لطالما ارتبط مفهوم الثروة في المنطقة العربية بما تحت الأرض من هيدروكربونات، لكن هذا العام، انتقل مركز الثقل الاقتصادي من "آبار النفط" إلى "مراكز البيانات".
فلم تعد البيانات مجرد نواتج ثانوية للنشاط الرقمي، بل أصبحت "النفط الجديد" الذي يغذي محركات الذكاء الاصطناعي ويصيغ السياسات السيادية ويخلق قيمة اقتصادية تتجاوز في استدامتها الموارد التقليدية.
التحول الذي نراه اليوم في دول مثل قطر والسعودية والإمارات ليس مجرد "رقمنة" للخدمات، بل هو سعي حثيث نحو السيادة الرقمية. فعندما تخصص قطر 2 مليار دولار لرفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 10% من ناتجها المحلي، فهي لا تستثمر في شراء البرمجيات، بل في بناء "تكنولوجيا عميقة" (Deep Tech) مملوكة محليا.
هذا التوجه يهدف إلى كسر الارتهان للنماذج التكنولوجية المستوردة، ففي عام 2026، أصبح امتلاك "البيانات الضخمة" وتحليلها عبر نماذج لغوية وطنية مثل مشروع "فنار" القطري أو "جيس" الإماراتي هو الضمانة الوحيدة لحماية الأمن القومي والاقتصادي.
وتوطين البيانات يعني أن القرارات الاقتصادية الكبرى تتخذ بناء على خوارزميات تفهم الخصوصية الثقافية واللغوية للمنطقة، بعيدا عن الانحيازات الموجودة في النماذج الأجنبية.
لسنوات طويلة، كان العالم العربي يصنف أحد أكبر مستهلكي التكنولوجيا في العالم، أما اليوم، نشهد انقلابا في هذه المعادلة. فالاستثمار في "الأكواد" والذكاء الاصطناعي حول المنطقة إلى مختبر عالمي للابتكار.
علاوة على ذلك، يبرز التحدي البيئي، فمراكز البيانات العملاقة تستهلك طاقة هائلة، وهنا تبرز عبقرية الربط بين النفط القديم والجديد، حيث يتم تشغيل هذه المراكز عبر طاقة شمسية وهيدروجين أخضر، مما يجعل التحول الرقمي العربي نموذجا للتنمية المستدامة الصديقة للبيئة.
ويرى المراقبون أن عام 2026 يمثل نقطة التحول التاريخية التي انتقل فيها الاقتصاد العربي من الاعتماد على "المادة" إلى الاعتماد على "المعنى"، فالبيانات هي المادة الخام، والأكواد هي المصافي، والذكاء الاصطناعي هو المحرك.
ولا يقاس النجاح في هذا العصر بحجم الاحتياطيات النفطية فحسب، بل بحجم "الاحتياطيات الرقمية" والقدرة على تحويلها إلى حلول تخدم الإنسان وتدفع عجلة التنمية. وبذلك فإن المنطقة العربية اليوم تتخطى كونها مجرد جسر بين الشرق والغرب، إلى أن تصبح القلب النابض في شبكة الابتكار العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة