قال الشاعر الفلسطيني زهير أبو شايب في حفل تسليم جائزة الأركانة العالمية للشعر، إنه يشعر بالاعتزاز والفخر بهذا التتويج إلى جانب أصدقائه الشعراء: غسان زقطان، طاهر رياض ويوسف عبد العزيز، "الذين تعلم منهم ومعهم ما هو الشعر وكيف ينبغي أن يكتبه الفلسطيني دون أن يتنازل للجرح عن الجمال، ودون أن يتنازل للجمال عن الجرح، أصدقائي الذين حرصت بهم قصيدتي ومعناي"، خاصة أن هذه الجائزة ربطت بينهم واسم فلسطين والمغرب المقدسين، معتبرا أن جائزة الأركانة
"ليست مجرد جائزة للشعر، إنها بوصلة لإعادة النظر في اتجاهات الشعر الحديث، وتذكرة للشعراء كي لا ينسوا أن فلسطين هي سؤال جمالي بالضرورة متصل تماما مع الشعر".
وفي الحفل الذي احتضنه متحف محمد السادس بالرباط مساء أمس (25 أبريل/نيسان)، تسلم الشاعر طاهر رياض جائزته مشيرا إلى أهمية الحدث بالقول: "في زمن تتسيد فيه قوى الظلام والعنجهية، وتقرع طبول الحرب وتُباد الشعوب، يصر المغرب عبر هذه الجائزة على الاحتفاء بمغامري الشعر الذين ينفخون على العتمة لاستعادة معنى الإنسان".
وتساءل الشاعر طاهر رياض في هذا الحفل الذي غاب عنه الشاعر غسان زقطان بسبب الوعكة الصحية التي ألمت به، هل ما زال الشعر ضروريا؟ وهل ما زال الشعر ممكنا؟ وهي الأسئلة التي سبق أن طرحها الشاعر الكبير محمود درويش، الحاضر الغائب في حفل هذه الجائزة التي سبق أن تُوِّج بها في حياته عام 2008.
أجاب رياض بأن الشعر ضروري لأن الشعر والفنون جميعها "حاجة لا تكتمل أرواحنا إلا بتلبيتها، والشعر ممكن لا لكونه براعة في القول فحسب، بل لأنه التأمل الأسمى الحائر في الحياة والوجود، واختبار لقدرة الفن على استيعاب الخفي في كليهما".
وأوضح أن المتوجين بهذه الجائزة لا يمثلون كل أطياف الشعرية الفلسطينية، فهناك العديد من الشعراء الفلسطينيين من يستحقون الالتفات إلى منجزاتهم التي تحمل ملامح تجاربهم الفنية والأسلوبية، والتي تمتد وتتواصل عربيا وعالميا لتؤكد أن هذا الشعب رغم معاناته الطويلة في وطنه ومنافيه عصي على النكران أو النسيان.
واقتبس فقرات من أقوال الشاعر محمود درويش التي يقول فيها بأن " الفلسطيني ليس مهنة أو شعارا، إنه في المقام الأول كائن بشري يحب الحياة وينخطف بزهرة اللوز ويشعر بالقشعريرة من المطر الخفيف الأول، يمارس الحب تلبية لشهوة الجسد الطبيعية لا لنداء آخر. إن استيعاب الشعر لقوة الحياة البديهية فينا هو فعل مقاومة، نقاوم بها البشاعة بالجمال".
" الفلسطيني ليس مهنة أو شعارا، إنه في المقام الأول كائن بشري يحب الحياة وينخطف بزهرة اللوز ويشعر بالقشعريرة من المطر الخفيف الأول" محمود درويش
أما الشاعر يوسف عبد العزيز، فقد استعاد تجربته الشعرية وتحدث عن أول مرة كتب فيها الشعر عام 1970، وعن أول بيت شعري كتبه عن بيته في القدس، حيث كان يحاول من خلال الشعر استعادة ملامح ذلك البيت، فكانت قصائده الأولى تعج بالطبيعة الفلسطينية الخلابة في غرب القدس المعروفة بتشكيلها الخرافي، وبعدها انبهر بقصيدة المقاومة التي فجرها شعراء على رأسهم محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، فاستلهم في قصائده روح المقاومة.
وبعد عام 1982 انتبه إلى تطوير بنية القصيدة التي يكتبها، فاتجه إلى كتابة "القصيدة المشهدية" معتمدا على المرجعيات البصرية من سينما ومسرح وفن تشكيلي، سيرا على نهج الشاعر محمود درويش الذي كان يقول "كل قصيدة جميلة نكتبها هي قصيدة مقاومة".
وألقى مجموعة من القصائد التي يمزج فيها بين المشهدية والسريالية الخاصة، من ضمنها قصيدة "ضحك أسود" التي تتناول لوحة للفنان الإسباني سلفادور دالي، وهي عبارة عن جسد امرأة بأدراج، يقول فيها:
" فتحتُ الجارورَ الأوَّل/ فطارتْ منهُ/ سحابةٌ هائلةٌ من الفراش/ وملأتِ الغرفة/ من الجارورِ الثّاني/ قفزتْ أرانبُ بيضاء/…. في الجارور قبل الأخير/ كان ثمّة قوارير مملوءةٌ بالدَّم/ وفرشاةٌ/ وقميصٌ ترشحُ منهُ النارُ/ والظِّلال/ فتحتُ الجارورَ الأخير/ وأطلقتُ صرخةً مدوِّية/".
وعن خصوصية جائزة هذه الدورة من جائزة الأركانة العالمية للشعر، المنظمة هذه السنة بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل وشراكة "وكالة بيت مال القدس الشريف"، قالت الشاعرة المغربية وفاء العمراني، رئيسة لجنة تحكيم الدورة 18 من جائزة الأركانة العالمية للشعر في تصريح للجزيرة نت، إن اللجنة نظرت هذه السنة في عدة ترشيحات شعرية، ولكنها بحثت عن شيء استثنائي في الأقاصي الجغرافية يوازي تفرد هذه الجائزة المغربية، فخرجت في هذه الدورة من نمطية تتويج شاعر واحد، فوقع اختيارها على شعرية وليس على شاعر، ومن ثَمّ جاء قرار "الاحتفاء بالشعرية الفلسطينية التي فرضت نفسها بتنوعها وتميزها".
وقد تكونت لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر التي ترأست دورتها 18 هذا العام الشاعرة وفاء العمراني من الأعضاء: الأكاديمي عبد الرحمن طنكول، والفنان التشكيلي أحمد جاريد، والأكاديمي جمال الدين بنحيون، والشاعر والمترجم نور الدين الزويتني، والشاعر حسن نجمي، الأمين العام لهذه الجائزة.
ومن جهته قال الشاعر مراد القادري رئيس "بيت الشعر في المغرب"، إن جائزة الأركانة العالمية للشعر تبصم بتتويجها للشعرية الفلسطينية في دورتها 18 عن ولادة جديدة لها، وتكشف عن "تحول عميق في مسارها، حيث لا يمكن النظر إليه كتفصيل تنظيمي أو إجراء استثنائي عابر، بل هو انعطافة دالة في فلسفة هذه الجائزة ومعاييرها الجمالية والثقافية".
وأضاف القادري أن منح الجائزة لأربعة شعراء فلسطينيين يكشف عن "رؤية جديدة تقوض التصور الأحادي للجائزة، مستبدلة إياه بتصور جديد يقوم على التعدد الخلاق ويحتفي بتجاور الأصوات وتنوع المرجعيات والحساسيات الفنية والجمالية داخل الشعرية الفلسطينية ذاتها، وهو ما يعمق الكثافة الرمزية والقيمة الاعتبارية لجائزة الأركانة العالمية".
وأوضح القادري أن التميز الذي تحقق للشعر الفلسطيني ليس مرده ارتباطه بقضية وجودية تمس الإنسان والأرض والهوية والذاكرة فحسب، بل لأن شعراءه استطاعوا على مر السنوات أن يرتفعوا بقضيتهم عبر الشعر إلى سماوات الاستعارة وفراديس الحلم، مانحين لكل من له قضية الحق في الوجود والإبداع ضدا على مكر التاريخ وزيف الجغرافيا.
هكذا لم تعد فلسطين "موضوعا سياسيا" بقدر ما صارت قضية ثقافية وشعرية، ورمزا يسكن الحرف والأصوات الداعية إلى الحق والحرية والعدالة عبر العالم. ولا غرابة في ذلك، كما قال:
"فالدروس دوما تأتينا من فلسطين، ووحدها العبقرية الفلسطينية من يمكن أن تفرض علينا تغيير بوصلة الأشياء وتوضيبها وفق منطق جديد، مغاير ومختلف".
توجت جائزة الأركانة العالمية للشعر قامات شعرية عالمية وعربية عبر دوراتها، في طليعتهم: الشاعر الصيني بيي ضاو، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر اللبناني وديع سعادة، والشاعر الإيطالي غوسيبي كونتي، والشاعر البحريني قاسم حداد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة