بعد أيام فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الاتفاق التجاري مع كندا أصبح في المتناول، انتقلت العلاقة بين اثنين من أكثر الاقتصادات تكاملا في العالم من حافة التسوية إلى مواجهة تجارية مفتوحة، مع دخول رسوم أمريكية بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار حيز التنفيذ، وتعهد أوتاوا برد مماثل "دولارا بدولار".
التحول الذي جرى خلال 72 ساعة يتجاوز خلافا تقليديا بشأن مستويات الرسوم الجمركية، إذ تكشف تفاصيل المفاوضات عن صدام أوسع حول شروط الوصول إلى الأسواق، وحماية الصناعات المحلية، والقدرة السياسية لكل حكومة على تقديم تنازلات، في علاقة تجارية بلغ حجم تبادل السلع والخدمات فيها نحو 900 مليار دولار خلال 2025، وفقا لبلومبيرغ.
ودخلت الرسوم الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ عند الساعة 12:01 من صباح السبت، عقب انهيار مفاوضات اللحظات الأخيرة مساء الجمعة، رغم أن مسار المحادثات كان يوحي قبل أيام فقط بأن الاتفاق بات قريبا. ففي الثلاثاء، أعلن ترمب، قبل أقل من ساعتين على انتهاء مهلة سابقة، أن الطرفين توصلا إلى اتفاق وأوقف الرسوم المهدد بها، فيما قال مسؤولون كنديون لاحقا إن عناصر أساسية ظلت من دون حسم، بحسب بلومبيرغ.
وفي منتصف الأسبوع، تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن "تقدم كبير"، فيما وصف وزير التجارة الكندي الطرفين بأنهما "قريبان جدا". وبحلول مساء الجمعة، كانت المفاوضات قد انهارت، وعلقت كندا المحادثات وانتقلت من التفاوض على تخفيض الرسوم إلى الاستعداد للرد عليها.
تختلف روايتا واشنطن وأوتاوا بشأن اللحظات الأخيرة للمفاوضات. وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير إن الجانب الكندي قدّم مطالب متأخرة أخلت بـ"التوازن الدقيق" لمسودة جرى التفاوض عليها على مدى أيام، مؤكدا أن الولايات المتحدة عرضت على كندا "أفضل معاملة لأي مصدر رئيسي"، وفقا لما نقلته فايننشال تايمز.
وبعيدا عن تبادل المسؤولية، كانت المسافة بين الطرفين قد تقلصت بالفعل في ملفات رئيسية. فبحسب بلومبيرغ، كانت مسودة الاتفاق ستخفض الرسوم الأمريكية على الصلب والألمنيوم الكنديين من 50% إلى 25%، وعلى السيارات من 25% إلى 15%، وتلغي رسوما بنسبة 10% على الأخشاب، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات رسمية لتجديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA".
وفي المقابل، كانت أوتاوا ستسحب إجراءاتها الانتقامية، وتنهي الحظر الذي فرضته بعض المقاطعات على المشروبات الكحولية الأمريكية، وتوسع وصول المنتجات الأمريكية إلى سوق الألبان الكندية.
وتكشف هذه التفاصيل أن انهيار المحادثات ارتبط بالشروط النهائية للصفقة والقيود السياسية والاقتصادية الداخلية أكثر من ارتباطه بنسب الرسوم الرئيسية وحدها.
فكندا كانت تسعى إلى تخفيف أكبر للرسوم البالغة 50% على الصلب والألمنيوم و25% على السيارات، إضافة إلى معالجة الرسوم المفروضة على الأخشاب، والتي أدت بالفعل إلى إغلاق مصانع، وفقا لفايننشال تايمز. وفي المقابل، ضغطت واشنطن لإنهاء الحظر الإقليمي على المشروبات الكحولية الأمريكية، وتوسيع الوصول إلى سوق الألبان، وإلغاء الرسوم الكندية المضادة على السيارات الأمريكية وقيود المشتريات الحكومية.
لكن التسوية واجهت مقاومة داخلية في البلدين. فبحسب بلومبيرغ، عارضت صناعات الصلب والألمنيوم الأمريكية تنازلات من شأنها إضعاف مستوى الحماية الذي توفره الرسوم، بينما واجه كارني انتقادات داخلية لأن قبول الصفقة كان سيعني، عمليا، تثبيت رسوم ظلت أوتاوا تصفها بأنها غير قانونية، وإن بمعدلات أقل.
وأصبحت المسألة أكثر حساسية داخل كندا بسبب البعد السيادي الذي اكتسبه الخلاف. فقد غذت تصريحات ترمب المتكررة بشأن جعل كندا "الولاية الحادية والخمسين"، ووصف رؤساء وزرائها بـ"الحاكم"، مقاطعة استهلاكية للسلع الأمريكية ورفعت الكلفة السياسية لأي تنازل تقدمه الحكومة.
وتُظهر استطلاعات رأي أوردتها وسائل إعلام كندية أن 18% فقط من الكنديين يؤيدون تقديم تنازلات للحصول على اتفاق، وفقا لـ"أباكوس داتا"، بينما أظهر استطلاع لـ"ليجيه" أن 56% يريدون من الحكومة التمسك بموقف متشدد. وتضع هذه الأرقام كارني، الذي وصل إلى السلطة على منصة تتحدى الرسوم الأمريكية، أمام مساحة محدودة للمناورة.
اقتصاديا، تبدو الكلفة أكثر مباشرة على الجانب الكندي، بالنظر إلى حجم ارتباط قطاعات واسعة بالسوق الأمريكية. ويقدّر تريفور تومب -الاقتصادي في جامعة كالغاري- أن استمرار الرسوم قد يؤدي إلى فقدان نحو 90 ألف وظيفة في كندا، وفقا لبلومبيرغ.
وتتركز الضغوط المتوقعة في الآلات والإلكترونيات والبلاستيك والمطاط والأثاث والأخشاب والورق والكيماويات، في حين يُرجَّح أن تتحمل بريتيش كولومبيا وأونتاريو وكيبيك الجزء الأكبر من التداعيات.
ووصفت رئيسة غرفة التجارة الكندية كانديس لينغ الرسوم بأنها "ضربة قاسية للقدرة التنافسية"، محذرة من أن الكنديين قد يشهدون اختفاء عملاء واستثمارات وشركات صغيرة. كما وصف رئيس الاتحاد الكندي للأعمال المستقلة دان كيلي القرار بأنه "مقلق للغاية لآلاف المصدرين الكنديين الصغار".
وتتعامل أوتاوا مع الصدمة عبر مسارين متوازيين. الأول قصير الأجل، يقوم على الرد "دولارا بدولار" وتقديم دعم جديد للعمال والشركات، استكمالا لنحو 25 مليار دولار من المساعدات المقدمة خلال الأشهر الـ18 الماضية. أما الثاني فأطول مدى، ويتمثل في تسريع تقليص الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة، عبر مشروعات بنية تحتية تُقدَّر بنحو 500 مليار دولار وخط أنابيب نفطي جديد يستهدف توسيع أسواق الطاقة الكندية خارج السوق الأمريكية.
عدم تماثل الخسائر بين الطرفين لا يعفي الاقتصاد الأمريكي من الكلفة، إذ يبدو تأثير المواجهة داخل الولايات المتحدة أكثر انتشارا وأقل تركيزا قطاعيا، لكنه يحمل حساسية سياسية وتضخمية مرتفعة.
يتحمل المستورد الأمريكي الرسوم عند الحدود، ويمكن أن تنتقل أجزاء من هذه التكلفة إلى أسعار الخشب الرقائقي والمشروبات ومواد البناء ومعدات الهوكي وغيرها من السلع. ويأتي ذلك بينما يظل ارتفاع تكاليف المعيشة قضية حساسة لدى الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب بلومبيرغ.
كما تضيف زيادة تكاليف الواردات عاملا جديدا إلى معادلة التضخم التي يتعامل معها الاحتياطي الفيدرالي في وقت يدرس فيه المزيد من التشديد النقدي، بينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى خفض تكاليف الاقتراض.
ومع ذلك، صممت واشنطن نطاق الرسوم بطريقة تحد من الضرر الذي يمكن أن يرتد مباشرة على الاقتصاد الأمريكي. فقد استثنت الموارد التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بصورة كبيرة، وعلى رأسها النفط الخام، إذ تزود كندا السوق الأمريكية بأكثر من 4 ملايين برميل يوميا، إلى جانب البوتاس والمعادن الحيوية. ويشير هذا الاستثناء إلى تصعيد محسوب يستهدف الضغط على أوتاوا مع تجنب تعطيل سلاسل إمداد يصعب على الاقتصاد الأمريكي استبدالها سريعا.
ولا تقف المخاطر عند حدود التجارة والأسعار. فبحسب وول ستريت جورنال، تستند الرسوم الجديدة إلى مادة لم يسبق استخدامها من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، تتيح للرئيس معاقبة الدول التي يعتبر أنها تمارس تمييزا ضد التجارة الأمريكية، ما يفتح الباب أمام طعون قضائية.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن المحكمة العليا كانت قد أبطلت قبل ستة أشهر حزمة سابقة من رسوم ترمب استندت إلى قانون سلطات الطوارئ، الأمر الذي يضع الأساس القانوني للجولة الجديدة من الرسوم تحت الاختبار.
ويتزامن ذلك مع ضبابية متزايدة تحيط بمستقبل اتفاقية "USMCA"، بعدما امتنعت الإدارة الأمريكية عن تجديدها بالكامل هذا الصيف وأصبحت الاتفاقية خاضعة لمراجعة مستمرة. كما نقلت فايننشال تايمز عن غرير وصفه المحادثات مع المكسيك بأنها "بناءة"، في مقابل انهيار المسار الكندي، في إشارة إلى إمكانية تعامل واشنطن مع شريكيها في الاتفاقية عبر مسارين منفصلين.
المرحلة المقبلة ستتحدد بدرجة الرد الكندي وطبيعة المقابل الأمريكي. ووفقا لبلومبيرغ، قال مسؤول أمريكي إنه لا توجد محادثات جديدة مقررة، وإن ترمب سيُعرض عليه عدد من الخيارات لـ"تسوية ساحة المنافسة" إذا مضت كندا في إجراءاتها الانتقامية، وهو ما يرفع مخاطر انتقال المواجهة من حزمة السلع الحالية البالغة قيمتها نحو 20 مليار دولار إلى تجارة السيارات والمعادن الأكبر حجما.
لكن بنية الإجراءات نفسها تترك مساحة للعودة إلى التفاوض. فاستثناء النفط والبوتاس والمعادن الحيوية يقلل احتمالات الانفصال التجاري الشامل، كما أن تأكيد غرير أن المحادثات لم تكن عدائية يشير إلى أن القنوات السياسية لم تغلق بالكامل.
وعليه، ترجح المعطيات الواردة في التقرير استمرار المواجهة التجارية في المدى القريب، مع اعتماد أوتاوا على برامج الدعم وتسريع تنويع تجارتها، فيما يظل تجديد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا "USMCA" معلقا.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية الأبرز في المواجهة، إذ إن الولايات المتحدة تستطيع إلحاق ضرر أكبر بكندا بسبب عدم التكافؤ في حجم الاقتصاد والاعتماد التجاري، لكن تشابك سلاسل الإنتاج والأسواق يجعل استخدام الرسوم أداة لا تعمل في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت كلفة وصول المنتجات الكندية إلى السوق الأمريكية، ازدادت الضغوط على المصدرين والاستثمار والوظائف في كندا، وفي الوقت نفسه تنتقل أجزاء من تلك الكلفة إلى الشركات والمستهلكين والأسعار داخل الولايات المتحدة.
ولهذا وصفت رئيسة غرفة التجارة الكندية المواجهة بأنها فصل جديد من "ملحمة تجارية مدمرة للذات" في أمريكا الشمالية. وفي علاقة اقتصادية يصل حجمها إلى نحو 900 مليار دولار سنويا، لم تعد المسألة تقتصر على الطرف القادر على فرض الرسوم الأعلى، وإنما على حجم الضرر الذي يستطيع كل اقتصاد تحمله قبل أن تصبح العودة إلى طاولة المفاوضات أقل كلفة من الاستمرار في الحرب التجارية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة