آخر الأخبار

من ضواحي باريس إلى أزقة لندن.. لغز "المربعات السكنية" التي تحكم كرة القدم العالمية

شارك

قبل نحو عقد، اعتبر المدرب الفرنسي الشهير أرسين فينغر أن منطقة ضواحي باريس هي ثاني أكبر خزان للمواهب الكروية بعد ساو باولو.

اليوم، قد يكون ذلك الترتيب غير قائم؛ فضواحي العاصمة الفرنسية تحولت إلى صدارة المشهد الكروي العالمي في "الإنتاج المكثف" للمواهب، ليس على مستوى دولة، بل داخل رقعة جغرافية ضيقة والأمر يكاد ينطبق على جنوب لندن في بريطانيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 إصابات أرسنال.. أزمة حقيقية أم استراتيجية دفاعية لمواجهة موسم طويل؟
* list 2 of 2 موعد مباراة ريال مدريد ضد ريال مايوركا في الدوري الإسباني والقنوات الناقلة end of list

من المساحات الخرسانية خرجت أسماء مثل بول بوغبا وكيليان مبابي ونغولو كانتي وكينغسلي كومان ورحيم ستيرلينغ، إضافة إلى نجوم من أصول أفريقية وعربية مثل رياض محرز وياسين براهيمي وأديمولا لقمان.

والأهم أن هذه الظاهرة لم تعد تخص فرنسا فقط، بل تمتد لتغذية منتخبات مثل المغرب والسنغال والجزائر.

ضواحي باريس.. الملاعب الإسفلتية بدل الأكاديميات

في ضواحي باريس، المعروفة بكثافتها السكانية وكونها مناطق من طبقات اجتماعية بسيطة، لا يبدأ الطفل دائما مسيرته في أكاديمية فاخرة أو ملعب رسمي، بل غالبا في ساحة ضيقة بين عمارتين، حيث ملعب صغير بإطار حديدي وأرضية قاسية مليئة بالحفر.

هذه الملاعب غير الرسمية تعرف باسم كرة الشوارع، وتتميز بعدم وجود مدرب أو قواعد صارمة، ويكون اللعب غالبا 1 ضد 1 أو 3 ضد 3، مع معاقبة الأخطاء مباشرة بخسارة الكرة أو الخروج من اللعب، دون وقت محدد أو جدول تدريبات.

نتيجة لهذه البيئة، يتعلم اللاعب عمليا مهارات أساسية مثل التمرير السريع، والمراوغة الذكية، واتخاذ القرارات الفورية، إذ إن أي خطأ يعني خسارة الدور في اللعب وليس مجرد فقدان تمريرة.

اللاعب الذي ينشأ في هذه البيئة يكتسب ردود فعل سريعة نتيجة اللعب في مساحات ضيقة، وتحكما فرديا عاليا بالكرة، كما يتعلم مواجهة الضغط وحل المشكلات بنفسه دون توجيه من مدرب، مما يعزز الإبداع والذكاء الكروي.

هذه الأجواء الفريدة جعلت ضواحي باريس تُعرف كمصنع حديث لمواهب كرة القدم، إذ تعتبر أحد أهم مصادر اللاعبين الفنيين في أوروبا.

إعلان

في الفيديو التالي يظهر النجم الجزائري رياض محرز في بداياته الأولى -مع نادي سارسيل الهاوي عام 2008 الذي تبنى موهبته من الشارع-، حيث شارك المقطع على صفحته الرسمية على موقع الفايسبوك.

ويؤكد كبير الكشّافين في نادي باريس سان جيرمان، بيير رينو، لموقع سكاي سبورتس: "الجميع يعلم أن أفضل بيئة لتنشئة المواهب الشابة موجودة هنا".

وتستقطب هذه الأحياء الكشّافين من مختلف أنحاء أوروبا، لمتابعة مباريات فرق الشباب، حيث تضطر الظروف الضيقة والضغط المستمر اللاعبين إلى اتخاذ قرارات سريعة وإتقان مهاراتهم منذ سن مبكرة.

ورغم الصورة العفوية، فإن النجاح ليس صدفة بالكامل. فكل ضاحية تقريبا تضم ناديا محليا ممولا من الدولة، بمدربين معتمدين. ومن هناك تبدأ عملية الفرز.

أندية مثل باريس سان جيرمان تراقب كل شيء. المواهب تُلتقط مبكرا، تُنقل إلى أكاديميات، ثم إلى مراكز نخبوية مثل كليرفونتين، حيث يُصقل اللاعب تكتيكيا وبدنيا.

هكذا وُلد نموذج مثل كيليان مبابي: لاعب شارع بمهارات فطرية، لكنه مُعاد تشكيله داخل أفضل منظومة تدريب في العالم.

كما هو الحال مع مصنع النجوم في بلدة صغيرة مثل "ليه أولي" (Les Ulis)، المعزولة حتى عن شبكة القطارات، خرجت أسماء مثل تييري هنري وأنتوني مارسيال وباتريس إيفرا.

بعيدا عن باريس.. جنوب لندن نموذج ثان

بعيدا عن ضواحي باريس، هناك نموذج آخر يسترعي الانتباه في جنوب لندن، وكشف تقرير لصحيفة غارديان (Guardian) أن مناطق مثل لويشام وبروملي وبيكهام تحولت إلى ما يشبه مصنعا للمواهب الكروية التي قدمتها كرة القدم الإنجليزية عبر عقود، خصوصا من بين اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية والكاريبية.

جنوب لندن لم يخرج هذه المواهب فجأة، بل إنها نتاج أجيال من المهاجرين الذين جاءوا من الكاريبي وأفريقيا للعمل وبناء حياة جديدة في بريطانيا منذ الستينيات والسبعينيات، وجلبوا معهم حب كرة القدم الذي نقلوه لأبنائهم، فشكلت اللعبة وسيلة للتعبير عن الذات والانتماء.

بدأ هؤلاء اللاعبون، لعب كرة القدم في شوارع ضيقة وساحات أحياء صغيرة وملاعب إسمنتية، حيث تعلموا التحكم الفردي واتخاذ القرارات تحت الضغط. هذه الملاعب غير الرسمية كانت مسرحا لتطوير المهارات المبكرة، من مراوغات سريعة إلى تعاون تكتيكي عفوي بين اللاعبين.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الخبرة الميدانية إلى جسر يربط أندية الحي مثل كريستال بالاس وتشارلتون بمستوى الاحتراف في الدوري الإنجليزي الممتاز.

المنطقة أنجبت العديد من الأساطير مثل إيان رايت الذي بدأ لعبه في ملاعب الحي قبل أن يصبح أحد أفضل هدافي نادي آرسنال، وديفيد روكاسل من منطقة أونور أوك الذي لعب أيضا لآرسنال، وريو فيرديناند الذي حمل لواء الدفاع الإنجليزي ونادي مانشستر يونايتد فيما بعد.

ولم يتوقف الأمر عند جيل واحد؛ بل استمر إرث جنوب لندن كمسار متواصل من الأجيال، بدءا بكبار لاعبي الماضي ووصولا إلى مواهب اليوم مثل أفضل لاعب في إفريقيا لعام 2024 أديمولا لوكمان الذي فضل في النهاية تمثيل نيجيريا إضافة إلى ظهير ليفربول جو غوميز وغيرهم من اللاعبين الذين تربوا في هذه الأحياء وحملوا شعلة اللعبة إلى المستوى الدولي.

مصدر الصورة ملاعب أحياء جنون لندن التي أنجبت نجوما كبارا في كرة القدم الإنجليزية (مواقع التواصل الاجتماعي)

سيكولوجية "الجوع" أو الهروب عبر الكرة

حين سئل بول بوغبا في مقابلة مع شبكة "إي إس بي إن" (ESPN) عن سر التدفق المستمر للمواهب الكروية من ضواحي باريس، اكتفى بجملة مقتضبة: “لأنه لا يوجد سوى كرة القدم”، في توصيف يعكس واقعا اجتماعيا ورياضيا معقدا في آن واحد.

إعلان

وتشير معطيات ميدانية إلى أن أحياء إيل دو فرانس، التي تضم العاصمة باريس وضواحيها، تحولت إلى بيئة حاضنة لإنتاج اللاعبين، حيث لا تمارس كرة القدم بوصفها نشاطا ترفيهيا، بل كخيار حياة ومسار للخروج من محدودية الفرص الاقتصادية والاجتماعية.

في هذه المناطق، لا يرتبط تكوين اللاعب بالالتحاق المبكر بالأكاديميات، بل يبدأ من الشارع. أطفال يقضون ساعات طويلة يوميا في اللعب، قبل المدرسة وبعدها، وفي مساحات ضيقة تفرض عليهم تطوير مهاراتهم بشكل سريع وتنافسي. هذا التراكم العفوي في عدد ساعات اللعب يقربهم عمليا من مفهوم قاعدة 10000 ساعة، لكن في سياق مختلف يعتمد على التحدي اليومي لا التدريب المنهجي.

وتبرز في هذه البيئة عناصر غير تقليدية في صناعة اللاعب، إذ يصبح "الجوع" – بمختلف أشكاله – المحرك الأساسي للتطور، سواء كان جوعا لإثبات الذات، أو للهروب من واقع صعب، أو للبحث عن فرصة في عالم محدود الخيارات.

ويؤدي هذا الواقع إلى تشكيل نمطين مختلفين من اللاعبين: لاعب نشأ في الضواحي، يلعب بدافع الوصول، حيث تتحول كل لمسة إلى اختبار، وكل مباراة إلى فرصة للبقاء في دائرة المنافسة. في المقابل، يتكون لاعب الأكاديمية ضمن بيئة منظمة، هدفها التطوير التدريجي عبر برامج تدريبية واضحة وتوجيه مستمر.

مصدر الصورة بول بوغبا نجم منتخب فرنسا الفائز ببطولة كأس العالم 2018 (غيتي)

هذا التباين ينعكس على خصائص اللاعبين، إذ يتميز خريجو أحياء الضواحي بقدر أكبر من الشراسة والجرأة والاستعداد للمخاطرة، مقابل انضباط تكتيكي أعلى لدى لاعبي الأكاديميات.

ورغم ذلك، فإن ما يمنح أبناء الضواحي أفضلية نسبية هو وصولهم إلى الأكاديميات وهم يحملون بالفعل عناصر يصعب تعليمها، أبرزها روح القتال والتنافسية العالية. وبحسب مراقبين، فإن اللاعب الذي يخرج من هذه البيئة لا يمثل فقط نتاج منظومة تدريبية، بل خلاصة تجربة معيشية كاملة، تبدأ من ملاعب إسمنتية ضيقة وتنتهي في أعلى مستويات كرة القدم العالمية.

وفي تصريحات نقلها موقع "شبيغال أنترناسيونال" يقول عالم الاجتماع جوليان برتران "إن العائلات من الطبقات الوسطى والعليا لا تدفع أبناءها نحو كرة القدم، خوفًا من البيئة المحيطة. ويفضلون رياضات مثل السباحة أو الجودو"، فكرة القدم، في المخيال الفرنسي، تُشاهد من مسافة آمنة لكنها لا تُعاش.

لهذا، غالبًا ما يكون أبناء المهاجرين الأفارقة هم من يصعدون في هذا المجال الذي تقدر قيمته بالملايين. لكن هذا الصعود ليس بسيطًا. فهم يعيشون ازدواجية قاسية: ينتمون إلى عالمهم الأصلي، وفي الوقت نفسه يُقذفون إلى عالم مختلف تمامًا في القيم ونمط الحياة.

الهجرة العكسية نحو إفريقيا

في تشكيلة منتخب فرنسا لبطولة يورو 2024 كان لافتًا أن 13 من بين 25 لاعبًا في القائمة وُلدوا أو لهم صلة مباشرة بمنطقة "إيل دو فرانس" التي تضم باريس وضواحيها، ما يعكس الدور الكبير الذي تلعبه هذه المنطقة كمصدر للمواهب الكروية في فرنسا والعالم.

ومن بين هؤلاء الأسماء البارزة كيليان مبابي وويليام ساليبا، اللذين يُعدان من أفضل اللاعبين في مراكزهما على مستوى العالم، وقد برزا في السنوات الأخيرة كعادَة للاعبين نشأوا في ضواحي باريس قبل أن يصنعا أسماءهما الكبيرة في كرة القدم الأوروبية.

وتشير الخلفية التاريخية إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ سبق للعديد من الأساطير مثل تييري هنري وباتريس إيفرا ولويس سها ونيكولا أنيلكا وبول بوغبا أن استفادوا من نفس البيئة الكروية في ضواحي باريس قبل أن يحققوا نجاحات لافتة مع المنتخب الفرنسي والفرق الكبرى في أوروبا.

لكن تأثير إيل دو فرانس يتجاوز حدود المنتخب الفرنسي وحده، إذ تُظهر البيانات أن المنطقة تستقطب ما يقرب من 40% من إجمالي السكان المهاجرين في فرنسا، نصفهم من أصول أفريقية، مما جعلها أرضًا خصبة لاكتشاف المواهب التي تختار في كثير من الأحيان تمثيل منتخبات موطن الأصل بدلًا من منتخب التكوين في فرنسا.

إعلان

وقد انعكس هذا الأمر بوضوح في بطولات كبرى، حيث ولّدت إيل دو فرانس أكبر عدد من اللاعبين مقارنة بأي منطقة أخرى في كأس العالم 2022 وكذلك في كأس أمم أفريقيا 2023 التي تُوّجت بها كوت ديفوار، وكان لدى الأخير ستة لاعبين أساسيين في النهائي نشأوا في شوارع باريس.

هذا التداخل بين الهوية الفرنسية والأصول المتعددة ظهر جليًا في منتخبات مثل الجزائر والمغرب والسنغال، التي تعتمد بشكل كبير على لاعبين وُلدوا وتكوّنوا في فرنسا أو في أطرها الكروية.

في مونديال عام 2014، كان أغلب منتخب الجزائر من مواليد فرنسا كمثال بارز على ذلك هو رياض محرز، الذي ولد في فرنسا وتقمّص القميص الجزائري، إلى جانب عشرات الأسماء التي تمثل "منتخبات الأصل" في البطولات الكبرى، ما يعكس الدور المزدوج الذي تلعبه "ضواحي باريس" في صناعة نجوم كرة القدم سواء لصالح الديوك الفرنسية أو منتخبات أخرى تستفيد من الثروة البشرية التي أنتجتها شوارع العاصمة الفرنسية.

هل يقتل الذكاء الاصطناعي "فطرة الشارع"؟

اللاعبون الذين نشأوا في ضواحي باريس أو جنوب لندن، مثل كيليان مبابي ورياض محرز، لم تُصنع مهاراتهم في ملاعب خضراء فاخرة، بل في أزقة ضيقة وساحات أسمنتية ومساحات ضغط متواصل.

في هذه البيئة الصعبة، تتعلم القدم الصغيرة التحكم الفردي بالكرة، وسرعة اتخاذ القرار، والمراوغة تحت الضغط دون أي توجيه من مدرب، وهي خبرة تُعرف بـ "فطرة الشارع".

اليوم، ومع تطور الذكاء الاصطناعي والتدريب الأكاديمي الصارم، بدأ العالم الكروي يتساءل: هل يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيل هذه العملية بالكامل؟ ففي أكاديميات كرة القدم الحديثة، يعتمد التدريب على تحليل البيانات الضخمة لتقييم أداء اللاعب بدقة، والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتحركات والتكتيك، بالإضافة إلى جداول تدريب صارمة ومقاييس دقيقة لكل تمريرة ولمسة .

وبينما تحسن هذه الأساليب الأداء الفردي وتقيس الأخطاء بدقة، يفقد اللاعب أحيانًا عنصر الفطرة العفوية والابتكار تحت الضغط الحقيقي، وهو ما ميز لاعبي الضواحي المعتمدة كما اسلفنا على المبادرة اللحظية، والإبداع في المواقف غير المتوقعة، والمراوغة داخل مساحات ضيقة لا يمكن محاكاتها بسهولة في بيئة خاضعة للذكاء الاصطناعي.

مصدر الصورة كيليان مبابي لاعب متفرد جمع بين اللعب في الضواحي واستفاد من التكوين الأكاديمي الانضباطي لاحقا (الفرنسية)

ويشير جوليان برتراند، عالم الاجتماع الرياضي في جامعة غرونوبل، إلى أن: "الذكاء الاصطناعي والأكاديميات الحديثة يُنتجان لاعبين فنيين دقيقين، لكن البيئة الصعبة للشوارع تمنح مهارات غير قابلة للقياس بالبيانات، مثل الإبداع وحل المشكلات تحت الضغط"

وفي المحصلة، يبدو أن مستقبل المواهب سيصبح مزيجا بين الدقة العلمية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والإبداع العفوي الذي تولده البيئات الحضرية الضاغطة.

والسؤال الذي يواجه كرة القدم سيبقى مفتوحا والمستقبل وحده من سيجيب عنه : هل ستستطيع الأكاديميات والتكنولوجيا إعادة إنتاج فطرة الشارع، أم ستظل ضواحي باريس ولندن المختبر الطبيعي الوحيد لمواهب المستقبل؟.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا