لم تكن صافرة نهاية مباراة نصف نهائي كأس العالم 2026 في أتلانتا، والتي انتهت بفوز الأرجنتين على إنجلترا (2-1)، مجرد إعلان عن تأهل "الألبيسيليستي" إلى النهائي الكبير؛ بل كانت الشرارة التي أعادت إحياء أحد أعقد الصراعات الجيوسياسية في العصر الحديث.
فقد انتقل التوتر سريعاً من ملعب "مرسيدس بنز" إلى المياه الإقليمية الساخنة في جنوب المحيط الأطلسي.
بينما كانت الجماهير الأرجنتينية تحتفل بالإطاحة بـ "الأسود الثلاثة" من المونديال، اختار لاعبو الأرجنتين توجيه رسالة سياسية مباشرة من قلب الملعب. حيث رفع اللاعبون لافتة تضامنية أمام آلاف المشجعين وكاميرات البث العالمي كُتب عليها بخط عريض: "جزر فوكلاند أرجنتينية" (Las Malvinas son Argentinas).
هذه الخطوة أعادت إلى الأذهان الحساسية التاريخية المفرطة بين البلدين منذ حرب عام 1982، وأثبتت أن المواجهات الكروية بين الطرفين لا يمكن تجريدها من إرثها السياسي والسيادي المعقد.
بعد ساعات قليلة من الفوز الكروي في أتلانتا، أعلنت الحكومة الأرجنتينية عن أزمة سيادية جديدة في البحار.
ففي بيان رسمي شديد اللهجة صدر مساء الأربعاء، اتهم وزير الخارجية الأرجنتيني، بابلو كيرنو، البحرية الملكية البريطانية بـ"توغل عسكري غير قانوني" في المياه الإقليمية الأرجنتينية.
وأوضح البيان أن سفينة الدورية البريطانية "إتش إم إس ميدواي" من فئة "ريفر" والمتمركزة في جزر فوكلاند، قد اخترقت الحدود البحرية للبلاد في أوائل يوليو/تموز دون الحصول على موافقة أو إذن مسبق، وهو ما دفع بوينس آيرس لتقديم مذكرة احتجاج رسمية وعاجلة إلى السفارة البريطانية للتعبير عن أشد درجات الرفض لهذا التحرك العسكري.
وفي المقابل، سارعت الحكومة البريطانية عبر المتحدث الرسمي باسم مقر رئاسة الوزراء في لندن إلى نفي هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدة أن التحرك لم يكن سوى زيارة لوجستية روتينية واعتيادية جرى إخطار الجانب الأرجنتيني بها مسبقاً.
وأوضحت لندن أن السفينة الحربية كانت في طريقها لدعم عمليات الاستكشاف والبحث العلمي البريطاني في القطب الجنوبي ونقل معدات حيوية وإمدادات أساسية إلى تشيلي في الفترة ما بين الخامس والثامن يوليو/تموز، مع التشديد على أن البحرية الملكية تعمل دائماً وفقاً لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات المنظمة للملاحة البحرية.
وشدد المتحدث البريطاني على أن الشحنة نُقلت من جزر فوكلاند إلى تشيلي عبر أقصر المسارات المتاحة مع مراعاة متطلبات السلامة والظروف الجوية لضمان التسليم في الوقت المحدد.
تأتي هذه الأزمة السياسية والدبلوماسية المتصاعدة لتؤكد أن ملف "جزر فوكلاند" (التي تسميها الأرجنتين جزر المالوين) لا يزال قنبلة موقوتة قابلة للانفجار عند أي احتكاك:
ومع انتهاء المعركة الكروية بفوز الأرجنتين وتأهلها لنهائي كأس العالم، يبدو أن جولة الصراع السياسي والدبلوماسي بين لندن وبوينس آيرس قد بدأت للتو خارج حدود الملاعب.
المصدر:
الجزيرة