آخر الأخبار

المغرب والجزائر وتونس.. شمال أفريقيا أمام تصاعد غير مسبوق لموجات الحر

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كشفت دراسة علمية حديثة عن تحولات مقلقة في دينامية موجات الحر بشمال أفريقيا، مؤكدة أن المنطقة، بما فيها المغرب والجزائر وتونس، تشهد تصاعدا غير مسبوق في شدة وتواتر هذه الظواهر المناخية.

الدراسة، التي نشرت في المجلة العلمية الدولية "إيرث سيستمز آند إنفيرونمنت" (Earth Systems and Environment) تبرز أن موجات الحر لم تعد أحداثا معزولة، بل أصبحت نمطا متكررا مرتبطا بتغيرات في أنظمة الضغط الجوي واحتباس الكتل الهوائية الساخنة.

ماذا تقول الدراسة؟

تندرج هذه الدراسة ضمن سلسلة أبحاث حديثة تجمع على أن شمال أفريقيا يشهد مرحلة تصاعدية في الظواهر المناخية المتطرفة، خاصة موجات الحر.

وتظهر النتائج ارتفاعا ملحوظا في تواتر هذه الموجات، مع امتدادها لفترات أطول، إلى جانب تسجيل فوارق حرارية حادة مقارنة بالمعدلات المناخية المرجعية. كما تشير إلى بروز أنماط جوية مستقرة، تتمثل في تمركز أنظمة ضغط جوي مرتفع تؤدي إلى احتباس الكتل الهوائية الساخنة فوق المنطقة، ما يفاقم من شدة الظاهرة ويطيل أمدها.

وتصنف الدراسة المغرب والسواحل المغاربية ضمن أكثر المناطق تأثرا بهذه التحولات، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وتفاعل العوامل المناخية المؤثرة فيها.

تكشف القراءات العلمية القادمة من المغرب وتونس والجزائر أن موجات الحر التي تشهدها منطقة شمال أفريقيا لم تعد مجرد ظواهر موسمية عابرة، بل أصبحت مؤشرا متزايد الوضوح على تحولات مناخية عميقة تعرفها المنطقة في السنوات الأخيرة.

وبين التأكيد على دقة المؤشرات المناخية الحالية، والدعوة إلى مزيد من الحذر العلمي في تفسيرها، يتفق الخبراء على أن المنطقة تتجه نحو مناخ أكثر تطرفا من حيث الحرارة والجفاف والظواهر القصوى.

مصدر الصورة جانب من شمال أفريقيا من الفضاء (ناسا)

تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة

تجمع رشيدة المرابط، المتخصصة في جغرافية البيئة وتدبير المخاطر بالمغرب، وزهير الحلاوي، أستاذ علم المناخ بجامعة تونس، ونراد احميم، أستاذ علم البيئة والبيئة بجامعة بجاية الجزائرية، على أن منطقة شمال أفريقيا تشهد تصاعدا واضحا في الظواهر المناخية المتطرفة، خاصة موجات الحر والجفاف والاختلالات المرتبطة بالتساقطات.

إعلان

وترى رشيدة أن ما يحدث اليوم يعكس تحولا بنيويا في النظام الحراري الإقليمي، يتمثل في تزايد الأيام شديدة الحرارة وتراجع الليالي الباردة وارتفاع مدة موجات الحر، بما يؤكد انتقال التغير المناخي من مرحلة التوقع النظري إلى مرحلة التحقق الميداني.

من جهته، يربط زهير هذا الاتجاه العام بما تؤكده تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، التي تشير إلى أن الاحترار العالمي يؤدي إلى زيادة تواتر وشدة الظواهر المناخية القصوى، خاصة في مناطق مثل شمال أفريقيا المصنفة ضمن البؤر المناخية الساخنة عالميا، مع ضرورة التعامل بحذر علمي مع المعطيات قصيرة المدى واعتماد سلاسل زمنية طويلة لتأكيد التحولات المناخية الكبرى.

أما نراد، فيعتبر أن توالي موجات الحر والجفاف والأمطار العنيفة في الجزائر وشمال أفريقيا يعكس بشكل واضح التحولات المناخية المتسارعة التي أصبحت تؤثر مباشرة على البيئة والإنسان، مشيرًا إلى أن هذه الظواهر لم تعد استثنائية أو ظرفية، بل باتت أكثر تكرارا وتأثيرا مقارنة بالعقود السابقة.

مصدر الصورة يتسبب تغير المناخ في ظواهر استثنائية (غيتي)

تباين جغرافي في التأثيرات داخل المغرب العربي

توضح رشيدة أن انعكاسات موجات الحر المركبة تختلف داخل بلدان المغرب العربي وفق الخصائص الجغرافية والمناخية لكل بلد، حيث تتأثر المناطق الداخلية في المغرب بشكل أكبر بفعل الطابع القاري وجفاف التربة، بينما يظل التأثير البحري على السواحل الأطلسية عاملًا يخفف نسبيًا من حدة الظاهرة.

وفي تونس، يؤكد زهير أن المناطق الساحلية أصبحت تشهد بشكل متزايد موجات حر مركبة تستمر ليلا ونهارا، نتيجة التداخل بين الحرارة والرطوبة، ما يرفع من مستوى الإجهاد الحراري والإحساس الفعلي بالحرارة، حتى عندما تكون القيم المطلقة أقل من المناطق الصحراوية.

أما نراد فيشير إلى أن الامتداد الصحراوي والجفاف المتزايد يؤديان إلى استنزاف الموارد المائية وتجفيف المناطق الرطبة، ما يهدد باختفاء أو ندرة العديد من الأنواع الحيوانية والنباتية، ويزيد من هشاشة التوازنات البيئية في المنطقة.

المياه والزراعة في دائرة الخطر

تحذر رشيدة من أن موجات الحر المركبة أصبحت تمارس ضغطًا متزايدًا على الموارد المائية والأنظمة الزراعية، من خلال ارتفاع معدلات التبخر والإجهاد الحراري الذي يضر بنمو المحاصيل ويؤثر على مراحل الإزهار والنضج، خصوصا في الزراعات البورية والحبوب.

ويؤكد زهير أن ارتفاع درجات الحرارة وتسارع فقدان المياه السطحية والجوفية، خاصة خلال فترات الجفاف، يعمق من حدة الإجهاد المائي ويهدد الأمن الغذائي في المنطقة، مع تزايد الترابط بين الحرارة والجفاف ضمن ما يُعرف بالظواهر المناخية المركبة.

أما نراد فيشير إلى أن موجات الحر تؤدي إلى جفاف التربة وتجفيف المناطق الرطبة التي تشكل موطنًا لتنوع بيولوجي غني، كما تساهم في جفاف الغطاء النباتي، خاصة الأشجار الورقية التي تفقد أوراقها ولم تعد توفر الظل كما في السابق، ما يهدد بشكل مباشر الإنسان والتنوع البيولوجي معا.

سياسات التكيف.. فجوة مؤسساتية مستمرة

وترى رشيدة أن سياسات التكيف في دول المغرب العربي لا تزال غير كافية، بسبب محدودية إدماج المؤشرات المناخية المتقدمة في التخطيط العمومي وضعف المقاربات الترابية الدقيقة.

إعلان

في المقابل، يؤكد زهير أن هذه السياسات تعاني أيضا من ضعف التمويل وغياب التنسيق المؤسسي، إضافة إلى الاعتماد على حلول قصيرة المدى بدل الإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد، رغم وجود بعض التقدم النسبي في مجالات إدارة المياه والزراعة.

أما نراد احميم، فيلفت إلى أن انعكاسات موجات الحر أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، خصوصا مع تزايد ندرة المياه وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالفوارق الحرارية الكبيرة الناتجة عن الاستعمال المكثف لوسائل التكييف، وهو ما يستدعي سياسات أكثر نجاعة واستباقية لحماية السكان والموارد الطبيعية.

ويتفق الخبراء الثلاثة على ضرورة تطوير أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر، وتعزيز حكامة الموارد المائية، وإدماج السيناريوهات المناخية المستقبلية في التخطيط الترابي والزراعي.

آفاق العقدين المقبلين: نحو مزيد من التطرف المناخي

ويتوقع الخبراء استمرار تزايد موجات الحر المركبة خلال العقدين المقبلين من حيث الشدة والتواتر ومدة الاستمرار، مع احتمال امتدادها إلى فصلي الربيع والخريف، بما يعكس تحولًا متسارعًا في خصائص النظام المناخي الإقليمي.

ويضيف زهير أن النماذج المناخية، رغم تطورها، ستظل تحمل هامشًا من عدم اليقين العلمي، غير أن المؤشرات الحالية تدل على تفاقم الظاهرة لا تراجعها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار