تُعد ظاهرة "المقبض الذهبي" (Golden Handle) على سطح القمر واحدة من أكثر المشاهد الفلكية سحرا وإثارة للاهتمام، إذ تجمع بين الجمال البصري والتفسير العلمي في آن واحد. فهي لحظة قصيرة لكن مذهلة، تتحول فيها تضاريس القمر إلى لوحة ثلاثية الأبعاد مرسومة بالضوء والظل، تكشف لنا عن تفاصيل دقيقة في سطحه لا يمكن رؤيتها في أي وقت آخر.
هذه الظاهرة لا تجذب العلماء فقط، بل أيضا هواة الفلك وكل من يملك شغفا بمراقبة السماء، ومن أجل فهم هذا الجمال، يجب أولا أن ندرك كنه هذه الظاهرة وكيف تتشكل بصريا.
يظهر ما يُعرف بالمقبض الذهبي عندما تشرق أشعة الشمس بزاوية منخفضة على منطقة تقع عند حافة "بحر الأمطار" (Mare Imbrium)، حيث تضيء قمم الجبال العالية بشكل كامل بينما تبقى المناطق المنخفضة المحيطة غارقة في الظلال.
هذا التباين الحاد يجعل القمم تبدو وكأنها قوس مضيء منفصل عن بقية السطح، في مشهد يشبه مقبضا يطفو على طرف القمر؛ وهذا التأثير البصري الفريد ليس صدفة، بل هو نتاج مباشر لزاوية سقوط أشعة الشمس وهندسة التضاريس القمرية.
تحدث هذه الظاهرة نتيجة زاوية سقوط ضوء الشمس المائلة جدا، خصوصا عندما تكون الشمس قريبة من خط الفاصل بين الليل والنهار القمري (Terminator).
في هذا الوضع، تصل الأشعة أولا إلى المرتفعات والقمم العالية، بينما تبقى الأودية والحفر في الظل، مما يصنع ذاك التباين القوي. ولتحديد موقع هذا المشهد بدقة، يجب أن نوجه تلسكوباتنا نحو تضريس قمري شهير يُعرف بخليج قوس قزح.
وترتبط هذه الظاهرة بشكل وثيق بمنطقة خليج "قوس قزح" (Sinus Iridium)، وهي منطقة على شكل خليج شبه دائري تقع داخل بحر الأمطار، تحيط بها سلسلة جبال "جورا" (Montes Jura) التي تشكل القوس الجبلي المضيء.
هذه الجبال هي العنصر الأساسي في تكوين "المقبض"، ولإدراك ضخامة هذا المشهد، يكفي أن ننظر إلى الأبعاد الهائلة لهذه المنطقة وتضاريسها الوعرة.
تتميز هذه المنطقة باتساعها الكبير، حيث يبلغ قطر خليج قوس قزح حوالي 250 كيلومترا، مما يجعله من أكبر التكوينات الواضحة. أما جبال جورا المحيطة، فهي ترتفع بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات فوق السطح، وهذا الارتفاع الشاهق هو ما يسمح لها بالتقاط أشعة الشمس قبل غيرها لتتوهج في الفراغ.
ولكن خلف هذا التوهج البصري، تختبئ بيئة حرارية متطرفة تفرضها طبيعة القمر القاسية.
وخلال هذه اللحظة القمرية، تكون الفروقات الحرارية شديدة للغاية بسبب غياب الغلاف الجوي؛ فعندما تشرق الشمس على قمم جبال جورا، ترتفع حرارتها إلى أكثر من 100 مئوية، بينما تبقى الأودية المظللة في برودة سحيقة قد تنخفض إلى أقل من 100 مئوية تحت الصفر.
هذا التباين لا يصنع جمالا بصريا فحسب، بل يقدم للعلماء مادة دسمة لفهم طبيعة القمر وتاريخه الجيولوجي.
لا تُعتبر هذه الظاهرة مجرد مشهد فني، بل لها أهمية علمية كبيرة؛ فهي تساعد العلماء على قياس ارتفاع الجبال بدقة عبر دراسة طول الظلال وزاوية الإضاءة.
كما تُستخدم لفهم توزيع التضاريس واختيار مواقع الهبوط للمهمات الفضائية المستقبلية. ولحسن الحظ، فإن هذه القيمة العلمية متاحة للجميع، إذ يمكن رصدها بأدوات بسيطة ومتاحة.
يمكن رصد "المقبض الذهبي" باستخدام تلسكوب صغير أو منظار قوي، وتظهر عادة بعد نحو يوم 10 من الشهر القمري (عندما يكون القمر في طور الأحدب المتزايد).
ولأنها تستمر لفترة قصيرة، يحتاج الراصد لمتابعة دقيقة، بل يمكن للهواة تحقيق نتائج رائعة بتصويرها عبر هاتف ذكي متصل بالتلسكوب لتوثيق تفاصيل الحواف المتوهجة، وهو أمر قد يتساءل البعض لماذا ينجح فيه مراقبون بينما يفشل آخرون.
ويرجع اختلاف الرؤية إلى دقة توقيت الرصد وقصر مدة الظاهرة، بالإضافة إلى موقع الراصد على الأرض وصفاء الغلاف الجوي من التلوث الضوئي. كما تلعب الخبرة دورا في اقتناص "اللحظة المثالية"، وهي لحظة تتكرر بانتظام مع دورة القمر ولكن بملامح متغيرة دائما.
وتتكرر ظاهرة المقبض الذهبي دوريا كل 29.5 يوما تقريبا، لكن زاوية الإضاءة تتغير باستمرار، مما يجعل الظاهرة أحيانا واضحة جدا وأحيانا خافتة. هذا التغير المستمر يبرز بوضوح طبيعة سطح القمر المنقسم بين المناطق الداكنة والمضيئة.
يتكون سطح القمر من مناطق داكنة هي "البحار القمرية" (Lunar Maria)، وهي سهول من الحمم البركانية القديمة، ومناطق مضيئة هي المرتفعات الجبلية الوعرة المليئة بالفوهات (Craters). هذا التباين هو جوهر سحر القمر، وهو الميدان الذي يبرز فيه دور هواة الفلك كحراس للسماء وموثقين لأسرارها.
ويلعب هواة الفلك دورا محوريا في متابعة هذه الظواهر وتوثيقها، حيث تساهم صورهم وبياناتهم في دعم الأبحاث العلمية حول التغيرات الدقيقة في الإضاءة.
إن "المقبض الذهبي" ليس مجرد ضوء على صخرة بعيدة، بل هو تذكير دائم بأن الكون يفتح أبوابه لكل من يملك الشغف والعدسة والصبر لاستكشاف تفاصيله المذهلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة