نشرت مجلة "نيو لاينز" (New Lines) تحقيقا مطولا حمل عنوان "معتقلون سابقون في شمال شرق سوريا يتحدثون عن الاتهامات الملفقة والتعذيب"، وجاء فيه أن مئات المعتقلين الذين أطلق سراحهم مؤخرا من السجون التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، عادوا إلى أهلهم بإصابات وكوابيس لا تفارقهم.
في 25 يناير/كانون الثاني، أطلق سراح معاذ من سجن الأقطان، وهو سجن سيئ السمعة كانت تديره "قسد"، ليلتقي عائلته لأول مرة منذ أشهر، وتعلق والدته على لقائه بالقول: "حمدا لله أنه لم يصب بمكروه".
كان معاذ واحدا من بين 126 طفلا أُطلق سراحهم من سجن الأقطان في ذلك اليوم، لكنه لم يكن سوى ضحية واحدة من ضحايا كثر لما يمكن اعتباره، بحسب التحقيق، تناميا لحالة الارتياب والخوف لدى قسد من وجود "طابور خامس" بين أهالي شمال شرق سوريا العرب.
خلال عمله في شركة للمستلزمات الدوائية، وبعد تسليمه صندوقا من الأدوية باهظة الثمن لأحد السائقين، التقط الفتى صورة للوحة أرقام السيارة لتوثيقه في سجلاته، ولسوء حظه تصادف ذلك مع مرور عنصرين من "قسد" ظنا أنه "يصور العسكريين" فاستوليا على هاتفه ووجدا فيه صورة للرئيس السوري أحمد الشرع، فسارعا إلى اعتقاله.
يضيف معاذ في حديثه للمجلة، أن العنصرين استمرا بسؤاله عن سبب تصويره للعسكريين وعن الجهة التي سيرسل لها الصور، ثم اقتادوه لفرع أمن محلي خضع فيه للتحقيق مدة 4 أيام، وتعرض للضرب بالخراطيم والتعذيب بالكهرباء، ثم نقل إلى سجن الأقطان ووضع في زنزانة تضم 32 شخصا معظمهم بالغون.
وقال الفتى إن "أغلب الموجودين في الزنزانة ينتمون للجيش الحر، لم أر أحدا من تنظيم داعش، ربما كانوا في زنازين أخرى، لكن في زنزانتي لا أحد"، مضيفا أن ظروف الاحتجاز كانت شديدة القسوة بما يشمل اتساخ الزنزانة وقلة الطعام ومنع جلوس السجناء في مجموعات.
وبين الحين والآخر كانت عناصر السجن يأخذون أحد السجناء للتحقيق، ثم يعودون به إلى الزنزانة مضرجا بالدماء ومليئا بالكدمات، ويؤكد معاذ أنه لم يبلغ يوما بسبب احتجازه أو التهم الموجهة إليه، في الوقت الذي كان والده يبحث عنه في كل مكان، وسط صمت جهاز الأمن الداخلي لدى "قسد" ورفضه السماح لعائلته بالاستعانة بمحام.
ونقلت المجلة عن والد معاذ قوله إنه دفع 200 دولار ليحصل على وكالة قانونية تمكنه من مراجعة المحكمة لمعرفة مصير ابنه، ولفت إلى أن المحامي أخبره بإمكانية الإفراج عنه لقاء دفع مبلغ 3 آلاف دولار، وهو مبلغ لا يستطيع الوالد عامل النظافة الذي يبلغ راتبه الشهري 70 دولارا فقط، تأمينه.
على بعد بضعة كيلومترات، جلس محمد الشاهين، الفتى دائم الابتسام الذي يبلغ من العمر هو الآخر 16 عاما، في غرفة بمنزل عائلته بقرية الأسدية بريف الرقة، بعد أن أمضى عاما داخل زنزانة في سجن الأقطان.
كان حلم محمد الوحيد اللحاق بشقيقه في ألمانيا، وبعد فشل إحدى محاولات العبور بطريقة غير شرعية إلى تركيا، اعتقل خلال عودته سرا إلى مناطق سيطرة "قسد" في تل أبيض، بعد أن عثر عناصرها في هاتفه على صورة تجمعه بعمه المنخرط في صفوف الجيش السوري الحر.
اتهمت "قسد" محمد بأنه أرسل للتجسس لصالح الجيش الحر، فيما يؤكد الفتى أنه لم يكن يهتم سوى بالوصول إلى ألمانيا، مؤكدا تعرضه للتعذيب خلال الاستجواب، بما في ذلك التهديد بالصعق بالكهرباء واعتقال أفراد عائلته وتعذيبهم أيضا، ما اضطره للاعتراف بذهابه إلى المنطقة الحدودية للعمل لصالح الجيش الحر.
المحتجزين تعرضوا للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف، وكانت معظم الملاحقات القضائية تستند إلى تلك الاعترافات، حتى عندما تكون الأدلة ضعيفة.
كان هذا الاعتراف كافيا ليصنف محمد على أنه "إرهابي" من قبل "قسد"، وعلى إثر ذلك بقي في سجن الأقطان أكثر من عام، دون أن يخضع لأي إجراءات قانونية.
في تقرير صدر عام 2024، حول نظام السجون الذي أنشأته قسد، قالت منظمة العفو الدولية إن "سلطات الإدارة الذاتية ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي، يرقى بعضها إلى جرائم حرب".
وقالت معدة التقرير، جانين مورنا، إن "المحتجزين فيها تعرضوا للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف، وكانت معظم الملاحقات القضائية تستند إلى تلك الاعترافات، حتى عندما تكون الأدلة ضعيفة، ثم يحال المتهمون إلى المحاكمات دون أن تتاح لهم فرصة الاستعانة بمحام، كما سجلت العديد من حالات الاعتقال والاحتجاز التعسفي دون أن توجه أي تهم رسمية للمعتقلين".
وفيما لم تجب "قسد" على طلب للتعليق حول هذه الاتهامات، أكدت مجلة "نيو لاينز" أن ما سبق لم يقتصر على الأطفال الذين وقعوا ضحية شكوك "قسد"، بل إن الصحافيين استهدفوا أيضا.
تنقل المجلة عن فراس البرجس (26 عاما) قوله وهو جالس في مقهى بمدينة الرقة، إلى جانب حسين، صديقه الكردي منذ الطفولة، إن فترة سيطرة "تنظيم الدولة" على المدينة كانت جحيما، وأنه قرر بدء نشاطه الإعلامي بعد تحريرها، ليغطي المرحلة الجديدة في تاريخ المدينة.
وذكر فراس أنه بدأ برؤية المدينة وقد انتشر فيها الفساد والمخدرات وحرم الناس من حقوقهم، خلال فترة سيطرة "قسد" عليها، لافتا إلى أنه اعتقل على يد عناصرها من منزله، بسبب صورة احتفالية نشرها عبر الإنترنت بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد.
وخضع الشاب للتعذيب والاستجواب مدة 11 يوما، وعن ذلك قال: "قيدوا يدي خلف ظهري وعلقوني ثم ضربوني وسكبوا الماء البارد علي في كل مرة كنت أفقد الوعي بسبب الضرب" وأضاف أنه مثل أمام المدعي العام لاحقا، وأجبر على التوقيع على اعترافات تحت الإكراه، ووجهت له اتهامات "الإرهاب والتعامل مع جهات غير قانونية" ما كان سيعرضه لعقوبة تصل مدتها إلى 15 عاما، على حد تعبيره.
وفي هذا السياق، قالت جانين مورنا إن "الأدلة التي قدمتها مجلة نيو لاينز تتوافق إلى حد كبير مع الأدلة التي جمعتها المنظمة، والتي تشير إلى أن أشخاصا اعتقلوا بناء على مبررات واهية، كما أنهم حرموا من حقهم في الاستعانة بمحام".
وأضافت: "بغض النظر عن الأدلة التي كانت تقدم، لم يوجد خلال الإجراءات القضائية أي شخص يمتلك معرفة قانونية كافية للدفاع عن المتهمين، كما أن عددا كبيرا من أولئك المتهمين كانوا أطفالا".
ومع افتقار كثير من الاعتقالات إلى أساس قانوني متين، يمكن النظر إلى عدد كبير من المتهمين بالإرهاب باعتبارهم ضحايا لمناخ متصاعد من التوتر والارتياب بين "قسد" والحكومة السورية في مرحلة ما بعد سقوط الأسد.
ونقلت المجلة عن الباحث ألكسندر ماكيفر، قوله إن "قوات سوريا الديمقراطية كانت تخشى الحكومة السورية الجديدة، لأن جانبا كبيرا من شرعيتها في مناطق مثل دير الزور والرقة كان قائما على تقديم نفسها بوصفها بديلا أفضل من نظام الأسد وتنظيم داعش".
قوات سوريا الديمقراطية كانت تخشى الحكومة السورية الجديدة، لأن جانبا كبيرا من شرعيتها في مناطق مثل دير الزور والرقة كان قائما على تقديم نفسها بوصفها بديلا أفضل من نظام الأسد وتنظيم داعش
بواسطة ألكسندر ماكيفر، الباحث ومؤلف النشرة الأسبوعية "ذيس ويك إن نورثرن سيريا"
وأوضح أنه مع سقوط نظام الأسد، انهار هذا الركن الأساسي من شرعيتها، ما أدى إلى تراجع هائل في شعبيتها، ورغبة كثيرين في العودة إلى حكم حكومة معترف بها دوليا، وأضاف ماكيفر أن أجهزة "قسد" الأمنية ردت على ذلك بمزيد من الارتياب والقمع.
لم يصدر بحق فراس أي حكم، رغم التهم التي وجهتها "قسد" له، وبينما كان ينتظر جلسات محاكمته سمع هو ورفاق الزنزانة أصوات المعارك في الخارج، وعن ذلك قال: "ظننا بداية أن العشائر العربية انتفضت، لكن عندما سمعنا أصوات الطائرات والقصف العنيف أدركنا أن الأمر مختلف".
مع تقدم القوات الحكومية إلى الرقة ودير الزور في يناير/كانون الثاني الماضي، ومحاصرتهم سجن الأقطان الذي تحصن نحو 900 مقاتل من "قسد" داخله، تدهورت أوضاع السجناء عقب تخلي موظفي السجن عن أعمالهم، وأكد فراس أنه لم يعد يحظى بطعام وبقليل من الماء فقط، وأشار إلى أن المعاملة المقبولة من قبل الحراس السابقين للسجن اختفت وبات الحراس الجدد يعاملون السجناء وكأنهم عناصر من "تنظيم الدولة".
وأكد الشاب أن العناصر كانوا يوقفون السجناء عند نوافذ السجن ويستخدمونهم كدروع بشرية، ثم انتهى الحصار الذي استمر أسبوعا بالتوصل إلى اتفاق بين الطرفين قضى بانسحاب "قسد" وسيطرة الحكومة السورية على السجن.
وصف فراس يوم التحرير بأنه يوم نصر مليء بالفرح، لكن السلطات الحكومية أبلغت السجناء لاحقا أنها لا تستطيع الإفراج عنهم، لأن "قسد" دمرت سجلات السجن قبل انسحابها، وبناء على ذلك كلفت السلطات نقيب المحامين في الرقة بالتحقيق في ملفات معتقلي سجن الأقطان لتحديد من سجنوا ظلما منهم.
معظم الأطفال اعتقلوا بلا أية إجراءات قانونية، وكانوا محتجزين غالبا دون توجيه أية تهمة لهم، لذا ارتأت الحكومة إطلاق سراحهم لعدم وجود أي سبب قانوني يبرر استمرار احتجازهم
بواسطة نقيب المحامين محمد صالح النجم
وكان القرار الأول المتخذ هو الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين القاصرين، وكان عددهم 126 طفلا، وعن ذلك قال نقيب المحامين محمد صالح النجم: "معظمهم اعتقلوا بلا أية إجراءات قانونية، وكانوا محتجزين غالبا دون توجيه أية تهمة لهم، لذا ارتأت الحكومة إطلاق سراحهم لعدم وجود أي سبب قانوني يبرر استمرار احتجازهم".
وأضاف أن الاعتقالات التي قامت بها "قسد" كانت تهدف في كثير من الأحيان للضغط على العائلات أو معاقبتها بسبب مواقفها السياسية، وتبدو حالة محمد الشاهين منسجمة مع هذا التفسير، حيث أنه لم يعتقل إلا بعد اكتشاف أنه قريب لأحد مقاتلي الجيش الحر، أما حالة فراس البرجس فكانت سهلة الحسم أكثر.
في المقابل، كان هناك الكثير من المحتجزين بسبب ارتكابهم جرائم حقيقية، وقد منحت عائلاتهم فرصة توكيل محامين للطعن والمتابعة، إلا أن القضايا المتعلقة بجرائم أمنية أو سياسية كانت أكثر تعقيدا.
وعن ذلك قال نقيب المحامين: "هناك أشخاص متهمون بالانتماء إلى منظمات إرهابية، لكن قسد كانت تعتقل خصومها السياسيين بذريعة الإرهاب، لذلك يتعين علينا الآن التحقيق في كل حالة للكشف عما إذا كانت هناك أسباب حقيقية للاعتقال أم لا".
بعد انتهاء زيارتها لزوجها فؤاد داخل سجن الأقطان، قالت سيدة تدعى روضة إن "الأوضاع داخل السجن تحسنت كثيرا، والمعاملة باتت جيدة جدا، كان من الصعب جدا زيارة زوجي سابقا، كنا نضطر لدفع مبالغ كبيرة (لقسد)، أما الآن فأستطيع زيارته بانتظام".
وأضافت روضة أن زوجها السابق كان مقاتلا عربيا في صفوف "قسد"، وبدافع حقده على زواجها بعده، اتهم زوجها الحالي بالارتباط بالجيش الوطني السوري، فاعتقلته "قسد" في يوليو/تموز 2024، وما زالت السيدة تنتظر الإفراج عنه، معربة عن أملها بتحسن الأوضاع بعد سنوات من المعاناة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات السورية مراجعة ملفات السجناء، جرى الإفراج عن دفعات جديدة منهم، ووفق ما أكد نقيب المحامين، فإن العدد وصل إلى 936 معتقلا بمن فيهم الأطفال الذين سبق أن أطلق سراحهم بداية.
ما يزال محمد ومعاذ يجدان صعوبة في النوم، فكلاهما يحمل آثارا جسدية ونفسية خلفتها محنة الاعتقال، وقد أكد محمد أن الفترة الأولى التي تلت الإفراج عنه تخللتها كوابيس وأمراض كثيرة، وأن حلمه بالوصول إلى ألمانيا ما زال قائما، فيما قال معاذ إنه يرى بشكل ضبابي نتيجة الإصابة التي لحقت بعينه جراء الضرب الذي تعرض له.
وأعرب معاذ عن حلمه بأن يصبح صيدليا، لكنه في الوقت الحالي عاد لمساعدة والده في أعماله، وختم بالقول: "كل شيء على ما يرام الآن".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة