آخر الأخبار

قمة بكين في الإعلام الصيني.. هل يتعلم العملاقان فن التعايش؟

شارك

تبدو بكين هذه الأيام محطة اختبار كبيرة لعلاقة معقدة بين الصين والولايات المتحدة، علاقة ليست حربا مفتوحة، ولا صداقة كاملة أيضا، بل هي مزيج من التنافس والتعاون، من الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية من جهة، إلى الحاجة المتبادلة في التجارة والاستقرار العالمي من جهة أخرى، فكيف لعملاقين بهذا الحجم أن يتعايشا دون أن يجرا العالم إلى أزمات جديدة؟

وسط هذه التناقضات، تأتي قمة بكين بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترامب كمناسبة لطرح سؤال بسيط بصيغة جديدة: هل يستطيع الطرفان ضبط خلافاتهما والاتفاق على قواعد لعبة واضحة، تسمح لكل منهما بحماية مصالحه دون دفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية؟

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نتنياهو يخسر الحريديم.. هل بدأ العد التنازلي لحل الكنيست؟
* list 2 of 2 أموال القذافي تطارد ساركوزي.. أخطر امتحان قضائي لرئيس فرنسا الأسبق end of list

ومن خلال متابعة ما كتبته الصحف الصينية الكبرى عن القمة، يلاحظ أنها لا تكتفي بتوصيف اللقاء، بل تحاول أن تشرح كيف ترى بكين مستقبل العلاقة مع واشنطن وما الذي تعول عليه حتى يتعلم "العملاقان" فن التعايش بدلا من الانزلاق إلى المواجهة عند كل منعطف.

مصدر الصورة زيارة ترامب للصين قد تحمل مستقبلا أكثر استقرارا للطرفين وللنظام الدولي(رويترز)

عناوين كبرى لقمة واحدة

تقدم بكين نفسها -حسب التغطية الصحفية الصينية للقمة- كساحة تشهد لحظة ضبط المعايير لمسار لا يمكن أن يعود إلى الماضي، لكنه قد يحمل مستقبلا أكثر استقرارا للطرفين وللنظام الدولي ككل.

في افتتاحية صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، توصف القمة بأنها "نقطة انطلاق جديدة ذات دلالة تاريخية" في علاقة شهدت خلال أقل من عقد تقلبات متكررة من التصعيد الحاد ثم العودة إلى المسار الصحيح.

وتشير الصحيفة إلى أن عام 2026 يعد عاما مفصليا للطرفين، فهو بداية تنفيذ الخطة الخمسية الـ15 للصين، والذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، مما يرفع سقف التوقعات من القمة إلى توفير مزيد من اليقين والاستقرار في بيئة دولية شديدة الاضطراب.

إعلان

أما صحيفة تشاينا ديلي فتربط القمة مباشرة بالواقع الإقليمي والعالمي، مشيرة إلى وجود ترقب واسع في آسيا لما ستسفر عنه المناقشات حول الرسوم الأمريكية التي أثقلت كاهل اقتصادات المنطقة، باعتبار أن استقرار العلاقات الصينية الأمريكية عنصر لا غنى عنه في رسم الآفاق الاقتصادية العالمية.

لا عودة إلى الوراء

تشير تقارير صحيفة الشعب إلى أن العلاقات الصينية الأمريكية "لا يمكن أن تعود إلى الماضي"، مؤكدة أن بإمكانها أن تتجه إلى مستقبل أفضل إذا تم التوافق على إجابة للسؤال الجوهري: هل يعتبر الطرفان نفسيهما خصوما أم شركاء؟

ويقدم الموقف الصيني في الصحيفة على أنه ثابت في أربعة أبعاد: السعي إلى علاقة "مستقرة وصحية وقابلة للاستمرار"، ثم التمسك بمبدأ "الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للطرفين"، ثم الدفاع الحازم عن السيادة والأمن والتنمية، والحرص في الوقت نفسه على استمرار "الصداقة التقليدية" بين الشعبين.

ونبهت الصحيفة إلى تحول في نمط التفاعل بين الجانبين، من الشد والجذب والضرب والتفاوض في السنوات الماضية، إلى حوار أكثر ندية واتصالات أكثر عملية، وحدود أكثر وضوحا.

هذا التحول -حسب السرد الصيني- دفع عددا من الخبراء إلى القول إن واشنطن باتت تنظر إلى الصين "بعين أكثر اعتدالا"، مع صعوبة إنكار حقيقة أن نمو الصين وتطورها اتجاه تاريخي لا يمكن كبحه.

من جهة أخرى استدعت التقارير ما قاله شي جين بينغ في هذا الاتجاه من أن نهوض الصين وهدف ترامب "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" ليسا مسارين متناقضين بالضرورة، بل يمكن أن يتكاملا لتحقيق الازدهار المشترك إذا تخلت الولايات المتحدة عن عقلية "اللعبة الصفرية".

مصدر الصورة لقاءات الزعيمين الصيني (يمين) والأمريكي كانت دائما تعيد العلاقات إلى المسار الصحيح، حسب الصحافة الصينية (رويترز)

دبلوماسية الرؤساء هي البوصلة

في تقرير تحليلي لصحيفة الشعب استُحضرت صور اللقاءات السابقة بين شي وترامب، من منتجع مارالاغو عام 2017 إلى قمة بوسان في أكتوبر/تشرين الأول 2025، للتأكيد على أن كل تدخل مباشر من الزعيمين كان يعيد العلاقات إلى المسار الصحيح ويساعد على ضبط الاتجاه في الملفات الحساسة ولا سيما التجارية منها.

وتسير صحيفة الاقتصاد في تقرير نشرته لوكالة الأنباء الصينية شينخوا في الاتجاه ذاته، إذ تنقل عن عدد من الخبراء الأمريكيين، مثل دنيس سايمون وروبرت لورنس كوهين، أن القمة "ترسل إشارة ثمينة للاستقرار" إلى العالم، وتؤكد أن اختيار الحوار "خيار واقعي وضروري" في ظل تزايد الأزمات العالمية.

من جهتها، ترى تشاينا ديلي أن لقاء بكين يمثل "لحظة حاسمة" في العلاقات الثنائية، وفرصة لتحقيق "استقرار في المدى القصير" عبر تهدئة ملف الرسوم والترتيبات التجارية، خاصة بعد قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي أبطل جزءا من الرسوم المفروضة بموجب قوانين الطوارئ الاقتصادية، وما يمكن أن يفتحه ذلك من هوامش تفاوض جديدة.

منطق الكعكة الأكبر

خصصت صحيفتا الشعب والاقتصاد مساحة واسعة للجانب الاقتصادي، وقدمتاه بوصفه "نافذة لرؤية جوهر العلاقات"، وحجر الزاوية الذي يمكن أن يرسخ الاستقرار أو يقوضه.

إعلان

واستدلت صحيفة الشعب بنتائج "الكتاب الأبيض للشركات الأمريكية في الصين" الصادر عن غرفة التجارة الأمريكية، لتبرز أن أكثر من نصف الشركات المستطلعة آراؤها حققت نتائج مالية إيجابية عام 2025، وأن نسبة مماثلة تتوقع استمرار تحقيق الأرباح.

مصدر الصورة ترامب يوقع مذكرة لفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية (وكالة الأنباء الأوروبية)

وأضافت الصحيفة أرقاما هيكلية لتأكيد ترابط المصالح مع تقديرات بأن الصادرات الأمريكية إلى الصين والاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة توفران معا ما يقارب مليون وظيفة للأمريكيين.

كما برز صوت مسؤولين في غرف التجارة الأمريكية وشركات كبرى في تقرير صحيفة الاقتصاد، حيث أشار رئيس غرفة التجارة الأمريكية في شنغهاي إلى أن انفتاح السوق الصينية واستمرار توسعها الاستهلاكي يوفران مساحة متزايدة لنمو الشركات الأمريكية.

وفي هذا السياق، كشفت بيانات غرفة التجارة الأمريكية في الصين عن توقعات بنمو معتدل عام 2026 وتوجه نسبة كبيرة من الشركات إلى زيادة استثماراتها في البلاد.

ما يتقرر بين بكين وواشنطن لا يبقى ثنائيا، بل ينعكس مباشرة على استقرار سلاسل التوريد والتجارة والنمو في المنطقة بأسرها

أما على المستوى الإقليمي، فنقلت تشاينا ديلي عن خبراء اقتصاديين في دول آسيوية تحذيرات من أن استمرار الرسوم والتوترات عند مستوياتها الحالية يهدد بتعطيل سلاسل الإمداد ويزيد من حالة عدم اليقين التي تخيم على اقتصادات المنطقة.

وبهذا المنطق يروج في الخطاب الإعلامي الصيني لمنطق "تكبير الكعكة" عبر مزيد من الانفتاح عالي الجودة، وتنفيذ أهداف الخطة الخمسية الجديدة في زيادة الواردات وجذب الاستثمارات، باعتباره الطريق الواقعي الذي يسمح للطرفين بتحقيق مكاسب متبادلة، بدلا من الانخراط في حروب تجارية لا يخرج منها منتصر حقيقي.

استلهم تقرير صحيفة الشعب من التاريخ الطويل للدبلوماسية الشعبية، من "دبلوماسية بينغ بونغ" في سبعينيات القرن الماضي، إلى زيارات الفرق الموسيقية الأمريكية للصين، ليخلص إلى أن رغبة الشعبين في التقارب لم تتغير حتى في أوقات التوتر السياسي.

كما أكدت تقارير أخرى هذا المسار بأمثلة حديثة، كتجمع الشباب من البلدين في أنشطة رياضية، وكانتشار ألعاب ومنتجات ثقافية صينية تحظى بشعبية في الولايات المتحدة، وكظهور مؤثرين أمريكيين ينقلون عبر منصات التواصل تجاربهم اليومية في المدن الصينية بأسلوب عفوي.

مصدر الصورة منطقة آسيان تشهد منافسة بين الصين والولايات المتحدة (الجزيرة)

مسؤولية مشتركة في عالم مضطرب

في هذا الإطار أكدت صحيفة الشعب على أن اندماج الصين والولايات المتحدة يبعث الطمأنينة في العالم، في حين يثير صدامهما قلق العالم بأسره، وأشارت إلى أن التعاون بينهما ضروري في ملفات الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، والسلام في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، والاستجابة للأوبئة، وتنظيم مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي.

من جانبها أبرزت صحيفة الاقتصاد وجود أصوات أمريكية تدعو لمنطق مشابه، ونقلت عن شخصيات من مؤسسات فكرية ورجال أعمال قولهم إن تواصل أكبر اقتصادين في العالم يجعل البيئة الدولية "أكثر أمانا"، وإن العام الحالي يمكن أن يكون "عاما كبيرا" في العلاقات إذا استطاع الطرفان استثمار مصالحهما المشتركة لمواجهة تحديات عالمية، من الأمن الغذائي إلى استقرار النظام المالي.

أما صحيفة تشاينا ديلي فذكرت بأن ما يتقرر بين بكين وواشنطن لا يبقى ثنائيا، بل ينعكس مباشرة على استقرار سلاسل التوريد والتجارة والنمو في المنطقة بأسرها، مما يجعل دول آسيا أصحاب مصلحة مباشرين في نجاح القمة.

بهذا التناغم التلقائي ترسم الصحافة الصينية صورة لقمة بكين تظهرها كدرس في إدارة تنافس بين قوتين عظميين، فلا عودة إلى ما قبل التوترات، ولا واقعية لفكرة فك الارتباط، بل ضرورة تعلم شكل من أشكال "التعايش التنافسي" يوازن فيه بين الدفاع عن المصالح الجوهرية، والتعاون في المساحات الواسعة للمصالح المشتركة، وترك هامش متزايد لصوت المجتمعات والأسواق.

إعلان

ويخلص هذا التحليل إلى سؤال مفتوح آخر: هل يستغل العملاقان "نافذة الفرصة" التي تفتحها قمة بكين لتثبيت هذا الفن ممارسة وليس في الخطاب فقط، أم أن العالم سيظل معلقا بين آمال الحوار ومخاوف المواجهة مع كل قمة جديدة؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا