الإطاحة بعقيلة وصراع النفوذ بين نجلي حفتر.. ما مصير مجلس النواب ومستقبل العملية السياسية؟
دخل مجلس النواب مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عقب الإطاحة بعقيلة صالح وانتخاب الصالحين عبدالنبي رئيسًا للمجلس، في جلسة احتضنتها بنغازي، وسط انقسام بين نواب يقرّون بشرعية التغيير وآخرين يرفضون نتائجه ويتمسكون بشرعية عقيلة.
ويأتي هذا التحول في وقت تتقاطع فيه حسابات مجلس النواب مع صراع أوسع على النفوذ داخل معسكر شرق ليبيا، وما يثار بشأن أدوار متباينة لنجلي خليفة حفتر خالد وصدام في المشهد السياسي المقبل.
ولا تقتصر تداعيات التغيير على هوية رئيس مجلس النواب، بل تمتد إلى مستقبل المؤسسة التشريعية ومسار العملية السياسية برمتها، خصوصًا مع ظهور مواقف رافضة لنتائج جلسة بنغازي، مقابل دعم واضح من صدام حفتر لهيئة الرئاسة الجديدة، ما يطرح تساؤلات على رأسها: هل سيقود التغيير إلى إعادة ترتيب موازين القوى أم إلى انقسام جديد داخل المجلس؟
انتخاب رئاسة جديدة
وفي جلسة مغلقة، أعلن المكتب الاعلامي لمجلس النواب انتخاب الصالحين عبدالنبي العبيدي رئيسًا للمجلس، وطارق الأشتر نائبًا أول، ومصباح دومة نائبًا ثانيًا، إلى جانب استكمال تشكيل مكتب المجلس.
وقال المكتب إن الانتخاب بعد تصويت المجلس، خلال جلسة الإثنين، بـ98 صوتًا على اعتماد نظام الدورات البرلمانية لمكتب هيئة الرئاسة، بحضور 102 من النواب، على أن تستمر دورة المكتب 12 شهرًا، يعقبها انتخاب هيئة رئاسة جديدة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام.
في المقابل، كان عقيلة صالح قد اعتبر جلسة الإثنين غير رسمية، مؤكدًا أنها لا يترتب عليها أي أثر قانوني، كما أعلن إلغاء جلسة الثلاثاء وتأجيلها إلى موعد آخر.
دعوة لجلسة بطرابلس
وفي مواجهة نتائج جلسة بنغازي، أعلن عضو مجلس النواب علي أبو زريبة، إلى جانب عدد من النواب، عدم اعترافهم بشرعية الجلسة وما نتج عنها من إجراءات وانتخاب، معتبرين أنها تمثل، من وجهة نظرهم، مساسًا بالشرعية البرلمانية وفرضًا للأمر الواقع.
وأعلن أبو زريبة عزمهم عقد جلسة برلمانية في طرابلس خلال الأسبوع المقبل، داعيًا النواب إلى المشاركة فيها، على أن يُعلن لاحقًا موعدها ومكان انعقادها رسميًا.
ويفتح هذا الموقف الباب أمام احتمال ظهور مسارين داخل مجلس النواب، في حال تمسك كل طرف بموقفه من شرعية هيئة الرئاسة الجديدة.
“ضربة قاضية لنفسه”
ويرى المحلل السياسي فرج فركاش أن عقيلة صالح عقيلة الآن يعيش في حيرة، فهو إذا قدّم طعنا في إجراءات الجلسات الأخيرة التي أدت إلى إقالته، لدى ما أسماها بـ«المحكمة الدستورية العليا» التي أنشأها في بنغازي، فالغالب أنها لن تحكم لصالحه والسبب معروف، حسب قوله.
وتابع في تدوينة له، أن عقيلة لا يستطيع أيضا تقديم الطعن لدى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، بعدما حاول إنهاءها بقرار فردي غير معترَف به أممياً، مما أدى إلى انقسام القضاء.
وقال إن عقيلة ساهم، من حيث لا يدري، في القضاء على نفسه بضربة قاضية.
قائمة صدام حفتر
من جانبه كشف الناشط السياسي أنس الزيداني، عن تواصل مدير مكتب صدام حفتر، أسامة شرف الدين، هاتفيًا مع عدد من النواب بهدف التصويت للإطاحة بعقيلة صالح وانتخاب قائمة الأسامي المقترحة منه لهيئة الرئاسة الجديدة.
وأوضح الزيداني، في لقاء مع قناة ليبيا الأحرار، أن النواب تلقوا أموالًا من شخصيات مقربة صدام حفتر بينهم تاجر مخدرات معروف في الشرق متحديًا أي نائب للظهور عبر القنوات الإعلامية وتكذيب ما أورده.
وأشار الزيداني إلى أن الرئيس الجديد لمجلس النواب مؤيد لمشروع ويتضمن المبادرة الأمريكية، التي تنص، بحسب ما أورده، على أن يكون صدام حفتر رئيسًا للمجلس الرئاسي.
حسم الأمر
من جانبه، قال عضو مجلس النواب علي الصول، في تصريح للرائد، إن أكثر من 112 نائبا حضروا الجلستين الأخيرتين لمجلس النواب، مؤكدا أن تعديل القانون رقم 4 لسنة 2014 بشأن اللائحة الداخلية للمجلس، حُسم بإضافة مادة تنص على أن تكون الدورة البرلمانية لمدة 12 شهرا.
وتابع أن الجلسة الأخيرة شهدت تنفيذ التعديل من خلال إجراء انتخابات علنية لرئيس المجلس ونائبيه والمقرر ونائبه والمراقبين، وأداء المنتخبين اليمين القانونية خلال الجلسة.
وأكد أن انتخاب هيئة الرئاسة بهذه الآلية حسم الأمر وفقا للقانون والإعلان الدستوري.
عقيلة يهنئ
في المقابل، قال المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، نقلًا عما وصفه بمصدر موثوق، إن عقيلة صالح اتصل بالصالحين عبدالنبي وهنأه بتوليه رئاسة مجلس النواب.
وبحسب إسماعيل، يرفض عقيلة عقد اجتماعات اجتماعية لمناقشة أزمة إقالته، كما يرفض أي وساطة دولية للتدخل في ما جرى داخل البرلمان، إضافة إلى رفضه اجتماع طرابلس الذي دعا إليه أبو زريبة.
وأضاف أن عقيلة لا يؤيد انقسام مجلس النواب، وأنه سيواصل عمله نائبًا بالمجلس ويتعامل مع رئاسته الجديدة بصورة اعتيادية.
خلاف الأخوين
كواليس الإطاحة بعقيلة كشفت عن صراع نفوذ حاد بين نجلي حفتر.
وتشير المصادر إلى أن تيار صدام حفتر يحظى بدعم مباشر من والده وتأييد من الإمارات، ويدفع باتجاه المبادرة الأمريكية ومخرجات لجنة 4+4، وهو التيار الذي أيد حراك النواب ضد عقيلة صالح.
أما تيار خالد وعقيلة صالح فكان يرفض مخرجات لجنة 4+4، ووصل الأمر إلى تدخل وحدات أمنية تابعة لخالد لإغلاق أبواب مجلس النواب في محاولة لمنع جلسة التغيير، قبل أن يحسم حفتر الموقف لصالح خيار صدام ويشترط أن تكون كل الاتصالات مع النواب عبر نجله هذا حصراً.
ترحيب خليفة وصدام
خليفة حفتر ونجله صدام أعلنا دعمهما لمجلس النواب وهيئة رئاسته الجديدة، معتبرين أن اعتماد نظام الدورات البرلمانية وانتخاب هيئة رئاسة جديدة خطوة نحو تعزيز العمل المؤسسي وفاعلية السلطة التشريعية.
خطاب رئيس المجلس
من جانبه، حاول رئيس مجلس النواب الجديد الصالحين عبدالنبي تقديم خطاب يؤكد الاستمرارية المؤسسية، إذ وجّه الشكر إلى هيئة الرئاسة السابقة، وعلى رأسها عقيلة صالح، مشيدًا بما قدمته خلال فترة توليها مهامها.
وأكد عبدالنبي أن أولوياته تتمثل في تعزيز الدور التشريعي والرقابي للمجلس، وترسيخ سيادة القانون، ودعم الحوار والمصالحة الوطنية، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.
وشدد على أن أبواب المجلس ستظل مفتوحة أمام مختلف القوى السياسية والاجتماعية، داعيًا إلى تغليب الحوار والابتعاد عن كل ما من شأنه تعميق الانقسام أو إضعاف مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا المنعطف الذي يمثل مرحلة من مراحل الصراع داخل معسكر شرق البلاد على من سيمثله في أي تسوية سياسية مقبلة ستؤدي لتشكيل سلطة تنفيذية وتقاسم المكاسب مع ممثلي معسكر غرب البلاد، يبدو أن عقيلة لم يكن سوى ضحية جانبية ضرورية، ويبقى السؤال إلى أي مدى ستنجح محاولات الحكومة في طرابلس تقسيم مجلس النواب بعقد جلسة في العاصمة؟ وما مصير مجلس النواب جراء ذلك؟ وما تأثير ذلك في مستقبل العملية السياسية؟