قرار تاريخي في كولونيا: كاتدرائية كولونيا الشهيرة تفرض لأول مرة رسوم دخول إلى الكاتدرائية في ألمانيا . مجلس الكاتدرائية يبرر هذه الخطوة بارتفاع تكاليف صيانة الكنيسة وتشغيلها. الرسوم ستًفرض على السياح، أما الزوار الذين يأتون للصلاة، فسيظلون يتمتعون بالدخول المجاني إلى منطقة محددة من الكاتدرائية عبر مدخل منفصل.
إعلان فرض رسوم دخول الكاتدرائية على السياح، يأتي في سياق ارتفاع الأسعار بشكل عام في ألمانيا، فالتكاليف آخذة في الارتفاع والتمويل العام يتناقص. وفي وُجهات وأماكن عديدة، مثل المتاحف أو حمامات السباحة، أرتفعت تكاليف الزيارة بشكل ملحوظ. لكن وعلى الرغم من ذلك، أثار فرض رسوم الدخول إلى الكاتدرائية في كولونيا جدلاً واسعاً. فمدير الإعلام في صحيفة "كولنر شتات-أنزيغر"، أوليفر إيكيرت، انتقد هذه الخطوة، وكتب في مطلع يونيو: "لا رسوم دخول لزيارة الوطن"، وأضاف أن كولونيا تفقد الآن مكاناً كان دائماً ملكاً للجميع، حسب تعبيره.
المدير التنفيذي للمجلس الثقافي الألماني، أولاتس تسيمرمان، قال لـ دويتشه فيله (DW) إن فرض رسوم دخول في المستقبل لزيارة أهم كنيسة في ألمانيا يُعد "خطأً فادحاً من نواحٍ عديدة". وأضاف أن "الكاتدرائية كنيسة، وليست متحفاً".
كاتدرائية كولونيا تفرض رسوم دخول على السياحصورة من: manfredxy/Zoonar/picture allianceكاتدرائية كولونيا أكثر بكثير من مجرد كنيسة. قبل 780 عاماً تقريباً، بدأ أسقف كاثوليكي في بنائها. وبعد 630 عاماً، تولى ملك بروسي بروتستانتي مهمة إكمال بنائها. والقيصر الألماني، وهو بروتستانتي أيضاً، احتفل بالكاتدرائية بعد اكتمال بنائها عام 1880، باعتبارها رمزاً لوحدة الإمبراطورية الألمانية.
فكاتدرائية كولونيا ليست مجرد دار عبادة. وباعتبارها واحدة من أهم الكاتدرائيات القوطية في العالم، فهي ليست مجرد تراث ثقافي. بالنسبة لروح كولونيا، تُعبر الكاتدرائية عن مفهوم وطني، وهي نقطة مرجعية تُذكر في الأغاني وتُستحضر في الذكريات، ويشتاق المرء إليها في الغربة. ليس هناك مبنى كنسي آخر في ألمانيا يحظى بمثل هذا الحب والارتباط الوثيق.
عندما توفي فيلي ميلوفيتش (1909-1999) في القرن الماضي، وهو أحد أبرز الشخصيات الأصلية في كولونيا والممثل الشعبي والمشارك في احتفالات الكرنفال، تم عرض جثمانه وإلقاء النظرة الأخيرة عليه في كاتدرائية كولونيا في جنازة مهيبة. وبالتالي، أصبحت الكاتدرائية "ممراً رمزياً إلى سماء كولونيا".
فولكي يُعدّ من بين رؤساء الأساقفة الأقوى مالياً على مستوى العالمصورة من: Christoph Hardt/Panama Pictures/IMAGOغالباً ما يُقال إن هذه الكاتدرائية "تنتمي إلى نفسها". رئيس أساقفة كولونيا ، وهو حالياً الكاردينال راينر ماريا فولكي، هو بالتأكيد شخصية مهمة على الصعيد الكنسي. وبالنظر إلى حجم أبرشيته وممتلكاتها، فإنه يُعدّ من بين رؤساء الأساقفة الأقوى مالياً على مستوى العالم. لكنه، ورغم ذلك، لا يملك أي صلة قانونية بكاتدرائية كولونيا التي يقيم فيها قداساً بين الحين والآخر. وبالتالي، لا يحق له المطالبة بملكيتها، كما أنه غير مُلزم بتحمّل أي تكاليف.
لكن هناك ضائقة مالية شديدة بالنسبة لمن يتولون العناية بالكاتدرائية. عند الإعلان عن فرض رسوم دخول الكاتدرائية، أشار رئيس الكاتدرائية غويدو أسمان إلى الوضع المالي، موضحاً أن تكلفة صيانة الكاتدرائية تبلغ 16 مليون يورو سنوياً.
وتُساهم في تمويل صيانة الكاتدرائية كل من أبرشية الكاتدرائية والجمعية المركزية لبناء الكاتدرائية وولاية شمال الراين- ويستفاليا ، إضافة إلى مدينة كولونيا. لكن في ظل ارتفاع الأجور وتكاليف المواد والطاقة، أصبح هناك الآن عجز مالي سنوي يبلغ أربعة ملايين يورو. ويقول أسمان إن الكاتدرائية مُلزمة بدفع أجور معقولة للأشخاص الذين يعملون فيها.
لذلك، جاء قرار فرض رسوم على دخول الكاتدرائية. لكن هناك استثناءات بالطبع، بالنسبة لزُوار القداس والمصلين. كما هناك ترتيبات خاصة لفئات معينة، مثل الأطفال والطلاب وذوي الإعاقة. وفي غضون ذلك، سجّلت "جمعية بناء الكاتدرائية المركزية" ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الأعضاء منذ الكشف عن أن العضوية تعفي من دفع رسوم الدخول.
كاتدرائية كولونيا تفرض رسوم دخول على السياحصورة من: manfredxy/Zoonar/picture allianceلكن كاتدرائية كولونيا ليست أول كنيسة في ألمانيا تفرض رسوم دخول. وفي الحقيقة، نادراً ما يحدث ذلك عند الكنيسة الكاثوليكية التي تشدد على أن الكنائس هي دائماً أماكن للصلاة والتأمل وحضور القداديس. خلافاً لذلك، تفرض الكنائس البروتستانتية رسوم دخول بوتيرة أكبر، كما هو حال كاتدرائية برلين التي شيدها في القرن التاسع عشر نفس المهندس المعماري الذي شيّد كاتدرائية كولونيا، وكاتدرائية ناومبورغ وغيرها من الكنائس.
في بلدان أخرى غير ألمانيا، يُطلب من الزوار في كثير من الأحيان دفع رسوم دخول، سواء كان ذلك في كنيسة "زاغرادا فاميليا" الشهيرة في مدينة برشلونة الإسبانية أو كاتدرائية "وستمنستر" في لندن أو كنيسة "فراومونستر" في زيورخ أو "كاتدرائية القديس ستيفان" في فيينا.
في الجدل الدائر حالياً، غالباً ما يُشار إلى كاتدرائية برلين التي تفرض رسوم دخول بمقدار 15 يورو. لكن تسيمرمان، المدير التنفيذي لمجلس الثقافة الألماني، يقول في هذا الصدد إنه لا ينبغي للكنيسة الكاثوليكية أن تحذو حذو البروتستانت في كاتدرائية برلين لمجرد أنهم قدموا مثالاً سيئاً، حسب تعبيره. وأشار تسيمرمان إلى أن كولونيا تُعتبر واحدة من أغنى الأبرشيات في العالم.
تسيمرمان أشار كذلك إلى الأهمية الاجتماعية للأماكن العامة التي تظل مفتوحة للجميع مجاناً وبدون دفع رسوم دخول. فالكنيسة يجب أن تكون مكاناً عاماً ومفتوحاً للجميع. وهذا لا ينطبق فقط على أوقات الصلاة. تسيمرمان يؤكد أيضاً تساؤل لطالما ظل يتردد بين الحين والآخر خلال الأسابيع الماضية، وهو: "من يأتي للصلاة ومن يأتي للتأمل ومن يأتي بدافع الحزن، ومن يأتي كسائح؟".
رئيس المجلس الثقافي الألماني، تسيمرمان، يصف القرار الأخير الذي اتخذته إدارة الكاتدرائية بأنه "كارثة". وهو يشدد على أن الكاتدرائية تُعد تراثاً ثقافياً عاماً، وبالتالي كان ينبغي لأبرشية كولونيا وبلدية كولونيا أن يتوصلا معاً إلى حل آخر، حسب رأيه.
لكن كولونيا ، كما هو حال العديد من المدن الألمانية، تعاني من ضائقة مالية مزمنة وديون باهظة. ومطالبات المواطنين بتقديم دعم أكبر للكاتدرائية لم تلق أي استجابة. وهكذا، أصبح الدخول إلى هذا المعلم البارز للمدينة الآن خاضعاً لرسوم دخول. فمن يرغب في زيارة كاتدرائية كولونيا، عليه مستقبلاً أن يدفع إثني عشر يورو.
أعده للعربية: علاء الدين عبدالقادر (ع.ج.م)
المصدر:
DW