تتزايد التساؤلات والجدل في الوسط الرياضي العالمي حول طبيعة صفقات الرعاية الضخمة التي تبرمها أندية كرة القدم ورموزها؛ إذ يرى نقاد ومراقبون أن بعض هذه الشراكات تتقاطع مع ملفات شائكة تتصل بالمراهنات غير المنظمة، وصناعة الأسلحة، والتجاذبات الجيوسياسية، بينما تعتبرها الأندية استثمارات تجارية مشروعة وضرورية لتغطية نفقاتها المالية المتصاعدة.
وفقا لما كشفه تقرير لصحيفة "لاغازيتا ديللو سبورت" (La Gazzetta dello Sport) الإيطالية، تسببت خطوة تعيين النجم والمدرب الإيطالي أندريا بيرلو سفيرا عالميا لشركة المراهنات الروسية "فونبيت" (Fonbet) في إثارة جدل واسع تجاوز حدود الرياضة ليصبح شأنا سياسيا وأخلاقيا بامتياز في إيطاليا.
وأوضحت الصحيفة الإيطالية أن هذه الشراكة المشبوهة باتت تهدد بتعطيل توليه منصب المدير الفني للمنتخب الأول؛ إذ دفعت الاتحاد الإيطالي لكرة القدم (FIGC) إلى فتح تحقيق وتجميد إجراءات التعاقد لمراجعة أبعاد تلك الشراكة، مما وضع الاتحاد في موقف محرج أمام الرأي العام والجهات الرقابية، وسلط الضوء مجددا على المخاطر التي تحيط بالرياضيين عند الاقتراب من شركات المراهنات العابرة للحدود.
وفي محاولة لتوضيح موقفه، أصدر بيرلو بيانا رسميا عبر حسابه على منصة "إنستغرام" أكد فيه التزامه الدائم بالقوانين والعقود طوال مسيرته كلاعب ومدرب، موضحا أن التعاون مع الشركة نشأ خلال فترة عمله في الإمارات العربية المتحدة وكان ذا طبيعة تجارية ورياضية حصرية.
وقال بيرلو في بيانه: "إن إضفاء أبعاد سياسية على هذا التعاون يعني إسناد قناعات إليّ لم أعبر عنها أبدا ولا أعتنقها… آسف لأن قرارا رياضيا قد تحوّل سريعا إلى سجال عام انتهى بإسناد معان ونوايا إليّ ليست من شيمي، إن حبي لإيطاليا لا يتوقف على منصب"، كما وجّه بيرلو الشكر لباولو مالديني وليوناردو على ثقتهما.
وتضع هذه التطورات الاتحاد الإيطالي في موقف معقد للبحث عن خيارات بديلة، وسط أنباء عن احتمال تقديم مالديني استقالته حال تعثر التعاقد مع الخيار الأول للقيادة الفنية.
لم تكن قضية بيرلو سوى نموذج ضمن حالة أوسع تسلط تقارير صحفية الضوء عليها. ففي أواخر عام 2025، كشف تحقيق استقصائي أجرته قناة "زد دي إف" (ZDF) التلفزيونية العامة في ألمانيا تحت عنوان "مصانع الجريمة"، عن الجذور الإجرامية لعدة مؤسسات تُدار عبر منظمات مشبوهة استخدمت قطاع المراهنات للتغلغل في كرة القدم الأوروبية.
وأظهر التحقيق أن علامات تجارية مثل "أيكس" (Ayx) و"كايون" (Kaiyun) و"شينغ كونغ" (Xing Kong)، ترتبط بأخرى تُدعى "مجموعة يابو سبورتس" (Yabo Sports) -وهي منظمة تقنية صينية تواجه اتهامات مباشرة بتبييض الأموال، والاتجار بالبشر، وانتهاكات حقوق الإنسان.
ورغم هذه الشبهات، نجحت تلك الكيانات في إبرام عقود رعاية مع أندية بارزة في الدوري الألماني مثل: بوروسيا مونشنغلادباخ (الذي كان السبّاق في فسخ العقد فور تكشف الحقائق)، وباير ليفركوزن وبوروسيا دورتموند.
ووفقا للتقرير، تعتمد معظم هذه الصفقات على "وكالات وسيطة" تُعفي الأندية من المسؤولية القانونية المباشرة، مما يسمح لها بتقاضي أموال ضخمة من جهات تظل مقراتها ومُلّاكها الحقيقيون مجهولي الهوية.
ولم تقتصر أزمات الرعاية في ألمانيا على المراهنات، بل امتدت إلى صناعة السلاح، ففي مايو/أيار 2024، وجد نادي بوروسيا دورتموند نفسه في مواجهة غضب جماهيري عارم عقب توقيع عقد رعاية مع شركة تصنيع الأسلحة "راينميتال" (Rheinmetall)، بقيمة 20 مليون يورو (نحو 21.6 مليون دولار) سنويا.
جاءت الصفقة بالتزامن مع ارتفاع أسهم الشركة في البورصة بنسبة تجاوزت 400% على خلفية عقود التسلح المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وقبل أيام قليلة من خوض الفريق لنهائي دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد والذي خسره بنتيجة 0-2.
وأمام ضغط الجماهير التي وصف بعضهم الصفقة بـ"الملايين الملطخة بالدماء"، اضطر رئيس النادي هانز-يواخيم فاتسكه لعرض الأمر على استفتاء شارك فيه نحو 218 ألف عضو، ليصوت أغلبية الأعضاء ضد الاستمرار في الاتفاقية.
تتضاعف الحساسية عندما تتقاطع الرياضة مع الحروب والصراعات المباشرة، فعقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، سارع نادي شالكه 04 الألماني إلى إنهاء شراكته التاريخية مع عملاق الطاقة الروسي "غازبروم" (Gazprom).
كما فسخ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) عقد الرعاية الضخم مع "غازبروم" لإدارة دوري أبطال أوروبا، ونقل المباراة النهائية من مدينة سان بطرسبورغ الروسية إلى العاصمة الفرنسية باريس.
في المقابل، واصلت "غازبروم" -التي يديرها ألكسندر ديوكوف، أحد رجال الأعمال المقربين من الرئاسة الروسية- تمويل أندية أخرى خارج نطاق العقوبات الأوروبية المباشرة، مثل "زينيت سان بطرسبورغ" الروسي و"النجم الأحمر" البلغرادي في صربيا.
تاريخ كرة القدم حافل بالشراكات الغامضة التي تجد طريقها إلى قمصان الأندية الكبرى، ولعل أبرزها تجربة شركة المراهنات الروسية "1XBet":
لا تتوقف حركة المال المشبوه عند المراهنات التقليدية، بل امتدت لتشمل أدوات التداول عالية المضاربة، ففي عام 2025، أعلن نادي إنتر ميلان الإيطالي عن توقيع عقد مع منصة "أولتيما ماركتس" (Ultima Markets) كشريك تداول آسيوي، وهي منصة تعمل في مجال عقود الفروقات (CFDs) بأسواق غير منظمة داخل الاتحاد الأوروبي وتفتقر لترخيص هيئة الأوراق المالية الإيطالية "كونسوب" (CONSOB).
كما واجه نادي سلتيك غلاسكو الأسكتلندي انتقادات لاذعة بسبب استمرار شراكته مع شركة "دافابت" (Dafabet) للمراهنات الإلكترونية، والتي تُصنف كيانا غير قانوني في عدة دول أوروبية.
تُثبت أزمة أندريا بيرلو أن الحدود بين التدفقات المالية المشروعة والمصادر المعقدة أصبحت دقيقة للغاية؛ فبينما يرى خبراء اقتصاد رياضيون أن الأندية والرياضيين يقعون تحت ضغوط العوائد المالية، يشدد النقاد على ضرورة صياغة أطر أخلاقية حازمة تحمي الرياضة من التحول إلى غطاء للأنشطة غير المنظمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة