لم تعد الخلافات بين الدول تدار عبر القنوات الدبلوماسية وحدها، ولا حتى عبر التهديدات العسكرية المباشرة، ففي عالم تتشابك فيه سلاسل الإمداد والأسواق والاستثمارات، بات الاقتصاد نفسه أداة ضغط سياسية متكاملة.
هذا التحول عاد إلى الواجهة مع تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، في سياق نزاع يتجاوز التجارة ليطال ملفات سيادية وجيوسياسية حساسة.
وتصاعد التوتر بعدما ربط ترامب صراحة بين فرض رسوم جمركية على دول أوروبية، وبين التوصل إلى اتفاق بشأن جزيرة غرينلاند. وقال الرئيس الأميركي إن بلاده ستفرض اعتبارا من الأول من فبراير/شباط المقبل تعريفة جمركية بنسبة 10% على الدانمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، ترتفع إلى 25% في الأول من يونيو/حزيران، "إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل".
وأضاف ترامب في تصريحات تعكس منطق هذا النهج: "لدينا أوراق اقتصادية قوية، والرسوم الجمركية أداة فعالة للحصول على ما نريد"، في إشارة مباشرة إلى استخدام الضغط التجاري لتحقيق أهداف سياسية.
في المقابل، أثارت هذه التهديدات قلقا أوروبيا متزايدا، ما دفع دبلوماسيين من دول الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ في بروكسل لبحث سبل الرد.
وأفادت تقارير بأن فرنسا تضغط باتجاه تفعيل أقوى أداة ردع اقتصادي يمتلكها الاتحاد، والمعروفة باسم أداة مكافحة الإكراه.
وتُوصف هذه الأداة، التي حظيت بتغطية واسعة في وسائل إعلام اقتصادية غربية، بأنها أقصى ما يمكن اللجوء إليه في الترسانة التجارية الأوروبية، نظرا لما تتيحه من إجراءات قد تشمل تقييد وصول الشركات الأميركية إلى السوق الأوروبية، واستبعادها من المناقصات العامة، وفرض قيود على التجارة والاستثمار.
هذا التصعيد يطرح أسئلة أوسع: ما هو الإكراه الاقتصادي؟ كيف استُخدم تاريخيًا؟ ولماذا عاد بقوة إلى واجهة العلاقات الدولية؟ وهل يملك النظام القانوني الدولي أدوات واضحة للتعامل معه؟
يشير مفهوم "الإكراه الاقتصادي" إلى إجبار طرف ما على اتخاذ إجراء معين من خلال استخدام ضغط اقتصادي كبير أو التهديد به. ويتضمن ذلك استغلال القوة الاقتصادية أو نقاط الضعف لدى الطرف الآخر لدفعه إلى قرار لم يكن ليتخذه طوعا في الظروف العادية، وفق منصة "إل أس دي" القانونية.
ويقدم مركز أكسفورد للقانون الدولي العام تعريفا أكثر شمولا، إذ يرى أن الإكراه الاقتصادي يشمل استخدام أو التهديد باستخدام تدابير ذات طابع اقتصادي لحث دولة مستهدفة على تغيير سياسات أو ممارسات معينة، أو حتى إعادة تشكيل بعض جوانب بنيتها السياسية.
وفي هذا السياق، يشار إلى الجهة التي تتعرض للضغط بـ"الطرف المستهدف"، بينما تسمى الجهة التي تمارس الضغط بـ"الطرف المُرسل".
وبعبارة مبسطة، يقوم الإكراه الاقتصادي على استخدام المال والتجارة والاستثمار كسلاح ضغط، بحيث يجد الطرف المتضرر نفسه مضطرا للامتثال، ليس عن قناعة، بل لتفادي خسائر اقتصادية أكبر.
وتُعد السياسات التجارية التي انتهجها دونالد ترامب أحد أوضح النماذج المعاصرة للإكراه الاقتصادي. فمنذ ولايته الأولى، اعتمد الرئيس الأميركي على الرسوم الجمركية المرتفعة كوسيلة لإعادة التفاوض على العلاقات التجارية مع شركاء الولايات المتحدة، ودفعهم إلى فتح أسواقهم أمام المنتجات الأميركية أو تعديل سياساتهم الاقتصادية.
غير أن اللافت في الحالة الأوروبية الأخيرة هو تجاوز الإطار التجاري التقليدي، وربط الرسوم الجمركية صراحة بملف جيوسياسي، هو غرينلاند. هذا الربط يعكس تحول الأدوات الاقتصادية إلى وسيلة ضغط سياسي مباشر، تتداخل فيها الحسابات التجارية مع اعتبارات النفوذ والسيادة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال منتدى دافوس، إلى تفعيل أدوات أوروبية مضادة، بوصفها محاولة لإعادة التوازن في مواجهة ما تعتبره باريس استخداما أميركيا مفرطًا للقوة الاقتصادية.
يشار إلى أن ترامب أعلن أمس أنه لن يفرض الرسوم الجمركية على عدة دول أوروبية كان مقررا أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير/شباط المقبل، مؤكدا أن محادثات إضافية تجري بشأن اتفاقية القبة الذهبية في ما يتعلق بجزيرة غرينلاند.
وللإكراه الاقتصادي تاريخ ممتد في العلاقات الدولية، فقد استخدم بأشكال مختلفة منذ العصور القديمة، وتوسع الاعتماد عليه بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين سعت الدول إلى استخدام الأدوات الاقتصادية كبديل أقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة، وفق مركز أكسفورد للقانون الدولي العام.
وشملت أبرز الأمثلة الحديثة:
كما استخدمت دول أخرى، مثل المملكة المتحدة والهند وروسيا، أدوات اقتصادية للضغط في نزاعات إقليمية وسياسية محددة.
ورغم اختلاف السياقات، تكشف هذه الحالات عن قاسم مشترك: الاقتصاد يُستخدم كوسيلة ضغط سياسية حين تكون كلفته المتوقعة أقل من كلفة المواجهة العسكرية المباشرة، وحين يُعتقد أن الطرف المستهدف أكثر هشاشة اقتصاديًا.
وتسعى فرنسا إلى دفع الاتحاد الأوروبي نحو استخدام أداة مكافحة الإكراه بوصفها ردا منظما على الضغوط الأميركية. وأكد وزير التجارة الخارجية الفرنسي رولان ليسكور أن الاتحاد "يجب أن يكون مستعدا" لتفعيل هذه الآلية، وفق ما نقلته شبكة "سي أن بي سي".
الأداة، التي تُعرف أيضا باسم "بازوكا التجارة"، وهي لائحة أوروبية اقترحت في ديسمبر/كانون الأول 2021، واعتمدت رسميا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ودخلت حيز التنفيذ في 27 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، بحسب منصة "بريكنغ نيوز" الإيرلندية.
وفي خطوة تعكس انتقال الرد الأوروبي من التحذير إلى الفعل، قرر البرلمان الأوروبي تعليق المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة على خلفية تصاعد تهديدات ترامب مؤخرا.
وبموجب هذه اللائحة، يُعرف الإكراه الاقتصادي بأنه محاولة دولة ثالثة الضغط على الاتحاد الأوروبي أو إحدى دوله الأعضاء لاتخاذ قرار معين من خلال تدابير تؤثر على التجارة أو الاستثمار، وفق المفوضية الأوروبية.
وتهدف الأداة أساسا إلى الردع، لكنها تتيح في حال استمرار الإكراه اتخاذ إجراءات مضادة، قد تشمل قيودًا على الاستيراد والتصدير، والملكية الفكرية، والاستثمار الأجنبي المباشر.
ورغم هذا الإطار القانوني، لا يُجمع أعضاء الاتحاد الأوروبي على سرعة أو نطاق استخدام هذه الأداة، إذ تخشى بعض الدول من أن يؤدي تفعيلها إلى تصعيد تجاري واسع يصعب احتواؤه.
رغم اتساع استخدام الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية، لا يوجد حتى اليوم قانون دولي شامل يُجرم الإكراه الاقتصادي بشكل صريح.
ويعتمد النظام القانوني الدولي على مبادئ عامة، أبرزها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وفق مركز أكسفورد للقانون الدولي العام.
غير أن هذا المبدأ لا يحدد بوضوح متى تتحول الإجراءات الاقتصادية إلى تدخل غير قانوني. وقد أكدت محكمة العدل الدولية عام 1986 أن التدابير الاقتصادية وحدها لا تشكل خرقا تلقائيا لمبدأ عدم التدخل، لكنها قد تصبح غير قانونية إذا خالفت التزامات تعاقدية أو معاهدات دولية محددة.
وفي ظل غياب إطار قانوني دولي صارم، يبقى الإكراه الاقتصادي منطقة رمادية تتحرك فيها الدول وفق ميزان القوة والمصلحة.
وبينما ترى بعض العواصم في الأدوات الاقتصادية وسيلة أقل كلفة من الحرب، تكشف التطورات الأخيرة أن استخدامها المتزايد قد يفتح الباب أمام صراعات تجارية وسياسية أعمق، يصعب الفصل فيها بين الاقتصاد والجيوسياسة، أو احتواؤها دون كلفة على النظام الدولي نفسه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة