على غرار قدسية شهر رمضان وتميز عاداته، يكتسب الحضور القرآني في ليبيا مكانة رفيعة، فيتردد صدى التلاوات القرآنية في المساجد والبيوت والباحات، وهنا يبرز صوت الشيخ المقرئ والواعظ والخطيب محمود دهيميش أيقونة دينية لا يغفل أثرها وتأثيرها.
نستعرض هنا نشأة ومسار الشيخ المقرئ محمود دهيميش، ونقف على التحولات التي جعلت من صوته رمزا ومنارة للعلم، وكيف صار صوته "دلة صوتية" تنبئ بحلول رمضان.
ولد محمود دهيميش في زنقة عقيرب في مدينة بنغازي، التي كانت قرية صغيرة آنذاك عام 1911، ضمن أسرة بسيطة مكونة من والده ووالدته السيدة مجالي وأخته فاطمة وشقيقه حسن.
وبحسب حديث المؤرخ الليبي والكاتب سالم الكبتي للجزيرة نت، كانت تلك الأيام تحتفظ ببقايا من أعوام المجاعة وندرة الأمطار والأوبئة، وذلك بعد دخول الحكم التركي طوره الأخير ومن ثم غزو إيطاليا لشاطئ جليانة ببوارجها وبحارتها واحتلالها للمدينة بعد أيام من القتال الضاري.
في تلك الفترة شكلت الزوايا القرآنية في المساجد منارات ثقافية وعلمية يلتقي فيها حفظة القرآن الكريم، يتلون آياته ويدرسون أحكامه ويعلمونه للصغار الذين أصبح محمود بن محمد المبروك دهيميش واحدا منهم.
نشأ دهيميش في رحاب جامع الوحيشي وسط المدينة، إذ بدأ حفظ القرآن منذ عمر الرابعة -أي سنة 1915- في أوج الحرب العالمية الأولى، وتعلم دهيميش القرآن في ظل ظروف الفقر والجوع والمرض والاحتلال، وكان يتعلم الآيات بالكتابة على اللوح بقلم القصب، بحسب المؤرخ الكبتي.
وكانت بنغازي آنذاك تضيق بسعتها من كثرة فقهاء حفظة القرآن الكريم، إذ وصل عددهم عام 1920 إلى 58 فقيها من ضمنهم الشيخ عبد النبي الترهوني الذي حفظ دهيميش القرآن الكريم على يديه عام 1921 وكان عمره آنذاك 10 سنوات.
وبعد فترة غدا دهيميش مجودا ومرتلا، ثم تعرف على القارئ المصري الشيخ محمد رفعت فتأثر به، ومن ثم شجعه الأمير إدريس قبيل استقلال ليبيا وابتعثه ليواصل دراسة التجويد بالأزهر وحصل على إجازته عام 1952.
سعي الشيخ لكسب قوت يومه وأسرته دفعه لامتهان حرفة الطلاء ومنها تحول إلى التعليم إذ التحق بالتدريس لتعليم التربية الدينية في مدرسة الأمير الأولية خلال أربعينيات القرن الماضي، ثم عمل مفتشا للتغذية المدرسية في بنغازي ثم مديرا لها حتى عام 1970، وكان قد تطوع أيام الحرب العالمية الثانية لتعليم أبناء بعض الأسر التي جلت من بنغازي في سواني عصمان وما حولها من الضواحي، وفق الكبتي.
وأذن القدر بمحطة فاصلة أخرى في حياة الشيخ دهيميش وهي الإذاعة، ليكون بذلك أول قارئ للقرآن على الهواء، وكان أيضا من بناة الإذاعة المحلية ومؤسسيها مع بداياتها في عام 1950 أو قبلها بقليل.
يصف المؤرخ الكبتي صوت الشيخ دهيميش بالرخيم والجميل فهو يرتل آيات الله على سامعيه بخشوع، ويرى الكبتي أن التجويد "فن وإبداع" وهنا ترنم دهيميش صاحب الموهبة بالفطرة، وفق تعبيره.
وبالعودة لمحطة الإذاعة، ارتبط مستمعو مدينة بنغازي وليبيا بتلاوات دهيميش التي بثت عبر الأثير، ليغدو صوته رمزا يستقر في الوجدان لا يبرحه النسيان، فمن يتتبع مساره القرآني يتبين له أن تلاوته نسجت لنفسها -بفرادة- مكانا ثابتا في المشهد القرآني الليبي.
كما اقترن صوته بشهر رمضان المبارك، وغدت تلاوته مسموعة يتردد صداها في البيوت أثناء الإفطار وخشوع التراويح، لتصبح اليوم بصمة صوتية لا تخطئها الأسماع تعلن قدوم الشهر الكريم قبل أن تعلنه التقاويم.
وما إن يحل رمضان حتى تسمع تلاواته بدءا من سحور أول يوم وحتى إفطار آخر يوم، حيث تبث تلاوته في حلقات الإفطار والسحور وفي صلاة التراويح، ليصبح جزءا لا يتجزأ من العادات الرمضانية اليومية في ليبيا.
بعد سنوات عين دهيميش مقرئا بالديوان الملكي الليبي قبل أن يكلف بتأسيس مدرسة لتدريس علوم القرآن الكريم في مدينة طبرق شرق ليبيا، وأسهم في تكوين جيل من المثقفين والعلماء من أبرزهم منصور محمد الكيخيا وحسن عريبي والصادق النيهوم وغيرهم الكثير.
وامتد صيت دهيميش بين أوساط العلماء والمثقفين وكبار المشايخ في مصر وعموم المغرب العربي، وكان لصوته وتلاوته وقع بالغ على من حوله حيث شكلت زيارته والاستماع إلى مواعظه وتلاوته من أبرز معالم المشهد الثقافي في ليبيا.
عاش الشيخ المقرئ محمود دهيميش قرابة 9 عقود أخذ فيها على عاتقه رسالة العلم والدعوة، فصار صوته علامة فارقة في المشهد الديني الليبي، وترك وراءه إرثا علميا وصوتيا جمع بين التلاوة والإنشاد والصرامة والرصانة البلاغية، ورحل في 27 مارس/آذار 2009 عن عمر يناهز 98 عاما، وبات صوته مرجعا للتلاوة والإحاطة الدينية ومواعظه دروسا للإرشاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة