آخر الأخبار

"ورق الكافور" لعبد الله العرفج.. بين رهان الذات والهجرة والانفتاح على الآخر

شارك

منذ صدور روايته الأولى «غرناطة لا تعرفني» وروايته الثانية «ريش أحمر»، مروراً بمجموعته القصصية «وجوه لا ترى الشمس»، استطاع الكاتب والروائي السعودي عبد الله العرفج أن يضع لنفسه ولتجربته قدماً ثابتة في أرض السرد باقتدار. وتأتي روايته الجديدة «ورق الكافور»، الصادرة حديثاً في بيروت عن دار نوفل – هاشيت أنطوان، لتقترح صيغاً جديدة لتقديم شخصياتها بتيمة وتقنيات أسلوبية تختلف عن نتاجاته السابقة.

السرد في الرواية يروي حكاية شاب من نجد عندما كانت لا تزال منطقة طرد يخرج منها الرجال نحو الشمال والغرب بحثاً عن الرزق وتحقيقاً للطموحات. وهي وفقاً لبيان صادر عن الدار "رواية الفقد والحنين، واختبار القيم الأصيلة في المغترَب"؛ هي إذن حكاية "سَيْل" الذي صمد في وجه العواصف والصعاب وعاد إلى موطنه منتصراً.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بين الخيمة وطابور الخبز.. كيف تحولت التفاصيل الصغيرة في غزة إلى أدب يحرس الذاكرة والكرامة
* list 2 of 2 "القتل بدوام كامل" تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول end of list

تطالعنا نبذة تصدرت الغلاف الأخير للرواية تكشف أبعاد هذه التيمة:

"إثر وباء الطاعون الذي اجتاح الجزيرة العربيّة، يرتحل تسعة رجال يحلمون بالثراء من بريدة برًّا إلى الكويت. من بين هؤلاء الرجال سَيْل، الذي ترك وراءه أهلًا وزوجة أحزنَهم رحيله. بعد تنقّله في عدّة أشغال، ينتهي الأمر بسَيْل غوّاصًا يجمع اللآلئ. وخلال رحلة بحريّة، تتحطّم إحدى السفن التي لم يكن من ركّابها، لكنّ مريدي السوء في بريدة يفتعلون خبر وفاته، فينشرونه على لسان المهابيل."

لا تنزع الرواية هنا إلى ما يسمى بـ "الرواية التاريخية" بالمعنى الكلاسيكي بقدر استعادة الماضي كفعل متقادم في الحاضر وذاكرة للأمكنة؛ فالماضي في الرواية سلسلة من الوقائع ميلُ السرد فيها وأسلوب الشخصيات يتجه نحو الرواية الثقافية التي تجعل التاريخ مادة لاختبار البنية العميقة للمجتمع. ناهيك عن أن الأحداث الكبرى تأتي كمفردات رئيسة في هذا العمل مثل: الوباء، والهجرة، والتحولات الاقتصادية، فلا تُقدَّم باعتبارها غاية للسرد بقدر ما تكشف عبره عن كيفية تشكل الوعي الجمعي، كما أن لغة السرد تعالج طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان والقيم.

إعلان

تشتغل رواية العرفج على حزمة من الدلالات التيمية المتداخلة والمشتبكة ببعضها لتنتج في مجموعها رؤية ثقافية وأنثروبولوجية متماسكة داخل الرواية على امتداد فصولها.

وبالنظر في دلالة الوباء كموضوع للسرد ولحظة كشف حضاري، نجد أن "الطاعون" يؤسس البنية السردية الأولى للرواية، ليتجاوز نفسه بصورة ما كحدث صحي وليرتقي كموضوع بذاته ليكون اختباراً أخلاقياً وثقافياً للمجتمع أو الأمة.

تتعرى البنى الاجتماعية في أزمنة الكارثة لتظهر في الوقت نفسه الحدود الفاصلة بين ثنائية التضامن والخوف، وبين المسؤولية الفردية وضغط المجتمع الجمعي.

مصدر الصورة الكاتب والروائي السعودي عبد الله العرفج (الصحافة السعودية)

وفيما يتحول الوباء كدال سردي ورمزي في «ورق الكافور» إلى أسلوبية كاشفة ومختبر جديد في السرد، فإن ذلك يزيح الغطاء عن طبيعة الثقافة المحلية أكثر مما يكشف طبيعة المرض نفسه. فلا يعود الاستفهام منحصراً في طبيعة سؤال: كيف انتشر الوباء؟ بقدر ما يبدو فعل السرد قوياً ومؤثراً في استتباع استفهامات على نحو: كيف أعادت الجماعة تعريف الحياة والموت والنجاة في ظله بصورة ما؟

وتعريجاً على مدلول الذاكرة الجمعية والسيرية للشخصيات، فالرواية من وجهة فنية تتأسس كبديل عن التاريخ الرسمي؛ إذ تكشف أن مجتمعات البداوة التقليدية تؤرخ حياتها بالأحداث المفصلية وحفظ السيرة والشفاهة لا بالتقويم الزمني لسياقاتها المعاشة.

في حين تستدرج الرواية أفقاً مختلفاً في استخدام الحكاية بتوظيفات شتى لعوامل سيرة الأوبئة، والفيضانات، والحروب، والمجاعات، وتتحول مقاربات كهذه إلى علامات زمنية ذات صلة بتحديث لغة وحكاية الذاكرة الشعبية، فتصير أساساً لتعريف الأجيال بذاتها وبما قد يكون غمض من تاريخ الحكاية أو السيرة ذاتها لدى الشخصية والمكان وألفة الذاكرة واشتباكها بأسئلة المعاش والهجرة أو المغترب إلى دول مجاورة كالكويت على سبيل التمثيل السردي وخيال السارد.

ولتوضيح معطى السرد باختزالية أدق، يمكن القول إن هذه الرواية تقترح تصورا ثقافياً للتاريخ؛ فالأخير لا ما تكتبه السلطة، إلا على نحو ما تحتفظ به ذاكرة الناس اليومية ومعيوشاتهم، مما يمنح الرؤية السردية بعداً أنثروبولوجياً يتجاوز مجرد الحنين إلى زمن مضى.

المكان السردي كمنتج للهوية

يؤدي المكان في الرواية وظيفة دالة تتجاوز الجغرافيا، ليتحول عنصر السرد جراءها إلى دال فاعل في تشكيل الشخصيات وتغلغلها في الحدث الروائي وانتقالاته وزمنه. فبريدة ليست مجرد مدينة، بل هي مجال عام للحركة لا سكونية فيه، وهي إلى ذلك تبدو كفضاء لإنتاج حزمة من قيم ودلالات سردية بعينها.

فيما تمثل الكويت فضاءً اقتصادياً وثقافياً مختلفاً ومحفزاً للهجرة ورفع مستوى المعيشة للشخصية، مما يفرض عليها إعادة تعريف نفسها وتموقعها ليغدو انتقالها المكاني ضمن ترس حياة مغايرة لبيئتها الأصلية داخل منظومة معانٍ ودلالات جديدة تكاد تغير من مفهوم الهجرة ذاتها لتندمج بمجتمع مديني يتفاعل مع الوافد بقيم اندماج وأخلاقيات مشتركة في سياق روائي مشبع بالأمل والحلم وطموحات النجاح، وسرعان ما تتغير علاقة الإنسان بالعمل، وبالأسرة، وبالدين، وبذاته أيضاً.

إعلان

يؤثث الكاتب السعودي عبد الله العرفج في هذه الرواية بنية السرد بجماليات خطاب استطاع من خلاله أن يجعل من الصحراء منطقة وسطى بين الثبات والحركة؛ فضاء عبور يعيد تشكيل الشخصية قبل وصولها إلى تصور العالم الجديد ورهاناته في العيش وتقاطعاته والتحولات الجديدة من حوله.

الهجرة وصناعة الذات

تعالج رواية العرفج الهجرة كمشروع وجودي لا محض انتقال اقتصادي فحسب أو احتياج إلى مكان ما أو نزوح بعينه نتيجة ظروف وأحوال قاسية قد تستدعيها الضرورة أحياناً.

ففي الرواية يحمل السفر وعداً بالأمل في عيش مزدهر، ليدل خيار الغربة على إرادة معتدة بنفسها تنشد الحياة بكرامة لمواجهة تحديات الزمن وتحولات مفهوم الغربة ذاتها والعزلة والأمكنة وإغراءات العالم الاستهلاكي أيضاً في عالم يضج بالمتناقضات.

وعند تتبع شخصية المهاجر في الرواية وأحواله، فإننا نجده معلقاً بين هويتين: هوية الموطن الأصلي الذي غادره، والمكان الذي لم يصبح بعد جزءاً منه. ومن هنا تبرز مفارقة السرد؛ حيث تنجح الرواية في تفكيك الصورة الرومانسية لمعنى الهجرة، كدلالة لا تفصح عنها الرواية كخلاص ولا كمأساة خالصة، بيد أنها تقدم سردية نشطة أشبه بعملية تفاوض مستمرة بين رهان الحفاظ على الذات وبين الانفتاح على الآخر!

"تلك قصّة طويلة. باختصار، سافرتُ لِطَلب الرزق، فغبتُ طويلًا، وحسبوني في عداد الأموات في كارثة إحدى السفن التي حدثتْ في الخليج العربي. فأشاعوا وفاتي، وسُجِّلتُ رسميًّا في الوفيّات. وعندما عدتُ محمّلًا بالهدايا، وجدتُهم يحتفلون بعرس زوجتي، فصُدِمتُ وأصبتُ بالذهول، وأعطيتُ هذا الرجل كلّ ما كان معي ورجعتُ… ويبدو أنّهم اتّهموه بسرقتها عندما رأوه يبيعها، وهو الذي لا يملك من حطام الدنيا شيئًا. ولذلك فإنّ وجوده في السجن غير مُبرّر، لأنّه لم يسرق. أنا مَن منحه تلك الأشياء."

في السياق ذاته من الانتقالات السردية للحدث، لا يُقدم الدِين في هذه الرواية باعتباره خطاباً وعظياً، إنما يبرز كمكون رئيس للوعي الاجتماعي، فيما تحفل الشخصيات بتفسير الواقع لتبني قراراتها من خلال مرجعياتها وقصدياتها وما تنشده من أواصر ثقافة ومعرفة وحرية. إن السرد من خلال مقاربة سمات من فصول الرواية وعناوينها يميز عادة ضمناً بين الإيمان الصادق والتأويلات الشعبوية. هذا التمييز منح ويمنح الرواية بعداً نقدياً هادئاً في جوانب عدة من جملها واستهلالاتها وعباراتها الزاهدة؛ فهي لا تصادم الثقافة الدينية، إلا أنها تكشف آليات تشكلها داخل المجتمع التقليدي، وتوضح كيف تتداخل مع الموروث الشعبي والعادات الاجتماعية والتقويلات المتوارثة داخل الثقافة.

الجسد والانضباط الاجتماعي

حينما نتمعن في شق آخر من رواية «ورق الكافور» كعنوان أو عتبة نصية ومتن سردي، فإننا نلامس مفتاحاً دلالياً بالغ الأهمية. فعنوانها لا يحيل في دلالته اللفظية كنبات طبي فحسب، إلا بما هو رمز للرغبة في ضبط الجسد وإخضاعه لمنظومة القيم الجمعية، حداً يتجاوز السرد مجرد المنحى الطبي إلى مساءلة العلاقة بين الجسد والثقافة أو محايثة المجال النباتي للطبيعة.

إن استعمال الكافور لهو محاولة لترويض الرغبة لا إلغائها، ولذلك يغدو رمزاً للصراع الدائم بين الطبيعة الإنسانية ومناحي ومستويات الضبط الاجتماعي، كما بين الحرية الفردية ومتطلبات المجتمع حد الالتباس. وبهذا المستوى من الترميز في علاقة السرد واللغة بالمروي، ينتقل الخطاب السردي من الواقعي إلى الرمزي دون افتعال أو ارتباك مضمون السرد وحركة الشخصية داخل حيزات الزمن الروائي بأبعاده المختلفة.

المرأة وفضاء السرد

"بعد الكويت، يحطّ سَيْل الرحال في الهند، فـ «الهند هندك إذا قلّ ما عندك». وفعلاً يرتقي هناك في التجارة ويصبح ثريّاً، لكنّ طيف زوجته العنود لا يبارح مخيّلتها."

إعلان

من هذا الاجتزاء، يبدو الفضاء السردي في نطاق المكان وتوزيع الشخصيات محكوماً بحركة الذكورة، وهذا منحى سردي يثير غبار التشابهات وانسلاخ المواضيع من بعضها. وبالرغم من ذلك، فالمرأة تؤدي وظيفة مركزية في حفظ استمرارية المجتمع؛ فهي مصدر الحنان، وحافظة الذاكرة، والوسيط الذي تنتقل عبره القيم بين الأجيال.

هذا غير أن حضورها يفصح عن حاجة البعد الإنساني للشخصيات الذكورية؛ فكلما اشتدت قسوة الواقع، استعادت الرواية صورة الأم أو الزوجة أو الحبيبة بوصفها نقطة الاتزان العاطفي، ولو في حدود الدائرة الأضعف لمجتمعاتنا العربية التي تمثل المرأة والطفل الحلقة الأضعف فيها! وإذا كان في الرواية ما قد يجعل المرأة مجرد رمز، إلا أن خبايا السرد الروائي وتغلغله في «ورق الكافور» يمنحها قدرة على التأثير في مسار الأحداث، وإن اقتصر ذلك ضمن حدود ونظرة المجتمع.

ولعل أبرز ما يميز رواية «ورق الكافور» أنها لا تقع في التنمط بين ثنائية التمجيد أو الإدانة، كونها تنزع كعمل سردي إلى تحليل مجتمع السرد من منظور الاجتماعي، وهي إلى ذلك لا تصور الماضي كزمن مثالي ولا الحداثة كخلاص نهائي في تقاطعه مع الموروث أو بنية الوعي السائد.

تؤكد الرواية أن كل تحول تاريخي يحمل مكاسب وخسائر في آن؛ فمجتمع القرية بقدر ما يمنح الانتماء كهوية ثقافية لا نجده أحياناً يضيق بالفرص، وفيما يمنح السفر الرزق إلا أنه قد يهدد الاستقرار النفسي والهوية ذاتها بإتلافاتها وتقاطعاتها المختلفة، لتنشأ فلسفة الرواية القائمة على التوازن لا على الأحكام المطلقة.

وبإزاء ذلك، يغدو الإنسان كمحور داخل السرد وبنياته وزمنه، رغم كثافة الأحداث التاريخية، ليظل مركزاً حقيقياً حاضراً داخل حركة السرد ومتونه وهوامشه.

بالمقابل، توجد مفردات أساسية تبرز كمتكآت ساندة لامتداد حركة السرد، كالطاعون، والهجرة، والحرب، والعمل، وهي تمثل غايات لاختبار مدى قدرة الإنسان في الحفاظ على كرامته وقيمه في ظل معمعان عالم متغير.

وبإزاء ذلك، فالسرد لا يبلغ ذروة ما بالخصوص حينما لا يهيمن الحدث على الشخصية، إلا بقدر نجاح الشخصية في تحويل الحدث ذاته إلى تجربة وجودية عميقة الرؤى بما يستتبعه ذلك من معالجة درامية لطبيعة الطرح السردي وما يشيعه من الأسئلة.

ومن استنتاج أبعاد السرد بدلالاته المختلفة وشخصياته وأسئلتها، فإن «ورق الكافور» الصادرة مؤخراً في بيروت عن دار هاشيت أنطوان تحفل بتقديم سردية ثقافية تتجاوز مجرد إعادة تمثيل الماضي إلى مساءلة آليات تشكل المجتمع الخليجي في مرحلة مفصلية من تاريخه، لتتأسس بنيتها وتتماس بتيمات كبرى وثنائيات ومرموزات أحداث وسمات منها: الوباء، والذاكرة، والهجرة، والمكان، والدين، والجسد، والمرأة، والتحول التاريخي. كل هذه وتلك العناصر تتفاعل داخل بنية متواشجة وسرد ملموم تحفه رؤية متعددة ترى عميقاً إلى أن الثقافة ليست منظومة جامدة، بقدر ما تكون جديرة ككيان حي يعيد إنتاج نفسه في وجه العوامل أو الأزمات الراهنية.

وكخلاصة لما سبق، فإن رواية «ورق الكافور» لا تقدم التاريخ باعتباره ذاكرة للأحداث، غير أن قدرة الروائي وخبراته في الكتابة تبرز بصورة جلية لتحيل إلى معرفة عميقة بأساليب القص وتضفير الحكاية بحزمة تجارب وتجسيدات ولغة وأسلوب تعكس في مجملها خبرة إنسانية تتمثل في أصالة التجربة وعلاقة اللغة بمحمولاتها واتساقها وتأثير الثقافة والعادات، والقراءات المتعددة والطقوس، والذاكرة. كما يمتاز أسلوب العرفج بالسهولة الممتنعة وبالرشيق من الجمل السردية التي تفصح بسلاسة عن أدق التفاصيل اليومية الصغيرة لتصنع هوية مجتمع الرواية ومخياله السردي.

وبذلك تغدو «ورق الكافور» رواية عن تحول الإنسان قبل تحول المكان، وعن إعادة تشكيل الوعي قبل إعادة تشكيل التاريخ، مما يمنحها عمقاً وأثراً وقيمة سردية وثقافية تتجاوز حدود السرد الواقعي إلى أفق الرواية الفكرية ذات الحس الأنثروبولوجي والذكاء المبدع الذي يمتاز به كاتب الرواية، كما مثلت أعماله السابقة وثقافته الأكاديمية اتساعاً معرفياً ومصهراً جعل من أعماله وتجربته الأجناسية والبحثية المتنوعة ركائز قوية لكتابة متمهلة تنشد التجدد والتأمل الحكيم وازن الحضور والإبداع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار