعلى على من لم يتمكنوا من الحصول عليه. وهنا تذهب الزيادة إلى البائع الجديد، بعد خصم تكاليفه ورسوم المنصة، بينما تكون الشركة المصنّعة قد حصلت على حصيلتها من البيع الأول.
وارتفع متوسط سعر إعادة بيع أحذية "فانز" على منصة "ستوك إكس" من 102 إلى 180 دولارا في النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وارتفع متوسط الزيادة على سعر التجزئة من 12 إلى 69%. وتعكس النسبة الارتفاع في أسعار مجموعة الأحذية المتداولة على المنصة، وليست تغير سعر حذاء واحد.
لكن هذه الزيادة يحصل عليها مالك الحذاء عند إعادة بيعه بالسعر الجديد، بعد خصم الرسوم، إذ تتقاضى "ستوك إكس" رسوما تتراوح بين 7% و9% من قيمة المنتج.
وفي بعض الأحيان تبدأ المنافسة على هذه المكاسب قبل وصول المنتج إلى سوق إعادة البيع، إذ تقول شركة "نايكي" إن هناك محاولات شراء تتم عبر برامج آلية تمثل بين 10% و50% من المشاركات، بحسب الإصدار الخاص الذي تطرحه الشركة. وهو ما يعني أن العميل الفرد قد ينافس محاولات شراء آلية كثيرة على الكمية المطروحة.
ولم تقتصر الندرة على السلع الملموسة، فقد انتقلت إلى العالم الرقمي، إذ يمكن طرح عدد محدود من الرموز المرتبطة بصور أو أعمال فنية يسهل نسخها وتداولها.
ففي مارس/آذار 2021، باعت دار "كريستيز" العمل الرقمي للفنان بيبل "إيفري دايز: الأيام الخمسة آلاف الأولى" مقابل 69.3 مليون دولار، وكان العمل مرتبطا برمز غير قابل للاستبدال، رغم أن الصورة نفسها يمكن مشاهدتها وتداول نسخ منها على الإنترنت.
وتقوم فكرة بيع الرمز على ربط العمل الرقمي برمز مميز يُعرف باسم "الرمز غير القابل للاستبدال" (إن إف تي). ويُسجَّل في سجل إلكتروني مشترك يُسمى "البلوك تشين"، يتيح التحقق من المحفظة التي تملكه وتتبع انتقاله بين المشترين. ويمكن للفنان تحديد عدد الرموز التي يطرحها والمرتبطة بعمله.
ولتبسيط الفكرة، يستطيع أي شخص حفظ الصورة على هاتفه، لكن ذلك لا ينقل إليه الرمز الذي أصدره الفنان. فالندرة هنا تخص الرمز، حتى لو ظلت الصورة متاحة للجميع.
ويصبح هذا الفرق أوضح عند استخدام الرمز تذكرة أو تصريحا للدخول، فنسخ صورة التذكرة لا يمنح بالضرورة حق الدخول الذي يتحقق منه النظام. وكذلك قد يرتبط الرمز بعنصر داخل لعبة أو بإمكانية الوصول إلى محتوى معين، فتأتي فائدته مما يسمح لصاحبه باستخدامه.
وقد تتحول رسائل الندرة إلى تضليل عندما تُخفي جزءا من الصورة. ففي أبريل/نيسان 2019، قضت محكمة أسترالية بأن منصة "فياجوجو" ضللت المستهلكين بعبارات مثل "تبقى أقل من 1% من التذاكر"، بينما كانت هذه الرسائل تخص التذاكر المعروضة على منصتها فقط، ولا تشمل المتاح لدى جهات أخرى.
فالمشتري الذي ظن أن فرصته الأخيرة توشك على الضياع، ربما كان يستطيع الحصول على التذكرة من مكان آخر.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، فُرضت على المنصة غرامة قدرها 7 ملايين دولار أسترالي (نحو 5 ملايين دولار أمريكي) بسبب مجموعة من الممارسات المضللة، شملت ادعاءات ندرة التذاكر وعدم الإفصاح المبكر عن الرسوم.
ومع رؤية عبارة "إصدار محدود" نجد أن الشركات تراهن على أن صعوبة الحصول على المنتج ستزيد الرغبة فيه. غير أن العميل الذي يغادر خالي اليدين لن يعود بالضرورة إلى الشركة نفسها. وبعد اختفاء آخر قطعة من الرف، يبدأ الاختبار الأصعب: هل نجحت الشركة في جعل الناس ينتظرون منتجها، أم دفعتهم إلى البحث عن بديل؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة