في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تقع غويانا في الركن الشمالي الشرقي من أميركا الجنوبية، وهي دولة صغيرة نسبيا، تبلغ مساحتها نحو 83 ألف ميل مربع، ويُقدّر عدد سكانها بنحو 836 ألف نسمة.
ورغم صِغر حجمها الديمغرافي، فإنها تُعد من الدول الغنية بالموارد الطبيعية، إذ تنتشر مزارع قصب السكر وحقول الأرز في أراضيها الخصبة، قبل أن يدخل النفط إلى معادلة اقتصادها ابتداء من عام 2015، مُحدثا تحولا جذريا في موقعها الاقتصادي.
ويصنّف عدد من الباحثين غويانا ضمن نطاق الكاريبي، إلى جانب جزر الهند الغربية وكل من بليز وسورينام وغويانا الفرنسية الواقعة على البرّ الرئيسي لأميركا الجنوبية.
وتُعد جورج تاون عاصمة البلاد وميناءها الرئيسي، فضلا عن كونها مركزها الإداري والاقتصادي الأهم.
وعلى الرغم من مواردها الطبيعية، ظلت غويانا تُعد من أفقر دول أميركا الجنوبية لعقود طويلة، في واقع ارتبط بالإرث الاستعماري وبنية اقتصاد زراعي محدود.
بيد أن هذا المشهد بدأ يتغير بشكل جذري منذ عام 2015، مع اكتشاف أول حقل نفطي في المياه العميقة قبالة سواحلها، ضمن سلسلة اكتشافات أعادت رسم ملامح الاقتصاد الغياني ودفعت البلاد سريعا إلى واجهة أسواق الطاقة العالمية.
هذا التحول السريع من دولة هامشية اقتصاديا إلى لاعب نفطي صاعد لم يمر من دون تبعات جيوسياسية واقتصادية، إذ سرعان ما أصبحت غويانا ساحة تنافس محتدم بين شركات النفط العالمية الكبرى، في مقدمتها إكسون موبيل وشركاؤها، إلى جانب قوى دولية تسعى لتأمين موطئ قدم في واحدة من أسرع مناطق الإنتاج النفطي نموًا على مستوى العالم.
ومع تزايد الاكتشافات وتنامي التقديرات المرتبطة بحجم الموارد، تعاظمت المطامع الخارجية، كما برزت تحديات سياسية واقتصادية متصاعدة تواجه هذا البلد الصغير والغني في آن واحد.
ويتناول هذا التقرير الخلفية الاستعمارية لغويانا، واحتياطياتها النفطية ومستويات إنتاجها الحالية، وال ناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى أبرز الشركات النفطية العالمية المتنافسة على مواردها، فضلا عن نزاع منطقة إيسيكويبو الغنية بالنفط بين غويانا وفنزويلا.
يعود التاريخ الاستعماري لغويانا إلى أواخر القرن السادس عشر، حين أسس الهولنديون أولى المستوطنات الأوروبية الدائمة على سواحلها، وأنشؤوا 3 مستعمرات رئيسية هي إيسيكويبو وبيربيس وديميرارا، معتمدين على اقتصاد زراعي قائم على زراعة قصب السكر والعمل القسري للعبيد الأفارقة.
ومع تصاعد الصراعات الأوروبية في أواخر القرن الثامن عشر، انتقلت السيطرة على هذه المستعمرات إلى بريطانيا عام 1796، قبل أن تُثبت رسميا بموجب اتفاق عام 1814.
وفي عام 1831، وحدت بريطانيا المستعمرات الثلاث تحت اسم "غويانا البريطانية"، ليستمر الحكم البريطاني حتى نالت البلاد استقلالها عام 1966، منهية أكثر من قرنين من الهيمنة الاستعمارية الأوروبية، وفقا لموسوعة بريتانكا.
منذ عام 2015، برزت غويانا كواحدة من الدول الصاعدة عالميا في مجال اكتشافات النفط، مدفوعة بأحجام موارد كبيرة عززت مكانتها على خريطة الطاقة الدولية، وفق تقديرات صادرة عن شركة "ريستاد إنرجي" النرويجية.
وتُصنّف غويانا ضمن مجموعة محدودة من الدول التي شهدت اكتشافات نفطية كبرى خلال العقد الأخير، إذ تشير تقديرات "ريستاد إنرجي" إلى أن الموارد القابلة للاستخراج قد تتجاوز 13 مليار برميل من المكافئ النفطي، بينما تُظهر بيانات صادرة عن الحكومة الغيانية وشركات التشغيل أن الموارد المكتشفة فعليا تُقدّر بنحو 11.6 مليار برميل من النفط، ما يضع البلاد ضمن أسرع مناطق الاكتشاف النفطي نموا على مستوى العالم.
أعلنت شركة "إكسون موبيل غويانا المحدودة وشركاؤها"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحقيق إنجاز جديد في قطاع الطاقة، بعد وصول الإنتاج النفطي اليومي إلى نحو 900 ألف برميل.
ويأتي هذا التطور بعد بدء التشغيل الناجح لمشروع يلوتيل، وهو رابع مشروع بحري في البلاد، بطاقة إنتاجية أولية تُقدّر بنحو 250 ألف برميل يوميا.
وفي هذا السياق، خصّص الشركاء في منطقة ستابروك استثمارات كبيرة لتطوير عدد من المشاريع النفطية البحرية المعتمدة من الحكومة الغيانية، من بينها مشاريع "أوارو" و"ويبتايل" و"هامرهيد".
وبحسب تقديرات حالية، من المتوقع أن تصل الطاقة الإنتاجية الإجمالية لعدة مشاريع تطويرية بحرية إلى نحو 1.7 مليون برميل يوميا بحلول عام 2030، ما يعزز مكانة غويانا كواحدة من أسرع مناطق الإنتاج النفطي نموا في العالم.
مع الاكتشافات النفطية الضخمة التي شهدتها غويانا خلال السنوات الأخيرة، دخلت شركات عالمية عملاقة على خط الاستفادة من هذه الثروة الواعدة، لتحول البلاد إلى ساحة تنافس دولي واسع بين كبار اللاعبين في قطاع الطاقة.
ووفقا لوكالة رويترز وصحيفة الغارديان البريطانية، تقود شركة إكسون موبيل الأميركية عمليات الاستكشاف والإنتاج في حقل ستابروك البحري، حيث بدأت الإنتاج منذ عام 2019، وتظل المحرك الأساسي لقطاع النفط في البلاد. كما تشارك شركة النفط البحرية الوطنية الصينية كشريك رئيسي في المشروع.
وكانت شركة هيس الأميركية شريكا أساسيا في ستابروك قبل أن تعلن شركة شيفرون الأميركية عن صفقة للاستحواذ عليها بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار، ما عزز موقع شيفرون كلاعب قوي في قطاع النفط الغياني.
وفي عام 2025، دخلت شركة توتال إنيرجي الفرنسية سوق التنقيب في غويانا بعد توقيع اتفاقات للاستكشاف في مربع "إس4" البحري، بالشراكة مع " قطر للطاقة" وشركة "بيتروناس" الماليزية، ضمن مجموعة مستثمرين جدد.
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لغويانا نحو 24.6 مليار دولار عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي، ويُقدّر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29 ألف دولار. ومع ذلك، تشير تقارير متعددة إلى أن شريحة واسعة من السكان لا تزال تعيش أوضاعا معيشية صعبة.
ويرى مراقبون أن الفوائد الملموسة للطفرة النفطية على حياة المواطنين العاديين لا تزال محدودة، إذ تتركز عائدات الوقود الأحفوري بدرجة كبيرة لدى الشركات الأجنبية.
وتسمح اتفاقيات تقاسم الإنتاج الموقعة عام 2016 لشركات النفط باستخدام نسبة مرتفعة (75%) من العائدات لتغطية التكاليف، فيما تحصل الحكومة الغيانية على حصة محدودة (2%) من صافي العائدات، إضافة إلى عوائد ثابتة على إجمالي الإنتاج، وفقا للغارديان البريطانية.
ويرى خبراء في صناعة الطاقة أن هذه الترتيبات التعاقدية تجعل غويانا وجهة جذابة لشركات الطاقة متعددة الجنسيات، في وقت يشكو فيه عدد متزايد من الغيانيين من أن الوعود المرتبطة بالتحول إلى دولة نفطية غنية لا تنعكس فعليا على الفئات المهمشة، وسط مؤشرات على اتساع رقعة الفقر وتفاوت الدخل.
يُعد إقليم إيسكويبو، الواقع غرب نهر إيسكويبو، محور نزاع تاريخي بين فنزويلا وغويانا منذ أكثر من قرن. ويعود أصل الخلاف إلى التحكيم الدولي الصادر عام 1899، الذي رسم الحدود الحالية للإقليم، قبل أن يُعاد فتح الملف بموجب اتفاق جنيف عام 1966.
وتجدد النزاع بشكل حاد منذ عام 2015، بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط في المياه البحرية للإقليم، ما دفع فنزويلا إلى تجديد مطالبها، معتبرة أن استغلال الموارد هناك يتم في منطقة متنازع عليها.
واتخذ الخلاف أبعادا سياسية واقتصادية بعد إجراء فنزويلا استفتاء داخليا في ديسمبر/كانون الأول 2023، بالتوازي مع تمسك غويانا باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وفق شبكة "سي إن إن".
ويثير هذا النزاع قلقا دوليا متزايدا بسبب مخاطر التصعيد، في ظل غياب تسوية نهائية حتى الآن، واستمرار المساعي الدبلوماسية والقانونية لمعالجة أحد أكثر النزاعات الحدودية حساسية في أميركا الجنوبية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة