في عالم كان يقدس العفوية والواقعية على منصات التواصل الاجتماعي، برز لاعبون جدد لا يأكلون، ولا ينامون، ولا يخطئون. إنهم المؤثرون الافتراضيون (Virtual Influencers)، كائنات رقمية ولدت من رحم خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لكنها باتت تملك تأثيرا يتفوق أحيانا على البشر الحقيقيين.
فما هي قصة هذه الصناعة؟ وكيف يتم توظيفها للسيطرة على العقول والأسواق؟
لا تبدأ صناعة المؤثر المزيف بتصميم صورة جميلة فحسب، بل تبدأ ببناء "هوية سيكولوجية"، حيث يقوم المطورون باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحديد سمات الشخصية، والاهتمامات، وحتى المواقف السياسية والاجتماعية التي تتبناها الشخصية الرقمية.
وهذه المحاكاة البصرية تتم بفضل تقنيات "سي جي آي" (CGI) و"التزييف العميق" (Deepfake)، حيث تظهر هذه الشخصيات بملامح بشرية فائقة الدقة، بما في ذلك عيوب البشرة البسيطة لإضفاء لمسة من الواقعية تخدع العين المجردة.
تثير هذه الصناعة تساؤلات جوهرية حول "الأمان النفسي"، فهؤلاء المؤثرون يروجون لمعايير جمال وحياة مستحيلة، مما يعزز الشعور بالنقص لدى المتابعين الحقيقيين.
علاوة على ذلك، هناك معضلة الشفافية، فكثير من المستخدمين يتفاعلون مع هذه الحسابات دون أن يدركوا أنها مجرد "كود برمجي"، مما يجعل التلاعب العاطفي بهم أمرا يسيرا.
إن صناعة المؤثرين المزيفين ليست مجرد بديل تسويقي، بل هي أداة قوية لإعادة صياغة الحقيقة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت "الثقة" هي السلعة الأغلى، وإن وعي المستخدم بأن ما يراه قد يكون "سرابا رقميا" هو الخط الفاصل بين أن يكون متفاعلا واعيا، أو مجرد رقم في خوارزمية تهدف للربح أو التوجيه.
وتشير التوقعات إلى أن حجم سوق المؤثرين الافتراضيين سيتجاوز 12 مليار دولار بحلول نهاية هذا العام، ونحن لا نتحدث هنا عن مجرد صور، بل عن تحول جذري في "اقتصاد المبدعين"، حيث تصبح القدرة على البرمجة والتصميم أهم من الموهبة الفطرية أو الجمال الطبيعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة