متابعة الحدث
فجر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، موجة جديدة من الجدل السياسي بتصريحات عكست رؤيته لما وصفه بالتناقض الصارخ في مواقف القادة العرب بين العلن والخفاء. وفي قراءة كاشفة لما يدور في الغرف المغلقة، اعتبر نتنياهو أن القضية الفلسطينية، التي تتصدر الخطابات الرسمية والمنابر الدولية للدول العربية، لم تعد في حقيقة الأمر تمثل الأولوية الاستراتيجية الأولى في لقاءاته المباشرة مع هؤلاء القادة، بل تحولت إلى ملف يُدار بحذر لتجنب الصدام مع الرأي العام الداخلي فقط.
وفي حديث مطول اتسم بالصراحة والمكاشفة السياسية، خلال مقابلة مع مجلة " الإيكونوميست " البريطانية، أشار نتنياهو إلى أن الفجوة بين ما يُقال أمام الشاشات وما يُبحث خلف الجدران الموصدة باتت أوسع من أي وقت مضى. ويرى رئيس حكومة الاحتلال أن القلق الحقيقي لدى عدد من القادة العرب ينصب على معادلة الاستقرار السياسي الداخلي في بلدانهم، وكيفية استيعاب الغضب الشعبي المرتبط بالصراع، بدلاً من التركيز على تفاصيل التسوية السياسية أو حقوق الفلسطينيين التاريخية. هذا "الانفصام السياسي"، كما يراه نتنياهو، هو الذي سمح بالانتقال من مرحلة الجمود إلى مرحلة التحولات الكبرى في خريطة التحالفات الإقليمية.
اتفاقيات أبراهام بوصفها تجاوزاً لمركزية الصراع
استرسل نتنياهو في ربط هذه الرؤية بالمسار الذي أفضى إلى توقيع "اتفاقيات أبراهام"، مؤكداً أن النجاح في اختراق جدار المقاطعة العربية لم يكن ممكناً لولا القناعة المتولدة لدى أطراف إقليمية فاعلة بإمكانية فصل المصالح الوطنية للدول عن مسار التسوية الفلسطينية المعقد. وبحسب تقديره، فإن دولاً مثل الإمارات والبحرين والمغرب والسودان لم تكن لتخطو هذه الخطوة لولا وجود إدراك عميق بأن "الفيتو" الفلسطيني على العلاقات العربية-الإسرائيلية لم يعد ملزماً كما كان في العقود الماضية.
وأشاد نتنياهو بالدور المحوري الذي لعبته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تلك الحقبة، معتبراً أن الدعم الأمريكي لم يكن مجرد وسيط، بل كان قوة دفع أساسية وفرت الضمانات السياسية والأمنية والمناخ المناسب لإقناع العواصم العربية بالمضي قدماً في مسار التطبيع. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن واشنطن وتل أبيب عملتا جنباً إلى جنب لاستثمار حالة الإرهاق السياسي من الملف الفلسطيني، وتحويلها إلى فرص للتعاون الأمني والاقتصادي الذي يتجاوز حدود الصراع التقليدي.
الجغرافيا والأمن في مواجهة الدولة المستقلة
وعند التطرق إلى جوهر الصراع المستقبلي، رسم نتنياهو حدوداً واضحة لأي تسوية محتملة، مشدداً على أن "السيادة الأمنية الإسرائيلية المطلقة" على كافة المناطق الواقعة غرب نهر الأردن هي شرط غير قابل للتفاوض أو النقاش. ومن منطلق رؤيته الأمنية الصارمة، يرى نتنياهو أن أي تراجع عن السيطرة العسكرية في الضفة الغربية يمثل تهديداً وجودياً للاحتلال، بغض النظر عن الضغوط الدولية أو المطالب الفلسطينية بإقامة دولة ذات سيادة.
ولتقريب وجهة نظره للمجتمع الدولي، استخدم نتنياهو استعارة جغرافية تقارن بين مساحة إسرائيل والضفة الغربية ومساحة "لندن الكبرى"، في محاولة لتوضيح ضيق الرقعة الجغرافية التي يتحرك فيها الصراع. ويرى أن هذه المساحة الصغيرة لا تحتمل وجود قوتين عسكريتين أو ترتيبات أمنية مشتركة، مما يجعله يتمسك بموقف يفرغ مفهوم "حل الدولتين" من محتواه السيادي، ويحوله إلى حكم ذاتي محدود تحت مظلة أمنية إسرائيلية كاملة، وهو الموقف الذي يؤكد نتنياهو أنه يلقى تفهماً صامتاً في بعض الدوائر العربية التي تفضل الاستقرار الأمني على المغامرات السياسية غير المضمونة.
إعادة صياغة الأولويات الإقليمية
تأتي هذه التصريحات لتؤكد إصرار نتنياهو على المضي في استراتيجية "السلام مقابل السلام" بدلاً من "الأرض مقابل السلام". فهو يرى أن المصالح المشتركة في مواجهة التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها النفوذ الإيراني، قد خلقت تحالفاً واقعياً يتجاوز التعاطف العاطفي مع القضية الفلسطينية. وبحسب قوله، فإن القادة العرب يدركون أن إسرائيل أصبحت شريكاً أمنياً وتكنولوجياً لا غنى عنه، وهو ما يجعلهم، بحسب روايته، يمارسون نوعاً من "الدبلوماسية المزدوجة" التي تهدف إلى الحفاظ على الهدوء الشعبي مع الاستمرار في بناء علاقات استراتيجية مع تل أبيب.
هذه المكاشفة التي قدمها نتنياهو لا تهدف فقط إلى تعزيز موقعه السياسي الداخلي، بل تسعى أيضاً إلى إحراج الأطراف العربية ودفعها نحو مزيد من الوضوح في علاقاتها مع الاحتلال، مستغلاً حالة السيولة السياسية في المنطقة. ومع بقاء الملف الفلسطيني في حالة من الانسداد، يراهن نتنياهو على أن الزمن والواقعية السياسية سيتكفلان بتقليص الفجوة بين الخطاب العلني والواقع السري، حتى تصبح القضية الفلسطينية مجرد ملف هامشي في أجندة إقليمية كبرى تقودها المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.
المصدر: الحدث/ صحافة عالمية
المصدر:
الحدث