منذ أن رصد الفلكيون عام 2000 الانفجار النجمي المعروف باسم "في 445 الكوثل" (V445 Puppis)، ظل هذا الجرم واحدا من أكثر الأجسام غموضا في مجرة درب التبانة. فقد أخفى غبار كثيف مصدر الانفجار الحقيقي لأكثر من عقدين، مما حال دون فهم طبيعة النظام النجمي الذي ولّده.
واليوم، نجح فريق دولي من علماء الفلك، مستفيدا من قدرات تلسكوب هابل الفضائي وعدد من المراصد الأرضية والفضائية، في كشف أسرار هذا الانفجار النادر، ليعلن عن اكتشاف غير مسبوق يتمثل في "رصاصات كونية" تنطلق بسرعات هائلة، إلى جانب تحديد طبيعة النظام النجمي المسؤول عن هذا الحدث الفريد.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة لفهم أحد أندر أنواع الانفجارات النجمية، كما قد يساعد العلماء على تفسير كيفية نشوء بعض انفجارات المستعرات العظمى التي يعتمد عليها الفلكيون في قياس أبعاد الكون.
اعتمد الباحثون على بيانات تلسكوب هابل الفضائي، وقمر "تيس" (TESS) التابع لوكالة ناسا، والتلسكوب الكبير جدا في تشيلي، إضافة إلى مجموعة من المراصد الأخرى، لدراسة النظام بعد أن تلاشت سحابة الغبار التي ظلت تحجبه لأكثر من عشرين عاما.
وخلال هذا الرصد، اكتشف الفريق كتلا كثيفة من الغاز الغني بالأكسجين على الأرجح، تنطلق بسرعة تقارب 32 مليون كيلومتر في الساعة، وأطلق عليها العلماء اسم "الرصاصات الكونية" بسبب سرعتها وشكل اندفاعها.
وقال جون ميلز، الباحث في جامعة ووريك البريطانية: "إن أصل هذه الرصاصات لا يزال لغزا، ونعتقد أنها تشكلت بعد الانفجار، لكن لم يسبق أن رُصدت أجسام مشابهة حول أي مستعر جديد آخر".
ويؤكد العلماء أن هذه الظاهرة لم تُشاهد من قبل في أي انفجار نجمي من هذا النوع، ما يجعل النظام فريدا بين جميع الأنظمة المعروفة.
أظهرت الدراسة أن "في 445 الكوثل" ليس مستعرا جديدا عاديا، بل هو مستعر هيليومي (Helium Nova)، وهو أندر أنواع المستعرات الجديدة المعروفة في مجرتنا، والوحيد المؤكد حتى الآن.
ويحدث هذا النوع عندما يقوم قزم أبيض، وهو بقايا نجم شبيه بالشمس، بسحب غاز الهيليوم من نجم مرافق فقد غلافه الخارجي من الهيدروجين، فأصبح ما يُعرف بـ"النجم الهيليومي". ومع تراكم الهيليوم على سطح القزم الأبيض ترتفع درجات الحرارة والضغط تدريجيا حتى يقع انفجار نووي حراري عنيف.
وعندما انفجر هذا النظام في نهاية عام 2000، اندفعت منه سحب هائلة من المادة امتدت لمسافة تتجاوز 1.5 تريليون كيلومتر، مكونة تدفقات ثنائية القطب تشبه جناحي فراشة، بينما غطى غبار كثيف النظام بالكامل، ومنع العلماء من معرفة طبيعة النجمين اللذين سببا الانفجار.
وبعد زوال هذا الغبار، تبين أن أحد مكوني النظام هو نجم هيليومي، وهو من أندر أنواع النجوم، إذ لا يُعرف في مجرة تضم مئات المليارات من النجوم سوى بضعة آلاف فقط من هذه الأجرام.
ولم يتوقف الاكتشاف عند هذا الحد، فقد كشفت الملاحظات أن القزم الأبيض عاد مجددا إلى ابتلاع الهيليوم من النجم المرافق، وهي العملية نفسها التي أدت إلى انفجار عام 2000.
وقال جون ميلز: "لقد ظل المسؤول الحقيقي عن هذا الانفجار لغزا طوال 25 عاما، ولذلك فمن المثير جدا أن نؤكد الآن أن المستعر الهيليومي نتج عن انتقال الهيليوم من نجم هيليومي إلى قزم أبيض".
ويرى الباحثون أن استمرار انتقال المادة قد يؤدي إلى انفجار جديد من النوع نفسه، وربما يكون خطوة تمهيدية نحو انفجار أعنف يُعرف باسم المستعر الأعظم من النوع الأول (Type Ia Supernova).
وتحظى هذه الانفجارات بأهمية استثنائية، لأن لمعانها ثابت تقريبا، ولذلك يستخدمها الفلكيون بوصفها "شموعا معيارية" لقياس المسافات الكونية، وتقدير عمر الكون، وقياس معدل تمدده، ودراسة تأثير الطاقة المظلمة في تطوره.
وأضاف ميلز: "أتطلع إلى أن تساعد هذه النتائج في كشف الآلية التي تغذي الانفجارات الفقيرة بالهيدروجين، ومنها المستعرات العظمى الشهيرة من النوع الأول".
تؤكد هذه الدراسة أن الكون ما يزال يخفي ظواهر لم تُشاهد من قبل، وأن تطور التلسكوبات الفضائية والأرضية يتيح للعلماء العودة إلى أحداث رُصدت قبل عقود لاكتشاف تفاصيل جديدة لم تكن ممكنة سابقا. فالرصاصات الكونية التي كشفها هابل لا تمثل مجرد ظاهرة غريبة، بل قد تكون مفتاحا لفهم كيفية تطور النجوم الثنائية، ونشأة المستعرات العظمى، وأدوات قياس المسافات الكونية التي بُني عليها جزء كبير من علم الكونيات الحديث.
ويذكرنا هذا الإنجاز بأن الاستثمار في البحث العلمي والمراصد الفلكية لا يقتصر على اكتشاف أجسام جديدة، بل يساهم في الإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بأصل الكون وتطوره، ويؤكد أن كل اكتشاف جديد يفتح بابا أوسع أمام المعرفة الإنسانية واستكشاف أسرار السماء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة