آخر الأخبار

وميض كوني غيّر خريطة مجرتنا.. العلماء يكتشفون أن درب التبانة أكبر من المتوقع

شارك

لطالما شكّل رسم خريطة دقيقة لمجرة درب التبانة أحد أصعب التحديات في علم الفلك، لأن الأرض تقع داخل قرص المجرة نفسه، فلا يستطيع العلماء تصويرها كاملة كما يفعلون مع المجرات البعيدة.

ومنذ عقود اعتمد الفلكيون على نماذج دوران المجرة وحركة سحب الغاز لتقدير المسافات بين أذرعها الحلزونية، لكن هذه الطرق ظلت تحمل قدرا من عدم اليقين، خاصة في المناطق الخارجية التي يزداد فيها تأثير المادة المظلمة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لغز “الثقوب السوداء المفقودة” يقود العلماء إلى انفجارات كونية غير مسبوقة
* list 2 of 2 إشارة كونية خافتة قد تكشف تاريخ انفجارات النجوم منذ فجر الكون end of list

واليوم، توصل فريق دولي من الباحثين إلى طريقة هندسية جديدة أتاحت قياسات أكثر دقة، ونُشرت نتائجها في مجلة "الفلك والفيزياء الفلكية" (Astronomy & Astrophysics)، لتكشف أن أجزاء من درب التبانة تقع على مسافات أكبر مما اعتقده العلماء طوال سنوات.

أصداء الضوء ترسم خريطة المجرة

اعتمدت الدراسة على ظاهرة فلكية نادرة تتمثل في انفجارات أشعة غاما، وهي أعنف الانفجارات المعروفة في الكون، إذ تطلق خلال ثوان طاقة هائلة تفوق ما تطلقه الشمس طوال عمرها. وعندما تعبر الأشعة السينية الناتجة عن هذه الانفجارات مجرتنا، يصطدم جزء منها بحبيبات الغبار المنتشرة داخل الأذرع الحلزونية.

مصدر الصورة منظور علوي لمجرة درب التبانة يظهر أذرعها الحلزونية مع تفعيل تسميات الأذرع كطبقة مضافة فوق الصورة (ناسا)

ولا يصل هذا الضوء المبعثر إلى الأرض مباشرة، بل يسلك مسارا أطول، فيظهر متأخرا على هيئة حلقات ضوئية تتسع تدريجيا حول موقع الانفجار عند رصدها بواسطة التلسكوبات الفضائية.

ومن خلال سرعة تمدد هذه الحلقات استطاع العلماء حساب المسافات بدقة اعتمادا على الهندسة فقط، دون الحاجة إلى افتراضات تتعلق بسرعة دوران المجرة.

وقالت الدكتورة "بياتريتشه فايا"، إحدى المشاركات في الدراسة: "إنها طريقة مباشرة للغاية تعتمد على الهندسة وحدها لقياس المسافات إلى الأذرع الحلزونية في درب التبانة بدقة كبيرة".

انفجار عام 2022 يتحول إلى أداة قياس كونية

استفاد الباحثون من البيانات التي سجلها مرصد "إكس إم إم نيوتن" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، إضافة إلى مرصد تشاندرا للأشعة السينية التابع لوكالة الفضاء الأميركية ( ناسا)، معتمدين بصورة خاصة على انفجار أشعة غاما شديد السطوع رُصد عام 2022.

مصدر الصورة مرصد "نيل غيريلز سويفت" يلتقط انفجار أشعة غاما، وتُظهر الحلقات الساطعة أشعة سينية مشتتة بواسطة طبقات الغبار داخل مجرتنا (ناسا)

وقد أنتج ذلك الانفجار عدة حلقات متوسعة من الأشعة السينية، ما أتاح للباحثين دراسة سحب الغبار الواقعة على مسافات تصل إلى عشرات الآلاف من السنين الضوئية عن الأرض. وتمكنت هذه التقنية من تحويل انفجار كوني استمر ثواني معدودة إلى أداة قياس فائقة الدقة تكشف البنية الحقيقية لمجرتنا.

إعلان

كما تمتاز هذه الطريقة بأنها مستقلة عن النماذج التقليدية لدوران المجرة، ولذلك تظل موثوقة حتى في المناطق الخارجية التي يصعب قياسها بالوسائل المعتادة.

درب التبانة أكبر مما رسمته الخرائط القديمة

أظهرت القياسات الجديدة أن ذراع الترس–قنطورس الخارجي يقع على بعد يقارب 62 ألف سنة ضوئية من الأرض، مع هامش خطأ لا يتجاوز نحو 1%، وهو من أدق القياسات التي أُنجزت حتى الآن لهذه المنطقة البعيدة.

وأكدت الدراسة كذلك صحة المسافة المعروفة لذراع برشاوس، وهو ما منح العلماء ثقة كبيرة في المنهج الجديد. لكن المفاجأة الحقيقية تمثلت في أن اثنين من أبعد أذرع المجرة يوجدان على مسافات تزيد بنحو 10% تقريبا عما كانت تشير إليه الخرائط المبنية على نماذج دوران المجرة.

وتشير هذه النتائج إلى أن العلماء ربما قللوا طوال عقود من الحجم الحقيقي للأجزاء الخارجية لدرب التبانة، الأمر الذي يستدعي مراجعة العديد من النماذج المستخدمة لفهم بنية المجرة وتوزيع كتلتها وتأثير المادة المظلمة فيها.

بداية عصر جديد لرسم خرائط المجرة

لا تقتصر أهمية الدراسة على تعديل مواقع بعض الأذرع الحلزونية، بل تفتح الباب أمام إعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد أكثر دقة لدرب التبانة بأكملها. ويرى الباحثون أن المراصد المستقبلية الأكثر حساسية ستتمكن من رصد المزيد من أصداء انفجارات أشعة غاما في اتجاهات مختلفة، مما يسمح بقياس مسافات أجزاء واسعة من المجرة مباشرة، بدلا من الاعتماد على التقديرات النظرية.

مصدر الصورة صورة تشاندرا لانفجار 221009A تُظهر توهجه اللاحق وحلقات ناتجة عن سحب غبار مجري (مجلة الفلك والفيزياء الفلكية)

وأوضحت الدراسة أن تحسين خريطة المجرة سيساعد العلماء على فهم كيفية تشكل النجوم، وبنية قرص المجرة، وتوزيع المادة المظلمة، وتاريخ تطور بيئتنا الكونية على مدى مليارات السنين.

وفي كل مرة يبتكر فيها الإنسان وسيلة جديدة لقياس الكون، يكتشف أن حدود معرفته كانت أضيق من اتساع الواقع. فالعلم لا يغيّر خرائط السماء فحسب، بل يغيّر أيضا نظرتنا إلى مكاننا في هذا الكون، ويؤكد أن كل اكتشاف جديد ليس نهاية رحلة المعرفة، بل بداية طريق أوسع نحو فهم أسرار الوجود.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار