كان ليونيل ميسي يبكي قبل أن تبدأ مباراته الأخيرة مع الأرجنتين.

تحركت حافلة المنتخب، مساء الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول، من مركز التدريب الذي يحمل اسمه نحو ملعب المونومنتال، فيما اصطف آلاف المشجعين على جانبي الطريق.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أرقام تروي حكاية أسطورة.. حصيلة ميسي الأخيرة بقميص الأرجنتين
* list 2 of 2 8 ألقاب في وقت واحد.. أسرار الهيمنة الإسبانية على كرة القدم العالمية end of list

داخل الحافلة مسح ميسي دموعه، وفي الملعب كان أكثر من 85 ألف متفرج ينتظرون ظهوره الأخير بالقميص الذي ارتداه طوال 21 عاما. وفي روزاريو، مسقط رأسه الذي غادره طفلا، عُلّق قميص ضخم يحمل الرقم 10 وكلمة "شكرا".

انتهت المباراة أمام بنين بفوز الأرجنتين 3-0. صنع ميسي الهدف الأول لنيكولاس أوتامندي، ومرر كرة الثاني إلى نيكو باز، ثم سجل الثالث من ركلة جزاء، ليغادر المنتخب وفي جعبته 208 مباريات و126 هدفا، وعديد الإحصائيات والأرقام القياسية مثل الرقم القياسي الأرجنتيني في المشاركات وكذلك الأهداف الدولية.

كان الاحتفال طبيعيا لمن يشاهد علاقة الأرجنتين بميسي منذ 18 ديسمبر 2022، يوم أضاف النجمة الثالثة للقميص واحتضن كأس العالم للمرة الأولى والأخيرة. أما من يعود إلى تاريخ تلك العلاقة، فيجد مسارا أكثر تعقيدا.

اللاعب الذي ودعته بوينس آيرس بهذه الحفاوة كان يُتهم في بلاده بأنه "كتالوني"، وبأنه لا يحفظ النشيد، ولا يقدم للمنتخب ما يقدمه لبرشلونة، ولا يملك شخصية القائد التي امتلكها دييغو مارادونا. وأطلقت الجماهير الأرجنتينية صافرات الاستهجان ضده، وبقيت مسألة ارتباطه بالمنتخب والبلاد محل شك.

المفارقة أن الوقائع الأولى في مسيرته الدولية تروي العكس تماما. فقبل أن تصل مقاطعه إلى مكاتب المسؤولين الأرجنتينيين، كان مسؤولو الكرة الإسبانية يحاولون إقناعه بتمثيل إسبانيا.

إسبانيا عرفته قبل الأرجنتين

في مطلع الألفية، كان اسم ليونيل أندريس ميسي معروفا داخل أكاديمية برشلونة أكثر مما هو معروف في مقر الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم.

وصل إلى كتالونيا في الثالثة عشرة، وبدأ يتدرج في فرق برشلونة السنية. وفي الوقت الذي كانت فيه الأرجنتين تبني منتخباتها السنية من لاعبي بوكا جونيورز وريفر بليت ونيولز أولد بويز وأندية البلاد الأخرى، كان الفتى القادم من روزاريو يعيش على بعد 10 آلاف كيلومتر من منظومة اكتشاف المواهب الأرجنتينية لا تدرك وجوده.

إعلان

أدركت عين الإسبان الخبيرة حجم الموهبة الشاخصة أمامهم.

جينيس ميلينديز، المدرب السابق والمنسق لمنتخبات إسبانيا السنية، كشف في مقابلات أجراها خلال مونديال 2026 أنه حاول إقناع ميسي باللعب لإسبانيا منذ أن كان في الثالثة عشرة. وكان أليكس غارسيا، مدرب ميسي في برشلونة، يحثه على ضمه، بينما استعان ميلينديز بزملاء ميسي في "جيل 1987″، وفي مقدمتهم سيسك فابريغاس وجيرارد بيكيه، لإقناعه. وقال ميلينديز إن الرسائل والمحادثات تكررت، لكن رد ميسي بقي ثابتا: "أريد اللعب للأرجنتين."

والثابت من شهادات مسؤولي الاتحاد الإسباني أنهم سعوا إلى إقناعه بتمثيل منتخباتهم السنية، أما الجنسية الإسبانية فنالها ميسي في سبتمبر/أيلول 2005، بعدما أصبح لاعبا في المنتخب الأرجنتيني الأول، وكان حصوله عليها مرتبطا أيضا بحل مشكلة تسجيله مع برشلونة كلاعب من خارج الاتحاد الأوروبي.

في الأرجنتين، جاءت الإشارة الأولى عبر شريط فيديو.

روى هوغو توكالي، مدرب منتخبات الناشئين، أن مساعد مارسيلو بيلسا كلاوديو فيفاس أعطاه شريط يحتوي على بضع لقطات لصبي أرجنتيني يلعب في برشلونة. شاهد توكالي الشريط أكثر من مرة، وأعجبه ما رآه، لكن القائمة التي ستشارك في مونديال تحت 17 عاما عام 2003 أقرت بالفعل، فلم يستدع ميسي.

دفعت الأرجنتين ثمن التأخير. واجه فريق توكالي إسبانيا في نصف نهائي مونديال الناشئين بفنلندا وخسر (3-2). وبعد المباراة، أخبر أحد أفراد البعثة الإسبانية توكالي بأن وجود "فتى برشلونة" كان سيجعل الأرجنتين أقوى. ثم سمع المدرب الأرجنتيني كلاما أكثر أهمية من رئيس الاتحاد الإسباني آنذاك أنخل ماريا فيار، الذي أخبره، وفق رواية توكالي، بأن إسبانيا حاولت استقطاب ميسي لكنه يريد الأرجنتين.

بدأ التحرك بعدها. ذهب خوسيه بيكرمان إلى إسبانيا لمشاهدة ميسي مع شباب برشلونة. وروى لاحقا أنه خرج من المباراة مقتنعا بأنه أمام لاعب سيصنع مستقبلا كبيرا، وطلب من توكالي الإسراع في استدعائه لأن إسبانيا مهتمة به. وفي أبريل/نيسان 2004 أرسل الاتحاد الأرجنتيني إلى برشلونة طلب استدعاء، أخطأ فيه حتى في كتابة الاسم، فجاء "Leonel Mecci" بدلا من "Lionel Messi".

لم يكن الاتحاد الأرجنتيني يملك وسيلة مباشرة للوصول إلى ميسي أو أسرته في برشلونة. ويروي عمر سوتو، المسؤول السابق عن المنتخبات، أنه خرج بحثا عن دليل هواتف روزاريو وبدأ يتتبع عائلات تحمل اسم ميسي حتى وصل إلى جدته سيليا، ومنها إلى أحد أعمامه، قبل أن يحصل على رقم والده خورخي في إسبانيا. وعندما أخبره بأن الاتحاد يريد استدعاء ابنه، جاء الرد الإيجابي سريعا.

بعد ذلك استُدعي ميسي إلى منتخب (تحت 20 عاما)، ورتب الاتحاد مباراة ودية أمام باراغواي في 29 يونيو/حزيران 2004، في خطوة هدفت أيضا إلى تثبيت ارتباطه بالمنتخب وسط اهتمام إسباني بضمه. بدأ اللقاء على مقاعد البدلاء، ثم شارك في الشوط الثاني وسجل أحد أهداف الفوز 8-0.

اختار الأرجنتين ثم طُلب منه إثبات اختياره

بعد عام واحد، وصل ميسي إلى مونديال الشباب في هولندا. بدأ البطولة بديلا في الخسارة أمام الولايات المتحدة، ثم تحول إلى اللاعب الأهم في الفريق. سجل 6 أهداف، بينها هدفان في النهائي أمام نيجيريا، وقاد الأرجنتين إلى اللقب وحصل على جائزتي أفضل لاعب وهداف البطولة، وبعد أسابيع استدعاه بيكرمان إلى المنتخب الأول.

إعلان

دخل أمام المجر في بودابست يوم 17 أغسطس/آب 2005، أمسك به لاعب مجري من القميص، وحاول ميسي الإفلات بذراعه، سقط اللاعب فأشهر الحكم البطاقة الحمراء. استمرت مباراته الدولية الأولى 47 ثانية فقط.

لكن، رغم البداية المحبطة، وبفضل التألق مع برشلونة كان الطريق إلى كأس العالم معبدا، استدعاه بيكرمان إلى قائمة مونديال ألمانيا 2006، فسجل أمام صربيا والجبل الأسود، وأصبح أصغر أرجنتيني يسجل في المونديال آنذاك. إلا أن الصورة التي بقيت عالقة من البطولة في أذهان الجماهير كانت له جالسا على مقاعد البدلاء بينما تودع بلاده البطولة من ربع النهائي أمام مستضيفة البطولة.

اضطر بيكرمان إلى استبدال الحارس روبرتو أبوندانزييري بسبب الإصابة، ثم أشرك إستيبان كامبياسو وخوليو كروز، وانتهت تبديلاته من دون استخدام ميسي. تقدمت الأرجنتين ثم تعادلت ألمانيا ثم عبرت لنصف النهائي. ودافع بيكرمان بعد المباراة عن قراره قائلا إن خيار ميسي كان مطروحا، لكن اللحظة لم تكن مناسبة في تقديره.

مصدر الصورة ليونيل ميسي محتفلا بهدفه المونديالي الأول في مرمى صربيا ومونتنغرو (غيتي)

بعد عامين فقط، أثبت ميسي ولاءه المطلق للأرجنتين.

كان برشلونة يستعد في صيف 2008 لخوض الدور التمهيدي المؤهل إلى دوري أبطال أوروبا، فيما استدعته الأرجنتين إلى أولمبياد بكين. دخل النادي في نزاع قانوني بشأن إلزامه بإطلاق سراح اللاعب، ووصل الملف إلى محكمة التحكيم الرياضي التي قضت بأن برشلونة غير ملزم بتركه للمشاركة.

ميسي أعلن موقفه قبل حسم القضية، قال إنه يريد الذهاب إلى بكين وإن المشاركة في الألعاب الأولمبية "حلمه" ووافق النادي على انضمامه، وفازت الأرجنتين بالميدالية الذهبية، وعاد ميسي إلى برشلونة بطلا أولمبيا.

هذه الوقائع لم تمنع ظهور رواية أخرى داخل الأرجنتين بعد عامين فقط، رواية تقول إن اللاعب الذي قاوم رغبة ناديه في سبيل المنتخب لا يشعر بقيمة القميص بما يكفي.

الكتالوني الذي لا يردد النشيد

وصل ميسي إلى 2010 وهو أفضل لاعب في العالم وأهم نجوم برشلونة، بينما بقي تأثيره مع المنتخب محل نقاش وجدل دائم. في مارس/آذار من ذلك العام، نشر الصحفي الأرجنتيني كلاوديو ماوري في صحيفة "لا ناسيون" مقالا عن صعوبة علاقة ميسي بالجمهور، وأشار إلى أن بعض الأرجنتينيين كانوا يسمونه استفزازا "الكتالوني". ونقلت الغارديان أن الانتقادات تجاوزت أداءه إلى اتهامه بعدم معرفة النشيد وبأنه يشعر بأنه إسباني ولا يحب قميص المنتخب. أما والده خورخي فقال إن ابنه يتعرض في الأرجنتين لمعاملة أقسى كثيرا مما يلقاه في أوروبا.

كانت المقارنة مع مارادونا حاضرة في خلفية معظم هذه الأحكام.

مارادونا نشأ في قلب الكرة الأرجنتينية، لعب في الحواري قبل أن ينتقل لأرجنتينوس جونيورز وبوكا جونيورز قبل رحيله إلى أوروبا، وقاد المنتخب إلى الظفر بكأس العالم 1986 بشخصية صدامية وصوت حاضر في السياسة والإعلام وغرف الملابس. ميسي غادر البلاد طفلا، وكان قليل الكلام، ونادرا ما يتحدث في القضايا العامة، ويقود غالبا من خلال مستواه الكروي لا شخصيته وأحاديثه.

مصدر الصورة دييغو مارادونا بقميص بوكا جونيورز الأرجنتيني (أسوشيتد برس)

ولهذا تحول اختلاف الشخصية لدى قطاع من الجمهور إلى معيار للحكم على مقدار الانتماء.

في سبتمبر/أيلول 2010، بعد شهرين من خروج الأرجنتين بقيادة المدرب دييغو مارادونا من مونديال جنوب أفريقيا، زار بطل العالم منتخب إسبانيا الأرجنتين وحضر في ملعب المونومنتال. افتتح ميسي التسجيل في الفوز (4-1)، ثم ضرب على صدره وقبّل شعار الاتحاد الأرجنتيني على قميصه. تلقى عند خروجه واحدة من أكبر التحيات التي سمعها حتى ذلك الوقت في بوينس آيرس.

مواجهة الغضب

استضافت الأرجنتين كوبا أميركا 2011، ودخل ميسي البطولة بعد موسم سجل فيه 53 هدفا مع برشلونة وفاز بالدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا. كان المطلوب جماهيريا أن يظهر بنفس مستواه مع برشلونة.

إعلان

تعادلت الأرجنتين مع بوليفيا ثم واجهت كولومبيا في "سانتا في". انتهت المباراة بتعادل سلبي، وخرج اللاعبون على وقع شتائم وصافرات استهجان الجماهير، وكان ميسي في قلب الغضب الجماهيري. بعد المباراة نشب خلاف حاد بينه وبين المدافع نيكولاس بورديسو في غرفة الملابس، في انعكاس لحالة الفريق الذي بدأ البطولة المرشحة الأولى للفوز بها.

وبعد أيام عادت الأرجنتين إلى سانتا في لمواجهة أوروغواي في ربع النهائي، خسرت الأرجنتين بركلات الترجيح وخرجت من البطولة.

في تلك السنوات انتشرت في الصحافة والحوارات الرياضية عبارات مثل "لا يشعر بالقميص" و"بارد المشاعر" لوصف ميسي. أصبحت المسألة أكبر من عدد الأهداف. كان ميسي مطالبا بإثبات شيء لا يظهر في الإحصاءات.

أربع نهائيات بلا كأس

غيّر المدرب أليخاندرو سابيلا موقع ميسي داخل المنتخب حين منحه شارة القيادة بصورة دائمة بعد كوبا أميركا 2011. وفي البرازيل عام 2014، بلغ المنتخب نهائي كأس العالم للمرة الأولى منذ 1990. سجل ميسي 4 أهداف في دور المجموعات وقاد الفريق حتى ماراكانا، ثم خسرت الأرجنتين أمام ألمانيا بهدف ماريو غوتزه في الوقت الإضافي.

حتى جائزة أفضل لاعب في البطولة التي تسلمها ميسي بعد النهائي أصبحت موضوعا للجدل. مارادونا نفسه قال إنه لم يكن يستحقها ورأى أن الكولومبي خاميس رودريغيز كان أحق بها، بينما اعترف رئيس فيفا آنذاك سيب بلاتر بأنه فوجئ بالاختيار. ثم جاءت خسارتان أشد قسوة أمام تشيلي في نهائيي كوبا أميركا 2015 و2016.

في نهائي 2016، أهدر ميسي ركلة ترجيح، قبل أن يجلس قرب مقاعد البدلاء ويبكى، ثم خرج إلى المنطقة المختلطة وأعلن انتهاء مسيرته الدولية.

مصدر الصورة خسرت الأرجنتين نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا بعد مباراة مثيرة (غيتي)

كان قد خسر مع المنتخب الأول نهائي كوبا أميركا 2007، ونهائي مونديال 2014، ونهائيي كوبا 2015 و2016.. قال يومها إن الأمر انتهى بالنسبة إليه.

وعند هذه النقطة حدث تحول مهم في علاقة الأرجنتين به. البلد الذي أمضى سنوات يعايره بمارادونا وينسج الشك حول ولائه، بدأ يخشى فقدانه.

"لا ترحل يا ليو"

في اليوم التالي للاعتزال، ظهرت عبارة "No te vayas Lio" أي "لا ترحل يا ليو" على شاشات ولوحات في بوينس آيرس، وانتشرت على شبكات التواصل. افتتحت سلطات المدينة تمثالا لميسي في "ممشى المجد"، وطالبه رئيس البلاد آنذاك ماوريسيو ماكري بالبقاء، ثم تجمع آلاف المشجعين تحت المطر قرب المسلة الشهيرة في العاصمة مرددين اسمه ومطالبينه بالتراجع عن قراره.

كان المشهد جديدا على الجميع، للمرة الأولى، لم يكن النقاش العام يدور حول ما إذا كان ميسي أرجنتينيا بما يكفي، وإنما حول كيفية إقناعه بألا يترك الأرجنتين، لكن استمرت القطيعة 67 يوما.

زار المدرب الجديد إدغاردو باوزا برشلونة واجتمع به، ثم أعلن ميسي عودته في أغسطس/آب. وفي البيان الذي رافق القرار قال إنه فكر جديا في الرحيل، لكنه يحب بلاده وقميصها أكثر من أن يبتعد. فعاد وسجل هدف الفوز على أوروغواي في أول مباراة، ثم أنقذ المنتخب في التصفيات المؤهلة إلى مونديال روسيا، قبل أن يعيش معه أزمة جديدة في 2018.

في أثناء ذلك المونديال، تحدثت والدته سيليا كوتشيتيني للتلفزيون الأرجنتيني عن أثر الاتهامات القديمة في ابنها. قالت إن الأسرة كانت تسمع من يزعم أنه يأتي إلى المنتخب مجبرا أو أنه "لا يشعر بالقميص"، وأضافت أنها رأته يعاني ويبكي بسبب تلك الكلمات. حاولت الأرجنتين كثيرًا الصمود في ذلك المونديال لكن الواقع فرض نفسه، وخرجت الأرجنتين أمام فرنسا من دور الـ16.

وبدا أن مسيرة ميسي الدولية تتجه إلى نهايتها من دون بطولة كبرى.

ما تغير في 2019

بدأ ليونيل سكالوني بعد مونديال روسيا في بناء منتخب جديد، واستبدل جزءا كبيرا من الجيل السابق بلاعبين أصغر سنا مثل رودريغو دي بول ولياندرو باريديس ولاوتارو مارتينيز. وفي كوبا أميركا 2019 ظهرت نسخة مختلفة من ميسي أمام الجمهور الأرجنتيني.

بعد الخسارة أمام البرازيل في نصف النهائي، لم يغادر صامتا. وقف أمام الصحفيين، احتج على التحكيم وانتقد اتحاد أميركا الجنوبية "كونميبول"، ثم واصل دفاعه عن الفريق بعد مباراة المركز الثالث أمام تشيلي التي طرد منها. كانت تصريحاته حادة إلى درجة أنها بدت بعيدة عن الصورة العامة التي التصقت به طوال سنوات.

رودريغو دي بول، أحد لاعبي الجيل الجديد، قال بعد البطولة إن ميسي "واجه الجميع من أجل المجموعة"، وإنه تحمل مسؤولية الحديث باسم زملائه.

إعلان

هنا بدأت المقارنة مع مارادونا تفقد جزءا من تأثيرها، أصبح لدى المنتخب فريق يتعامل مع ميسي قائدا موجودا بالفعل، لكن الاختبار التالي في ماراكانا.

الكأس من الماراكانا

في 10 يوليو/تموز 2021، واجهت الأرجنتين البرازيل في نهائي كوبا أميركا.

مرر دي بول كرة متقنة خلف الدفاع وسجل أنخيل دي ماريا هدف المباراة الوحيد. عند صافرة النهاية، سقط ميسي على ركبتيه قبل أن يركض إليه زملاؤه ويحيطوا به.

كانت أول بطولة كبرى له مع المنتخب الأول، وأول لقب للأرجنتين منذ 28 عاما.

وبسبب قيود جائحة كورونا، لم تستطع الجماهير الأرجنتينية أن تعيش معه لحظة ماراكانا من المدرجات أو تحتفل في الشوارع، حتى جاء اللقاء المباشر الأول بعد شهرين.

مصدر الصورة فاز ليونيل ميسي بأول لقب دولي له عام 2021 (الفرنسية)

استقبل المونومنتال نحو 20 ألف متفرج في مباراة بوليفيا بتصفيات كأس العالم 2022. سجل ميسي ثلاثية، وتجاوز رقم بيليه في عدد الأهداف الدولية للاعبي منتخبات أميركا الجنوبية آنذاك، ثم حمل كأس كوبا أميركا أمام جماهير بلاده.

قال بعد المباراة إنه انتظر تلك اللحظة طويلا وإن عائلته موجودة في المدرجات لتعيش الفرح بعد سنوات عاشت معه الإخفاقات.

أربعة ملايين في الشوارع

ثم جاء مونديال قطر 2022. وصل ميسي إلى كأس العالم وهو في الخامسة والثلاثين، بعد أن سقط عنه العبء الذي رافقه في البطولات السابقة.

بعد الخسارة المفاجئة أمام السعودية، سجل أمام المكسيك، ثم سجل أو صنع في مراحل خروج المغلوب أمام أستراليا وهولندا وكرواتيا، ووصل إلى النهائي أمام فرنسا.

سجل مرتين في مباراة مثيرة انتهت 3-3، ثم أحرز ركلته الترجيحية، قبل أن يسجل غونزالو مونتييل الركلة التي منحت الأرجنتين كأس العالم للمرة الأولى منذ 1986. فاز ميسي أيضا بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وبعد يومين، عاد المنتخب إلى بوينس آيرس.

قدرت وسائل إعلام محلية عدد الموجودين في الشوارع بنحو 4 ملايين. ازدحمت الطرق والجسور إلى درجة أن حافلة المنتخب لم تستطع الوصول إلى المسلة في وسط العاصمة كما كان مقررا. أوقفت السلطات المسيرة البرية ونقلت اللاعبين إلى مروحيات لاستكمال الجولة من الجو. كانت تلك الصورة تقدم مقياسا ماديا على مدى التحول.

في 2011 خرج ميسي من ملعب "سانتا في" على وقع الصافرات. وفي 2022 تعذر على الحافلة التي تقله التحرك في بوينس آيرس بسبب ملايين الأشخاص الذين خرجوا للاحتفال به وبزملائه.

ليلة الوداع

استمرت الرحلة الناجحة بعد قطر 2022، فازت الأرجنتين بكوبا أميركا مرة أخرى عام 2024، ثم قادها ميسي وهو في التاسعة والثلاثين إلى نهائي مونديال 2026، قبل الخسارة أمام إسبانيا، البلد الذي حاول ضمه إلى منتخباته عندما كان مراهقا.

وبعد أسابيع من الخسارة الرياضية تلقى ميسي ضربة شخصية ثقيلة. توفي والده خورخي في روزاريو يوم 7 أغسطس/آب عن 68 عاما بعد مرض طويل. كان خورخي الرجل الذي رافقه من روزاريو إلى برشلونة طفلا، وأدار جانبا كبيرا من مسيرته لاحقا.

وفي 31 أغسطس/آب أعلن ميسي اعتزاله الدولي، وأوضح أنه كتب مسودة قرار الرحيل بعد نهائي كأس العالم، وأن وفاة والده رسخت القرار.

مصدر الصورة ميسي يودع الأرجنتين برفقة أسرته بعد هدف وصناعتين أمام بنين (رويترز)

لكن بقيت مباراة واحدة، خصصها الاتحاد الأرجنتيني للوداع. ولهذا حملت ليلة بنين معنى يتجاوز قيمة المباراة الودية.

في الدقيقة العاشرة وقف المونومنتال لتحيته. دخل الملعب برفقة أبنائه، وظهر أفراد أسرته في المدرجات. وبعد هدف وصناعتين، تجمع حوله لاعبوه ولاعبو بنين والحكام. أضاءت طائرات مسيرة السماء، ثم تحدث ميسي للجمهور عن والده وعن أكثر من 20 عاما قضاها مع المنتخب. وقال إن التوقف عن الحضور إلى معسكرات الأرجنتين سيؤلمه، وإن ارتداء قميص بلاده كان من أجمل ما عاشه.

وفي النهاية، بدا الوداع كأنه إغلاق لدائرة بدأت بفتى غادر روزاريو بحثا عن فرصة، وانتهت ببلد أدرك متأخرا أن ميسي، مهما ابتعد، لم يغادره يوما.