آخر الأخبار

سحر "المقبض الذهبي".. شاهد الشمس حين ترسم تضاريس القمر بالضوء

شارك

تُعد ظاهرة "المقبض الذهبي" (Golden Handle) على سطح القمر واحدة من أكثر المشاهد الفلكية سحرا وإثارة للاهتمام، إذ تجمع بين الجمال البصري والتفسير العلمي في آن واحد. فهي لحظة قصيرة لكن مذهلة، تتحول فيها تضاريس القمر إلى لوحة ثلاثية الأبعاد مرسومة بالضوء والظل، تكشف لنا عن تفاصيل دقيقة في سطحه لا يمكن رؤيتها في أي وقت آخر.

هذه الظاهرة لا تجذب العلماء فقط، بل أيضا هواة الفلك وكل من يملك شغفا بمراقبة السماء، ومن أجل فهم هذا الجمال، يجب أولا أن ندرك كنه هذه الظاهرة وكيف تتشكل بصريا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثقب أسود “متمرد” يهدد استقرار مجرته في فجر الكون
* list 2 of 2 5 كائنات حية "تحدت" الموت في الفضاء end of list

مقبض من الضوء في عتمة الفضاء

يظهر ما يُعرف بالمقبض الذهبي عندما تشرق أشعة الشمس بزاوية منخفضة على منطقة تقع عند حافة "بحر الأمطار" (Mare Imbrium)، حيث تضيء قمم الجبال العالية بشكل كامل بينما تبقى المناطق المنخفضة المحيطة غارقة في الظلال.

مصدر الصورة "المقبض الذهبي" يظهر على القمر على شكل قوس صغير ومضيء يمتد داخل الجانب المظلم غير المُضاء من سطح القمر (روالف هِمبل)

هذا التباين الحاد يجعل القمم تبدو وكأنها قوس مضيء منفصل عن بقية السطح، في مشهد يشبه مقبضا يطفو على طرف القمر؛ وهذا التأثير البصري الفريد ليس صدفة، بل هو نتاج مباشر لزاوية سقوط أشعة الشمس وهندسة التضاريس القمرية.

لماذا يشرق القوس قبل السهول؟

تحدث هذه الظاهرة نتيجة زاوية سقوط ضوء الشمس المائلة جدا، خصوصا عندما تكون الشمس قريبة من خط الفاصل بين الليل والنهار القمري (Terminator).

في هذا الوضع، تصل الأشعة أولا إلى المرتفعات والقمم العالية، بينما تبقى الأودية والحفر في الظل، مما يصنع ذاك التباين القوي. ولتحديد موقع هذا المشهد بدقة، يجب أن نوجه تلسكوباتنا نحو تضريس قمري شهير يُعرف بخليج قوس قزح.

وترتبط هذه الظاهرة بشكل وثيق بمنطقة خليج "قوس قزح" (Sinus Iridium)، وهي منطقة على شكل خليج شبه دائري تقع داخل بحر الأمطار، تحيط بها سلسلة جبال "جورا" (Montes Jura) التي تشكل القوس الجبلي المضيء.

مصدر الصورة التضاريس المحيطة بخليج قوس قزح حيث سلسلة جبال "جورا" التي تتسبب بظاهرة المقبض الذهبي، وبحر الأمطار الذي يعد الخليج امتدادا له (ناسا)

هذه الجبال هي العنصر الأساسي في تكوين "المقبض"، ولإدراك ضخامة هذا المشهد، يكفي أن ننظر إلى الأبعاد الهائلة لهذه المنطقة وتضاريسها الوعرة.

الأبعاد والارتفاعات.. عمالقة الصخور القمرية

تتميز هذه المنطقة باتساعها الكبير، حيث يبلغ قطر خليج قوس قزح حوالي 250 كيلومترا، مما يجعله من أكبر التكوينات الواضحة. أما جبال جورا المحيطة، فهي ترتفع بين كيلومترين وثلاثة كيلومترات فوق السطح، وهذا الارتفاع الشاهق هو ما يسمح لها بالتقاط أشعة الشمس قبل غيرها لتتوهج في الفراغ.

إعلان

ولكن خلف هذا التوهج البصري، تختبئ بيئة حرارية متطرفة تفرضها طبيعة القمر القاسية.

وخلال هذه اللحظة القمرية، تكون الفروقات الحرارية شديدة للغاية بسبب غياب الغلاف الجوي؛ فعندما تشرق الشمس على قمم جبال جورا، ترتفع حرارتها إلى أكثر من 100 مئوية، بينما تبقى الأودية المظللة في برودة سحيقة قد تنخفض إلى أقل من 100 مئوية تحت الصفر.

هذا التباين لا يصنع جمالا بصريا فحسب، بل يقدم للعلماء مادة دسمة لفهم طبيعة القمر وتاريخه الجيولوجي.

من الجمال إلى العلم: قياس التضاريس ومواقع الهبوط

لا تُعتبر هذه الظاهرة مجرد مشهد فني، بل لها أهمية علمية كبيرة؛ فهي تساعد العلماء على قياس ارتفاع الجبال بدقة عبر دراسة طول الظلال وزاوية الإضاءة.

مصدر الصورة "المقبض الذهبي" يظهر عند خط الفصل بين الليل والنهار على القمر في طور الأحدب المتزايد حوالي يوم 10 من الشهر القمري (تايم آند ديت)

كما تُستخدم لفهم توزيع التضاريس واختيار مواقع الهبوط للمهمات الفضائية المستقبلية. ولحسن الحظ، فإن هذه القيمة العلمية متاحة للجميع، إذ يمكن رصدها بأدوات بسيطة ومتاحة.

دليل الرصد والتصوير.. كيف توثق اللحظة؟

يمكن رصد "المقبض الذهبي" باستخدام تلسكوب صغير أو منظار قوي، وتظهر عادة بعد نحو يوم 10 من الشهر القمري (عندما يكون القمر في طور الأحدب المتزايد).

ولأنها تستمر لفترة قصيرة، يحتاج الراصد لمتابعة دقيقة، بل يمكن للهواة تحقيق نتائج رائعة بتصويرها عبر هاتف ذكي متصل بالتلسكوب لتوثيق تفاصيل الحواف المتوهجة، وهو أمر قد يتساءل البعض لماذا ينجح فيه مراقبون بينما يفشل آخرون.

ويرجع اختلاف الرؤية إلى دقة توقيت الرصد وقصر مدة الظاهرة، بالإضافة إلى موقع الراصد على الأرض وصفاء الغلاف الجوي من التلوث الضوئي. كما تلعب الخبرة دورا في اقتناص "اللحظة المثالية"، وهي لحظة تتكرر بانتظام مع دورة القمر ولكن بملامح متغيرة دائما.

وتتكرر ظاهرة المقبض الذهبي دوريا كل 29.5 يوما تقريبا، لكن زاوية الإضاءة تتغير باستمرار، مما يجعل الظاهرة أحيانا واضحة جدا وأحيانا خافتة. هذا التغير المستمر يبرز بوضوح طبيعة سطح القمر المنقسم بين المناطق الداكنة والمضيئة.

تضاريس القمر.. البحار المظلمة والمرتفعات المضيئة

يتكون سطح القمر من مناطق داكنة هي "البحار القمرية" (Lunar Maria)، وهي سهول من الحمم البركانية القديمة، ومناطق مضيئة هي المرتفعات الجبلية الوعرة المليئة بالفوهات (Craters). هذا التباين هو جوهر سحر القمر، وهو الميدان الذي يبرز فيه دور هواة الفلك كحراس للسماء وموثقين لأسرارها.

ويلعب هواة الفلك دورا محوريا في متابعة هذه الظواهر وتوثيقها، حيث تساهم صورهم وبياناتهم في دعم الأبحاث العلمية حول التغيرات الدقيقة في الإضاءة.

إن "المقبض الذهبي" ليس مجرد ضوء على صخرة بعيدة، بل هو تذكير دائم بأن الكون يفتح أبوابه لكل من يملك الشغف والعدسة والصبر لاستكشاف تفاصيله المذهلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار