في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الحروب، لا تعود المدن في صباح واحد. وقد تعود الأغنية قبل الكهرباء، ويعود الناس إلى ساحة احتفال قبل أن تستعيد المستشفيات قدرتها الكاملة على العمل، وقد يصبح تجمع عائلات حول رقصة تراثية دليلا على استعادة شيء من الثقة، لا على انتهاء آثار الدمار.
هذا ما بدا في مهرجان للتراث والأنشطة الرياضية والثقافية في منطقة شرق الجبل بولاية الخرطوم. في ساحة مفتوحة، وبحسب ما رصدته كاميرا الجزيرة مباشر، فقد اجتمعت نساء وشباب وأطفال حول عروض للرقص الشعبي والأزياء التقليدية وأدوات من الموروث السوداني، في مشهد يختلف عن الصور التي التصقت بالعاصمة خلال سنوات الحرب: نزوح وبيوت خالية وطرق فقدت إيقاعها المعتاد.
فالحرب لا تدمر البيوت والجسور وحدها. بل إنها تقطع أيضا تفاصيل تبدو عادية قبل أن تختفي: القدرة على الخروج من المنزل، وتنظيم تجمع، وإحضار الأطفال، والاحتفال بالذاكرة المشتركة من دون أن يكون الخوف هو المنظم الوحيد لحياة الناس.
ويقول أحد المتحدثين في الفعالية للجزيرة مباشر إن المهرجان يمثل "بداية تطبيع الحياة " في الخرطوم بعد الدمار الذي أصابها، مضيفا: "لا نقول إن الأمر قد عاد كما كان، ولكن نقول إننا قد بدأنا ". وفي هذه العبارة ما يضبط قراءة المشهد كله: ليست عودة مكتملة، بل بداية محاولة.
بحسب المشهد على ارض الواقع، فإن المهرجان لا يعيد الخدمات العامة، ولا يصلح ما دمرته الحرب، لكنه يعيد اختبارا أوليا للحياة المدنية: أن يجتمع الناس حول شيء لا يتعلق بالنجاة المباشرة.
تقول مشاركة في الفعالية إن التراث لا يمكن التخلي عنه لأنه ينتقل بين الأجيال، بينما وصفت مشاركة أخرى فرحتها بأنها أكبر من أن تعبر عنها، وقالت إنها شعرت بالأمان وسط أهلها. وهذه شهادات شخصية لا يجوز تعميمها على كل سكان الخرطوم، لكنها تكشف عن حاجة أوسع: أن يشعر الناس بأن مدينتهم يمكن أن تستضيفهم من جديد، لا أن تكون مجرد مكان يمرون به بين نزوح وآخر.
وبحسب علماء علم الاجتماع، فإنه لا ينبغي التعامل مع التراث بوصفه زينة جانبية في مدينة خرجت من الحرب. فالرقصات والأزياء والأغاني ليست فقط عرضا للماضي، بل أدوات تحافظ بها الجماعات على ذاكرتها وعلى روابطها حين يتعرض المكان نفسه للكسر.
ويفسر علماء الاجتماع عودة هذا النوع من الفعاليات بوصفها الطبقة الأولى من عودة المدينة: عودة الرموز. قبل أن تعود المدارس بكامل طاقتها، أو تستقر الكهرباء، أو تستعيد الأسواق إيقاعها، يعود أحيانا ما يذكر السكان بأن لهم حياة مشتركة وثقافة تستحق أن تظهر في العلن.
المشكلة تبدأ حين تتحول لحظة الفرح إلى حكم شامل على مدينة كاملة. فالخرطوم لا تتعافى لأن ساحة واحدة امتلأت بالناس، كما لا تختزل سنوات الحرب في مشهد دمار واحد.
ويتفق السودانيون على ان هناك فرق بين أن تستعيد منطقة ما قدرتها على تنظيم مهرجان، وبين أن تستعيد المدينة شروط الحياة المستدامة: مياه وكهرباء وعلاج ومدارس ومواصلات وفرص عمل وأمان يسمح للناس بالبقاء.
وفي أحدث صورة للخدمات الصحية، زارت منظمة الصحة العالمية في 6 سبتمبر/أيلول ثلاثة من مستشفيات الإحالة والتعليم الرئيسية في ولاية الخرطوم، وقالت إن المباني والمعدات تعرضت لدمار واسع، وإن غرف عمليات دمرت، وأجهزة تصوير فقدت، وأقساما وكتلا كاملة خرجت من الخدمة.
ورغم بدء أعمال تأهيل، قالت المنظمة إن استعادة العمل المتخصص في هذه المستشفيات لا تزال تحتاج إلى إصلاحات إنشائية ومعدات ومياه وكهرباء وإدارة للنفايات ودعم للكوادر الصحية.
لهذا، فإن المهرجان لا يناقض واقع الخدمات الهشة، كما أن هشاشة الخدمات لا تلغي معنى الفرح الذي ظهر فيه. كلاهما صحيحان في وقت واحد: سكان يحاولون استعادة شكل من الحياة العامة، ومدينة لا تزال تدفع كلفة حرب طويلة.
يمكن قراءة عودة الخرطوم عبر ثلاث طبقات مترابطة:
مهرجان شرق الجبل يقع بوضوح في الطبقة الأولى. وهو مهم لأنه يفتح الباب أمام ما بعدها، لكنه لا يثبت وحده أن المدينة بلغت الطبقتين الثانية والثالثة.
وقد ظهرت خلال الأشهر الماضية إشارات مشابهة إلى عودة بعض التفاصيل المدنية والثقافية في العاصمة ومحيطها: عودة حلقات المصارعة الشعبية في شرق النيل، واستئناف نشاط باعة الكتب في سوق البوستة بأم درمان، ومبادرات أهلية تحاول معالجة نقص الخدمات وتشجيع السكان على العودة. لكنها كلها تظل محاولات في مدينة تحتاج إلى تحويل هذه المبادرات واللحظات الرمزية إلى بنية حياة ثابتة.
ليس السؤال إن كان الفرح في مهرجان شرق الجبل حقيقيا، فالمشاهد والشهادات تقول إنه حقيقي ومشروع بعد سنوات ثقيلة. السؤال الأهم الذي يطرحه السودانيون، هو: كيف يتحول هذا الفرح من لحظة استثنائية إلى حق يومي؟
ويرى الكثير من السودانيين ان ذلك يحدث عندما يتمكن الناس من الاحتفال ثم العودة إلى منازلهم الآمنة، وإرسال أطفالهم إلى مدارس تعمل، والحصول على علاج وماء وكهرباء، تصبح الأغنية جزءا عاديا من مدينة استعادت نفسها.
أما الآن، وفقا للسودانيين فإن المهرجان يقول شيئا أكثر تواضعا وأكثر أهمية: إن بعض سكان الخرطوم بدؤوا يستعيدون شيئا انتزعته الحرب منهم، هو الحق في الاجتماع والاحتفال واستعمال المجال العام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة