للدكتور أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية، والحائز حديثا على جائزة النيل -أرفع تكريم مصري في مجالات الثقافة والفنون-، تاريخ طويل في الإدارة الأكاديمية، والبحث العلمي، والمشاركة المجتمعية.
أشتهر الدكتور "زايد" بإسهاماته البارزة في مجال الترجمة العلمية، إذ ترجم وأشرف على ترجمة عشرات الكتب والموسوعات، فضلا عن إنتاجه العلمي الغزير الذي يضم أكثر من 200 عنوان بين مؤلفات وأبحاث ومقالات، منها: "تناقضات الحداثة في مصر" و"البناء السياسي في الريف المصري" وأحدثها كتاب "سؤال الأخلاق في مشروع الحداثة".
وقد تولى مناصب رفيعة، منها عمادة كلية الآداب بجامعة القاهرة، والتمثيل الثقافي لمصر بالرياض ، ورئاسة عدد من اللجان والمجالس الوطنية والدولية المعنية بالشأن الثقافي والتعليمي، كما أسهم في تأسيس وإدارة مراكز بحثية مرموقة، وشارك في صياغة السياسات العلمية والتعليمية بعدد من الجامعات والهيئات.
كما حصل على العديد من الجوائز، على رأسها جائزة الدولة للتفوق العلمي في العلوم الاجتماعية عام 2004، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2007، وجائزة جامعة القاهرة للتميز العلمي، وجائزة العويس الثقافية.
وفي حوار مع الجزيرة نت، يرى عالم الاجتماع الدكتور أحمد زايد أن الحضارة المعاصرة تعيش مفارقة صارخة، إذ تتسارع خطواتها الاقتصادية والتكنولوجية بينما تتراجع أخلاقيا، في ظل ما يسميه "الحداثة الهجينة" التي تخلط القيم وتربك الوعي.
ويشير مدير مكتبة الإسكندرية إلي أن" العلوم الاجتماعية ومخرجاتها لا تلقى الاهتمام الكافي في المجتمعات العربية رغم أهميتها في تشكيل وعي ومدارك المجتمعات" مما يتطلب إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها علم الاجتماع من حيث المفاهيم والمنهجيات لا سيما في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي .
ويؤكد "زايد" أن الأزمات تجعل الثقافة أكثر إلحاحا لا أقل، مستعرضا خطط المكتبة لترسيخ قيم المعرفة والانفتاح على الأجيال الجديدة، ومشروعاتها التوسعية، ودورها كجسر للتواصل الحضاري بين مصر والعالم، في وقت يسعى فيه لتعزيز حضور العلوم الاجتماعية في صنع القرار العربي.
وأشار إلى أن المكتبة صرح حضاري وثقافي يقدم للعالم ولعشاق المعرفة التاريخ والفكر في شكل أفكار وفنون متنوعة وفي قوالب تتناسب مع تطورات العصر مما يزيد من مساحة التقارب بين الثقافات والحضارات.
للأسف، تحتل العلوم الاجتماعية ومخرجاتها في العالم العربي مرتبة متأخرة في سلم الأولويات، بينما تظل العلوم الطبيعية الأكثر حضورا في السياسات العامة وفي التعاطي مع التفاعلات المعقدة داخل المجتمعات.
وقد كان هذا الوضع واضحا لعقود بصورة لا تتناسب مع أهمية هذه العلوم، وهو ما بدأ يتغير في السنوات الأخيرة من خلال الاعتماد على مراكز الفكر والمؤسسات المتخصصة في إجراء البحوث وتقديم التحليلات حول القضايا المجتمعية كأداة داعمة لصانع القرار.
ورغم ذلك، يعتبر بعض المتخصصين في العلوم الاجتماعية أن هذه المراكز قليلة، أو أن مخرجاتها لا تلقى الاهتمام الكافي، لكننا نرى أن هذه مجرد بدايات، ولدينا أمل كبير في أن تتطور التجربة مستقبلا.
ففي مصر مثلا، يوجد منذ ستينيات القرن الماضي مركز لدعم اتخاذ القرار، يعد التقارير ويرفعها إلى الوزارات المعنية. كما تم إنشاء مراكز فكر في دول عربية أخرى مثل الإمارات وقطر والأردن ودول شمال أفريقيا ، بعضها حكومي وبعضها خاص، تسهم في تحليل المشكلات الاجتماعية وكيفية تأثيرها على الأفراد والمنظمات.
مع التطور والتحولات السريعة في بنية المجتمعات، لم تعد المفاهيم التقليدية حول كثير من المعاني والقيم الاجتماعية كافية لتفسير الواقع، لذلك كان من الطبيعي أن تتطور أدوات البحث العلمي والمنهجي التي يستخدمها الباحثون في العلوم الاجتماعية.
وجعلت التكنولوجيا الحديثة هذا التطور أسرع وأعمق، وظهرت برامج متقدمة قادرة على تحليل النصوص وتحويلها إلى بيانات إحصائية، وهذا يفتح آفاقا جديدة أمام الباحثين. ولدينا اليوم في العالم العربي علماء اجتماع ونفس واقتصاد وسياسة وتاريخ وجغرافيا، لديهم وعي كبير بأهمية هذه الأدوات الحديثة، ويستفيدون منها في تطوير أبحاثهم. وهذا وعي مهم يجب أن يتوسع ويترسخ.
نعم، نحن نعيش مفارقة واضحة، فالاقتصاد العالمي يتطور، ورأس المال يكتسح العالم، والثقافة الاستهلاكية تنتقل بلا حدود، وتكنولوجيا الاتصالات أحدثت ثورة في حياة الناس وأفكارهم. لكن في المقابل، هناك تدهور في الأخلاق، وهو ما يبدو في الممارسات السياسية التي تقوم على الازدواجية والقوة والقهر والاستغلال والصراعات المسلحة، كلها تقلب القيم رأسا على عقب.
والنتيجة أن المجتمعات تتقدم تكنولوجيا واقتصاديا لكنها تتخلف أخلاقيا، ويظهر ما يسميه علم الاجتماع "الوهن الأخلاقي"، حيث تستحضر الأخلاق فقط في الخطابات الرسمية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو مواثيق الأمم المتحدة واليونسكو ، لكن الممارسات الفعلية كثيرا ما تخالف تلك الشعارات، فلا يوجد عدل أو مساواة.
مكتبة الإسكندرية لها خصوصية استثنائية، فهي تقوم على إرث تاريخي عريق يعود إلى مكتبة الإسكندرية القديمة التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد. نحن نحاول أن نعيد إحياء هذا الإرث، لكن برؤية معاصرة تجعل المكتبة أكثر من مجرد مكان للقراءة والبحث.
ونسعى لأن تكون المكتبة صرحا حضاريا وثقافيا يقدم للعالم ولعشاق المعرفة التاريخ والفكر والعلم في شكل أفكار وفنون متنوعة، وفي قوالب تتناسب مع تطورات العصر، مما يزيد من مساحة التقارب بين الثقافات والحضارات.
كما نسعى لأن تكون المكتبة فضاء لإنتاج المعرفة، ومكانا للتفاعل بين الشعوب والحضارات، ونشر ثقافة الحوار والتسامح، من خلال ما تقوم به من مشروعات وأنشطة متنوعة ما بين معارض ومؤتمرات وغيرها من الجهود الكبيرة في الرقمنة والتوثيق لحفظ المخطوطات والخرائط والتسجيلات والصور النادرة، وأرشيف ضخم لذاكرة مصر التاريخية.
المكتبة لديها إمكانات مادية وبشرية ضخمة، وتقدم خدمات كثيرة ومتنوعة مثل القراءة والاطلاع والبحث العلمي، وقطاع المتاحف، فضلا عن المراكز البحثية المتخصصة في الدراسات الإستراتيجية والهلنستية.
كما يوجد بها معمل لترميم المخطوطات يندر أن يوجد مثله إلا القليل في العالم، وخدمة حفظ المخطوطات وترميمها، حيث تضم 6 آلاف مخطوط أصلي، و120 ألف مخطوط مصور، و15 ألف كتاب نادر.
وفي الوقت الحالي، تعمل المكتبة على ترميم وثائق قناة السويس وعددها 1868 مجلدا، بموجب اتفاقية مع هيئة قناة السويس لترميم تلك المجلدات.
لا يوجد مكان في العالم دون تحديات، وإن كان أكبر تحد هو غياب ثقافة البحث عن المعرفة أو تكوين العقل النقدي في كثير من البيئات العربية.
فعلى الرغم من شهرة المكتبة العالمية، هناك كثير من المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا لا يعرفونها، بينما يقبل عليها المثقفون والنخب فقط. لكن الأمل موجود، فنحن نسجل اليوم نحو ألفي زائر يوميا، بينهم أطفال وشباب، وهذا يمنحني شعورا بأن الأجيال الجديدة قد تكون أكثر ارتباطا بالثقافة.
لدينا رؤية وخطة تستهدف التطوير المستمر لأنشطة المكتبة وجعلها حاضرة بقوة في المشهد الثقافي المصري والدولي، من خلال التوسع في نطاق أنشطة المكتبة بالوصول إلى مختلف المحافظات المصرية عبر مبادرة (سفراء المعرفة) التي وصل عددها إلى 28 نقطة، أو التعاون مع المكاتب الثقافية في الخارج لافتتاح فروع للمكتبة خارج مصر.
ونسعى حاليا لبناء مقر جديد بغرب الإسكندرية باسم "دار مكتبة الإسكندرية للمعرفة والابتكار والإبداع"، وسيكون مركزا شبيها بالكليات العالمية، يمنح درجات علمية بالتعاون مع جامعة الإسكندرية، في مجالات مثل المكتبات، وتكنولوجيا المعلومات، والتاريخ الهلنستي القديم.
تسعى المكتبة إلى تنفيذ مبادرات وفعاليات غير تقليدية لترسيخ ثقافة القراءة كوسيلة أصيلة لاكتساب المعرفة ودعم الإبداع الثقافي في مختلف أشكاله، لذا عمدت إلى تخصيص عدة جوائز لتكريم الرواد والمبدعين.
بدأت بإطلاق جائزة عالمية بقيمة مليون جنيه عن التكنولوجيا الخضراء، وأخرى للقراءة، وجائزة ثالثة للشباب تمنح سنويا في 7 من فروع الإبداع. ونستعد حاليا لإطلاق جائزة للإبداع العربي تمنح للمبدعين العرب ليكون لهم نصيب في جوائز المكتبة.
الشباب هم محور عملنا، ولدينا قطاعات خاصة للأطفال والناشئة، ومكتبة للطفل، ومكتبة للشباب، وبرامج لتلخيص التراث الإنساني لهم، و"سفارات المكتبة" في عدة مناطق. نحن نؤمن أن الاستثمار في الجيل الجديد هو الضمانة الحقيقية لاستمرار رسالتنا.
المكتبة، بصفتها مؤسسة ثقافية دولية، تعتبر نافذة العالم على مصر ومعروفة في الخارج بشكل واسع، خاصة لدى المؤسسات الثقافية ووزارات التعليم العالي والمكتبات الوطنية. كثير منهم يعرفونها منذ الطفولة من خلال الكتب المدرسية، وهذا يسهل وصول الرسالة المصرية إلى الخارج ويسهم مع المؤسسات المختلفة في تشكيل الهوية والوجدان للمصريين والعرب، وإبراز رؤانا الإنسانية وأفكارنا في الخارج.
المكتبة لا تخدم فئة معينة، بل تمثل نموذجا للتعددية والتقاء الأفكار بين مختلف الثقافات، وتقدم خدمة عالمية ومحلية في مجال صناعة الثقافة والاهتمام بالتراث الثقافي. لدينا شراكات مع جميع المكتبات الكبرى مثل مكتبة الكونغرس والمكتبة الوطنية الفرنسية، وهناك تعاون وتبادل للمعلومات والمواد الثقافية والكتب المرقمنة مع مكتبات وطنية أخرى، ليكون لنا امتداد في كافة أنحاء العالم. كما نشارك في منتديات عالمية تبحث مستقبل المكتبات في العصر الرقمي ودورها في إعادة إنتاج المعرفة والحضارة.
مكتبة الإسكندرية مؤسسة رائدة في العصر الرقمي تمتلك إمكانات إلكترونية هائلة تضم مكتبات رقمية كاملة وأرشيفا هائلا للصحف والمجلات (غيتي)على العكس، أعتقد أن الأزمات تدفعنا أكثر نحو الثقافة، فالتمويل لدينا يزيد، والجمهور يزداد، لأن الثقافة تصبح أكثر أهمية في أوقات الأزمات.
المكتبة مؤسسة رائدة في العصر الرقمي، تمتلك إمكانات إلكترونية هائلة تضم مكتبات رقمية كاملة وأرشيفا هائلا للصحف والمجلات، مخزنة على أجهزة ضخمة، وبراءات اختراع للعديد من الأفكار والمشروعات.
ولدينا واحد من أقوى قطاعات تكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط ، ونعمل على تطوير برمجيات، ونستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الحديثة والأساليب الرياضية الجديدة في مشروعاتنا.
إذا آمن الإنسان بقيمة العدل، فسوف يصل من خلالها إلى كل القيم الأخرى، ومنها "المساواة والأمانة والثقة والعمل والإنجاز". فالقيم الكبرى تفتح الطريق للقيم الفردية، وهي تزدهر حين يرتقي التعليم والفنون والذائقة الجمالية، لكن طالما هناك "حداثة هجينة"، ستظل القيم مختلطة.