في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طائر مهاجر عثر عليه مواطنون في قرية حلة يونس بمنطقة بربر بولاية نهر النيل تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي في السودان

لم تكن الحلقة المعدنية الصغيرة التي تطوق ساق طائر مهاجر أكثر من أثر علمي لرحلة طويلة عبر القارات، لكنها في السودان قد تتحول إلى سبب كافٍ للاشتباه فيه.

فقد فتح جهاز صغير مثبت على ظهر طائر، وأرقام ورموز على حلقة في ساقه، الباب أمام روايات عن "تجسس"، بدلاً من أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من أبحاث علمية تتعقب حركة الطيور في واحدة من أعقد الظواهر الطبيعية على الأرض.

فخلال السنوات الأخيرة، أثارت طيور مهاجرة عُثر عليها في عدة مناطق سودانية مأهولة بالسكان، وهي تحمل حلقات معدنية أو أجهزة تتبع، موجات من الشك والجدل. وفي بعض الحالات، تعامل مواطنون مع الطيور باعتبارها "مشبوهة"، خصوصاً عندما كانت مرهقة أو مصابة، بينما كانت الأجهزة التي تحملها ترصد رحلة علمية تمتد آلاف الكيلومترات.

واكتسب الأمر أهمية خاصة في السودان، الذي يقع على واحد من أهم الممرات الطبيعية لهجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي الممتد على نهر النيل والبحر الأحمر، ومن تنوع بيئاته الطبيعية.

طائر جاسوس في سماء السودان

ولعل من بين أكثر الوقائع إثارة للجدل، بحسب متخصصين في السنوات الأخيرة، حادثة البجع الأبيض (Great White Pelican) الذي عُثر عليه في السودان، وهو يحمل جهاز تتبع لاسلكياً مثبتاً على ظهره وحلقة ألومنيوم في إحدى رجليه.

إذ سرعان ما تحولت تلك الأجهزة العلمية الحساسة التي يحملها الطائر إلى مصدر للشائعات، وتداولت روايات تزعم أنه "طائر جاسوس" أو يحمل أجهزة تنصت.

لكن الحقيقة، وفق المتخصصين، كانت أبسط بكثير: فالجهاز جزء من برنامج علمي لتتبع حركة الطيور ودراسة مسارات هجرتها.

الطائر المهاجر كما تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي في السودان

وفي واقعة أخرى، عثر مواطنون في قرية حلة يونس بمنطقة بربر في ولاية نهر النيل، على طائر مهاجر، لقلق أبيض (White Stork)، أنهكه السفر والإجهاد، كما وثقت مقاطع مصورة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي في السودان طيلة الأيام الماضية.

وكان الطائر يحمل أختاماً وحلقات معدنية وبلاستيكية تتضمن رموزاً وأرقاماً، ما أثار بدوره مخاوف وتساؤلات.

لكن شرطة حماية الحياة البرية بولاية نهر النيل أعلنت رسمياً لاحقا نفوق الطائر المهاجر قبل وصول الفريق الفني الذي تم ابتعاثه إلى موقع سقوطه.

كما أوضحت الشرطة حينها، استناداً إلى التقارير البيطرية، أن الطائر يُرجح أنه قطع آلاف الكيلومترات خلال هجرته من القارة الأوروبية إلى السودان، وأن الإجهاد والجوع ظهرت عليهما علامات واضحة قبل نفوقه. وأكدت الشرطة تحريز الطائر النافق والتحفظ على الديباجة والخاتم المثبت على رجله، تمهيداً للتعامل معه وفق الإجراءات المختصة.

طير مهاجر (تعبيية- آيستوك)

جانب أكثر إثارة

لكن بيانات جهاز التتبع كشفت لاحقاً جانباً أكثر إثارة في قصة الطائر؛ إذ أظهرت أنه أُطلق في الأول من يوليو (تموز) 2025، وقطع نحو 4,049 كيلومتراً حتى وصوله إلى منطقة بربر، وفق بيانات واردة من محطة علم الطيور التابعة للأكاديمية البولندية للعلوم. وبينما كانت رحلته تحمل قيمة علمية لتتبع حركة الطيور عبر القارات، انتهت حياة الطائر بالإجهاد الحراري وإصابة في الجناح حسبما أكدت شرطة حماية الحياة البرية بالسودان رسمياً.

لكن في المقابل يمنح هذا الرقم، 4,049 كيلومتراً، تصوراً عن المسافة التي يمكن أن يقطعها طائر مهاجر قبل أن يصل إلى السودان، كما يكشف كيف يمكن لجهاز صغير مثبت على جسده أن يحول رحلة طائر واحد إلى سجل علمي عابر للحدود.

مع ذلك لا تبدو تلك الحالات معزولة. فقد تكررت المخاوف مع أنواع مختلفة من الطيور، بينها اللقالق والرهو والنسور، التي تحمل حلقات معدنية أو علامات وأرقاماً تستخدمها برامج بحثية لتوثيق تحركاتها.

وفي هذا السياق قال الدكتور محمد المكي علي البدوي، أستاذ علم الطيور والأراضي الرطبة بقسم الحياة البرية في كلية الموارد الطبيعية بجامعة سنار، إن طائر اللقلق الأبيض، المعروف محلياً باسم «الباجبار»، ينتمي إلى فصيلة وعائلة اللقالق التي ينتمي إليها أيضاً «السمبر» الشهير في السودان.

الطائر المهاجر وتظهر الحلقة المعدنية الصغيرة على قدمه من صفحة شرطة حماية الحياة البرية السودانية بفيسبوك

محطة على طريق الهجرة

كما أكد البدوي للعربية.نت/الحدث.نت أن السودان يمثل أهمية كبيرة للطيور، إذ تمر عبره أهم الممرات والمسارات الطبيعية لهجرات الطيور بين أوروبا وآسيا، إلى جانب الهجرات الداخلية داخل أفريقيا، بفضل موقعه الجغرافي على امتداد نهر النيل والبحر الأحمر وتنوع بيئاته الطبيعية.

لكن أوضح أن "الرحلة التي تبدو هادئة من بعيد ليست كذلك بالنسبة إلى الطيور على أرض الواقع. فهي تواجه، مخاطر متعددة تشمل الصيد، وخطوط الضغط الكهربائي، والنفايات، والحرائق، والاصطدام بالطائرات، والإجهاد والجفاف، فضلاً عن احتمال شرود بعض الأفراد من أسرابها وضلالها عن طريق الهجرة."

إلى ذلك، أكد المتحدث أن "الإنسان نفسه يمثل خطرا آخر لا يقل أهمية، فضعف التوعية البيئية والمفاهيم الخاطئة لدى بعض المجتمعات المحلية، إلى جانب نقص الخبرات والمعلومات العلمية المتعلقة بالتعامل مع الطيور، قد يحول طائراً مهاجراً مرهقاً إلى متهم بدلاً من إنقاذه". وأكد البدوي أن هذه الحوادث تكررت كثيراً، وكانت نتيجتها في حالات عديدة فقدان أنواع من الطيور المهاجرة، وبعضها نادر أو مهدد بالانقراض.

طير مهاجر (تعبيية- آيستوك)

ماذا تقول الحلقة المعدنية؟

أما تلك الحلقة التي تثير الشكوك فليست، في الغالب، أكثر من بطاقة تعريف علمية صغيرة. إذ أوضح البدوي أن حلقات الأرجل (Banding/Ringing) عبارة عن حلقات معدنية خفيفة جداً لا تزيد عن بضعة غرامات، تُصنع من الألمنيوم أو البلاستيك المقوى، وتحمل رموزاً وأرقاماً وتواريخ، وأحياناً رقم هاتف أو اسم مركز بحثي.

كما أضاف أن الجهات البحثية تقبض على الطيور المراد مراقبتها، وتضع الحلقات والعلامات عليها، خصوصاً الطيور الصغيرة أو خلال فترة تجديد الريش وقبل موسم التزاوج، ثم تطلقها وتراقبها أثناء الهجرة لمعرفة مساراتها وأزمنة هجرتها ومناطق تشتّيها.

ثم بعد ذلك تُسجل البيانات التي تحملها الحلقات والأجهزة وتُرسل إلى المراكز البحثية المتخصصة عبر قنوات اتصال محددة، مثل البريد الإلكتروني.


ولكل مركز بحثي علاماته المميزة، التي قد تظهر في شكل ألوان مختلفة، بينها الأزرق والأصفر وغيرها.

أما أجهزة التتبع الحديثة (GPS / Satellite Transmitters)، فهي أصغر حجماً، ولا يتجاوز وزن بعضها غرامات قليلة، وتعمل بألواح شمسية مصغرة وشرائح إلكترونية تتيح تتبع حركة الطائر عبر الأقمار الصناعية.

جهاز على ظهر طائر... ونافذة على قارة

وقد يبدو الجهاز المثبت على ظهر طائر صغير قطعة تقنية غامضة، لكنه بالنسبة إلى العلماء نافذة على عالم كامل. فالمراقبة والتتبع يتيحان معرفة أزمنة ومسارات هجرة الطيور، ودراسة الأسباب البيئية وراء تناقص أعدادها، ورصد التغيرات المناخية، والمساعدة في التنبؤ بالأمراض العابرة للحدود.

كما تسهم هذه البيانات في برامج حماية الطيور والمحافظة على أنواعها، خصوصاً المهددة منها، بالتنسيق مع الحكومات والمنظمات والجمعيات المعنية بحماية الطيور.

وبذلك تصبح رحلة طائر واحد مصدراً لمعلومات تتجاوز حدوده الجغرافية، إذ يمكن أن تساعد بياناته في فهم التغيرات التي تحدث في بيئات تمتد عبر قارات عدة.

وفي حالة لقلق حلة يونس، لم تكن آلاف الكيلومترات التي قطعها مجرد رقم في جهاز إلكتروني؛ بل تحولت إلى معلومة علمية تكشف جزءاً من الطريق الذي تسلكه الطيور بين القارات، وتقدم في الوقت نفسه صورة عن المخاطر التي يمكن أن تواجهها في نهاية الرحلة.

طير مهاجر (تعبيية- آيستوك)

هذا ولا تتوقف أهمية الطيور المهاجرة عند كونها جزءاً من التنوع الحيوي. فقد أكد البدوي أنها تؤدي دوراً في دعم التوازن البيئي والزراعي، إذ تتغذى على الحشرات وآفات المحاصيل الزراعية، وتساهم في الحد منها بوسائل بيولوجية طبيعية، كما تعمل بعض الأنواع كملقحات طبيعية للنباتات.

كما أن الطيور، في الوقت نفسه، "مؤشر وكاشف بيئي" على سلامة النظام البيئي والبيئة عموماً، حسب البدوي.

ولهذا فإن تراجع أعدادها أو تغير مسارات هجرتها قد يكون علامة على تغيرات أوسع في البيئة والمناخ وتوافر الغذاء والمياه.

إلى ذلك، شدد البدوي على ضرورة تصحيح المفاهيم والشائعات الأمنية المرتبطة بأجهزة التتبع، وإنهاء الاعتقادات التي تربط هذه التقنيات بالتجسس أو أجهزة التنصت، بما يضمن عدم قتل الطيور أو تدمير الأجهزة التي تحملها عند العثور عليها أو صيدها.

كما رأى أن حماية الطيور تبدأ من حماية الموائل التي تستقبلها، وتوفير الأمان لها في محطات رئيسية مثل غابة السنط ومحميات البحر الأحمر والخزانات على نهر النيل، والمواقع والمشروعات الزراعية والغابات النيلية.

وختم مشددا على أهمية التزام السودان بالاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الطيور المهاجرة والتنوع البيولوجي، ومنها اتفاقية الطيور المائية المهاجرة الأفريقية-الأوراسية (AEWA)، واتفاقية الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية (Ramsar)، واتفاقية التنوع البيولوجي (CBD)، واتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS).

تعبيرية- آيستوك

ماذا تفعل إذا وجدت طائراً محجلاً؟

أما بالنسبة إلى المواطن الذي يعثر على طائر يحمل حلقة أو جهاز تتبع، فإن الخطوة الأولى هي عدم العبث به. إذ ينصح المختصون بتصوير الحلقات والأجهزة وتسجيل أرقامها ورموزها، إلى جانب تدوين مكان العثور على الطائر وتاريخه.

وفي حال كان الطائر مصاباً، ينبغي الاتصال بأقرب طبيب بيطري، ومحاولة وقف حركته وتهدئته وتجنب إزعاجه أو تحريكه، خصوصاً في حالات الكسور.

أما في حالات الإجهاد الحراري، فيمكن توفير الماء والمأوى المريح للطائر، من دون إجهاده أو إخافته.

كما يمكن التواصل مع قوات حماية الحياة البرية، ومركز بحوث الحياة البرية، والجامعات التي تضم أقساماً متخصصة في الحياة البرية، أو علماء الطيور والباحثين المختصين.

أما الطائر السليم الذي يحتاج فقط إلى الراحة، فيُفضل إطلاقه بعد أن يستعيد قدرته على مواصلة رحلته، بدلاً من احتجازه دون سبب.