آخر الأخبار

كائن صغير خارق يعيش بحقول الأرز يتغذى على الكهرباء وينقذ الكوكب من التلوث

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في سياق البحث المستمر عن حلول عملية ومبتكرة لمواجهة أزمة المناخ المتصاعدة وتقليل الانبعاثات الكربونية الضارة في الغلاف الجوي، تتجه الدراسات العلمية الحديثة نحو استكشاف القدرات الخفية للكائنات الحية الدقيقة وتوظيفها في تقنيات الطاقة النظيفة.

في إنجاز علمي دولي بارز، نشرت دراسة حديثة منشورة في دورية "إنرجي أند إنفايرومينت نيكسس" شارك فيها باحثون من جامعة غوانغدونغ للتكنولوجيا في الصين بالتعاون مع أحد باحثي المركز القومي للبحوث في مصر، حيث رصدت قدرات فريدة ومذهلة لنوع جديد من البكتيريا "يأكل" الكهرباء، ويمكنه العمل كموصل حيوي كفء ومصنع مجهري في الوقت ذاته.

يقول الدكتور طارق قابيل، عضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية بكلية العلوم جامعة القاهرة في مصر، وغير المشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت "في الحالة الطبيعية، تأكل الكائنات الحية السكر للحصول على الإلكترونات أو الطاقة. لكن البكتيريا المُقوّسة الكبريتية القاع أرضية تستعيض عن السكر بالقطب الكهربائي. حيث تلتصق البكتيريا بسطح القطب الكهربائي، وتبدأ بسحب الإلكترونات منه مباشرة".

مصدر الصورة الخلايا البكتيرية التي عمل العلماء على دراستها (الفريق البحثي)

مختبرات الطبيعة

تعيش هذه البكتيريا، المعزولة بعناية من تربة مزارع الأرز، عادة في بيئات طينية مشبعة بالماء وخالية تماما من الأكسجين، مما يؤهل حقول الأرز لتعمل كمختبرات طبيعية مثالية لنمو كائنات تعتمد في بقائها ونموها على آليات تنفس بديلة للحصول على الطاقة.

ورغم كشف المجتمع العلمي منذ سنوات عن وجود أنواع من البكتيريا ذات خصائص كهربائية قادرة على تبادل الشحنات، فما يميز البكتيريا المقوسة هو كفاءتها العالية في عملية التبادل الإلكتروني ثنائي الاتجاه، وقدرتها الفائقة والمستقرة على تحويل غاز ثاني أكسيد الكربون إلى مواد خام أساسية يمكن استغلالها صناعيا.

إعلان

ويشرح الدكتور قابيل "بمجرد دخول الإلكترونات إلى جسم البكتيريا، تُستخدم كوقود لتشغيل مصنع داخلي يقوم بدمج جزيئات ثاني أكسيد الكربون مع بعضها البعض لإنتاج مادة الأسيتات (الخل) وهي مركب عضوي غني بالطاقة تعيش عليه البكتيريا. الأمر يشبه سيارة كهربائية لا تحتاج لبنزين، بل تشحن بطاريتها مباشرة من القابس لتتحرك".

وتمتلك البكتيريا المقوسة قدرة طبيعية مذهلة تشبه امتلاك أسلاك نانوية بيولوجية غير مرئية تمتد من داخل جدار الخلية إلى البيئة الخارجية المحيطة بها. وهذه الأسلاك ليست مصنوعة من معادن موصلة بالطبع بل تتكون من شبكة معقدة من البروتينات المتخصصة والسيتوكرومات التي تعمل كمحطات دقيقة لتقوية ونقل الشحنات عبر غشاء الخلية الخارجي.

يقول الأكاديمي المصري "السيتوكرومات هي بروتينات متخصصة تحتوي على ذرات حديد، تعمل كأسلاك توصيل حيوية لنقل الكهرباء عبر غشاء الخلية. تحتاج معظم البكتيريا الكهربائية الأخرى لوسيط كيميائي (لنقل الشحنة) لكن هذه البكتيريا تمتلك نظاما مباشرا. أي أن نظام السيتوكروم لديها متطور لدرجة أنه يعمل في الاتجاهين (استيراد وتصدير الشحنة) بكفاءة لا توجد في الأنواع المكتشفة سابقا".

ويتيح هذا النظام البديع مرور الإلكترونات بسلاسة وبأقل قدر ممكن من فقدان الطاقة. ولإثبات مسارات هذه الكابلات البيولوجية استخدم العلماء مواد محددة تعيق حركة الإلكترونات، واكتشفوا من خلالها أن البكتيريا تستخدم مسارات بروتينية مختلفة ومستقلة تماما تبعا لاتجاه تدفق التيار الكهربائي.

توليد البكتيريا للكهرباء

لفهم إمكانيات هذه السلالة الميكروبية، اختبر الباحثون قدرتها على توليد الكهرباء. ففي هذا الوضع المتميز تعمل البكتيريا كمنتج ومولد للكهرباء، حيث تتخلص من الإلكترونات الزائدة عن حاجتها وتوجهها إلى مواد صلبة خارج الخلية. في الطبيعة القاسية، وتفكك هذه البكتيريا معادن الحديد أو الصدأ للحصول على الطاقة اللازمة لاستمرار حياتها.

وقد أظهرت التجارب المخبرية المكثفة أن البكتيريا المقوسة قادرة على تفكيك نحو 68% من معادن الحديد الصلبة المتوفرة في بيئتها خلال فترة قياسية لم تتجاوز الأسبوع، وذلك بشكل مباشر كليا ودون الحاجة إلى إفراز جزيئات كيميائية مساعدة لنقل الشحنات.

وعندما وضعت هذه البكتيريا في نظام تفاعل حيوي مكهرب يحتوي على أقطاب من الجرافيت، أثبتت كفاءتها على توليد تيار كهربائي مستقر بكثافة عالية، مما يؤكد كفاءتها كبطارية حيوية.

ويضيف الدكتور قابيل "أظهرت تلك البكتيريا سرعة نقل شحنات تضاهي أبطال العالم في الميكروبيولوجيا الكهربائية. يعود ذلك لامتلاكها كثافة عالية من بروتينات السيتوكروم على سطحها، مما يقلل المقاومة الكهربائية أثناء التفاعل".

ومع ذلك يوضح الباحثون أن توليد الكهرباء في هذه التجربة كان مجرد وسيلة ضرورية لفهم طرق عملها وتأكيد موصليتها الكهربائية، في حين يكمن الهدف التطبيقي الأهم بيئيا في قدرتها العكسية على استهلاك هذه الكهرباء. إذ يمثل الاتجاه المعاكس لتدفق الكهرباء التطبيق الأهم على المستوى البيئي والصناعي.

المفاعل الحيوي البكتيري

عندما زود الباحثون الأقطاب الكهربائية المحيطة بالبكتيريا بتيار مستمر، تكيفت خلاياها تدريجيا لسحب الإلكترونات من القطب الكهربائي واستخدامها كمصدر نقي للطاقة البديلة. وفي الوقت نفسه تخلت البكتيريا عن مصادر غذائها المعتادة واستخدمت غاز ثاني أكسيد الكربون كمصدر وحيد للحصول على عنصر الكربون اللازم لبناء موادها الخلوية الأساسية.

إعلان

ويعود الدكتور قابيل ليقول "عندما تتوفر معادن مشحونة، تثبت هذه البكتيريا الكربون وتحوله لغذاء، مما يمنع تصاعد غازات الاحتباس الحراري بشكل مفرط. يمكننا استزراعها في مفاعلات حيوية كهربائية لمكافحة تلوث الجو، حيث نضخ ثاني أكسيد الكربون لهذه البكتيريا مع تيار كهربائي بسيط (من ألواح شمسية مثلا) لتقوم هي بتحويله إلى بلاستيك حيوي، ووقود، أو منظفات كيميائية".

وليست مادة الأسيتات الناتجة عن هذا التفاعل مجرد نفايات ميكروبية يتخلص منها الكائن الحي بل كتلة بناء أساسية ومادة خام إستراتيجية تدخل في صميم صناعة العديد من المنتجات التجارية التي نستخدمها في حياتنا اليومية مثل البلاستيك الحيوي والمواد اللاصقة والألياف النسيجية والمذيبات الصناعية.

ويتعجب الدكتور قابيل بقوله "هذه البكتيريا لا تموت إذا انقطع التيار الكهربائي! بل لديها خطة بديلة، حيث تتحول فورا لاستهلاك المواد العضوية المتاحة حولها. هذه القدرة على التبديل الأيضي تجعلها مثالية للاستخدام مع مصادر الطاقة المتجددة (مثل الشمس والرياح) التي تتسم بكونها متقطعة وغير مستقرة، فهي تعمل حين تشرق الشمس، وتنتظر بهدوء حين تغيب دون أن تفقد حيويتها".

ويؤكد الباحثون في مخرجات دراستهم أن هذا النظام البكتيري المزدوج يفتح آفاقا علمية وتطبيقية واسعة تدعم مساعي الاقتصاد الدائري للكربون. وتتبلور الرؤية المستقبلية الطموحة لهذا الحقل العلمي في تصور تصميم مفاعلات حيوية ضخمة توضع يوما ما بالقرب من مداخن المصانع الكبرى ومحطات الطاقة، وتعمل بكهرباء نظيفة تماما تأتي من مصادر متجددة كالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار