نحن محاطون في هذا العالم بالمادة من كل اتجاه في حالاتها الثلاث الصلبة والسائلة والغازية. نعرف أن المواد الصلبة تكتسب صلابتها لأن ذراتها مقيدة في شبكة هندسية منتظمة، بينما تتحرر في الحالة السائلة لتدخل في حالة من الحركة المستمرة، لكن تأبى الطبيعة أن تكف عن إدهاشنا بتفاصيل تختبئ عند المقاييس متناهية الصغر.
في اكتشاف علمي جديد منشور في دراسة حديثة في دورية "إيه سي إس نانو" (ACS Nano)، كشف فريق بحثي دولي عن ظاهرة غير مسبوقة تحدث داخل قطرات المعادن السائلة على المستوى النانوي، حيث وجدوا أن الحد الفاصل بين المادة الصلبة والسائلة ليس بالوضوح الذي كنا نعتقده، وأن هناك سكونا غير متوقع يختبئ في ثنايا الذرات السائلة.
يقول الباحث في كلية الكيمياء بجامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة أندريه خلوبيستوف في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تتحرك الذرات في السوائل بطريقة معقدة، كجماعة من البشر. فهي تمر بجوار بعضها البعض بسرعة وبشكل مستمر مع استمرار تفاعلها. أثناء استخدامنا لمجهر إلكتروني متطور مصمم لفحص مواقع الذرات في الجزيئات المعدنية الساخنة، سجلنا سلوكها أثناء الانصهار. وكما هو متوقع، بدأت الذرات بالتحرك بسرعة؛ ولكن، ولدهشتنا، بقي بعضها ثابتا، مما يشير إلى أنها ظلت بلا حراك حتى في درجات حرارة عالية جدا عندما يكون المعدن سائلا" وهو ما يخالف قوانين الفيزياء للسوائل وأثار دهشة العلماء بشدة!
وضع الباحثون جسيمات دقيقة من المعادن، لا يتجاوز عرضها بضعة نانومترات (وهو مقياس أصغر بآلاف المرات من سمك شعرة الإنسان)، على شريحة رقيقة من الغرافين.
والغرافين هو مادة ثورية تتكون من طبقة واحدة من ذرات الكربون مرتبة في شكل سداسي يشبه خلية النحل. وباستخدام مجهر إلكتروني متطور يمتلك عدسات ذكية تعالج التشوهات الضوئية ليتمكن من رؤية الذرات بوضوح غير مسبوق، قام العلماء بتسخين هذه الجسيمات تدريجيا من درجة حرارة الغرفة وصولا إلى 800 درجة مئوية.
عندما ينصهر المعدن، تتحول معظم ذراته إلى سائل وتتحرك بسرعة كبيرة لدرجة تظهر فيها الذرات كالضباب تحت المجهر. لكن الصور التي التقطها الفريق أظهرت نقاطا مضيئة ظلت ثابتة تماما وسط هذا الضباب.
يشرح خلوبيستوف: "اكتشافنا المثير للاهتمام يكمن في أنه لا حاجة لأي إجراءات خاصة لتثبيت الذرات الفردية. فقد وجدنا أن جميع جزيئات السائل تحتوي على عدد معين من الذرات الفردية الثابتة (الثائرة على الفيزياء)، بغض النظر عن درجة الحرارة. وتكمن روعة المجهر الإلكتروني المستخدم في قدرته على تفسير سبب ثبات بعض الذرات. إذ اتضح أن العيوب في المادة الأساسية -كربون الغرافين في حالتنا- هي المسؤولة عن تثبيت بعض الذرات داخل السائل".
التفسير العلمي لهذه الظاهرة لا يتعلق بقلب السائل، بل بما يحدث عند السطح البيني حيث يلتقي المعدن السائل بطبقة الغرافين التي تحمله. سطح الغرافين ليس أملس تماما، بل يحتوي على ثقوب مجهرية طبيعية أو ما يسمى علميا بعيوب الفراغ.
يقول قاسم: "تعمل هذه الثقوب كنقاط تثبيت أو مصائد، حيث تنجذب ذرات المعدن وتلتصق بقوة بحواف هذه الثقوب في شبكة الكربون. وبمجرد أن تعلق الذرة هناك، تصبح جزءاً ثابتاً من الهيكل، بينما تستمر بقية الذرات فوقها في الحركة السائلة".
لم يكتف العلماء بمجرد المراقبة، بل انتقلوا إلى مرحلة التحكم وهندسة ثورة تلك الذرات على الفيزياء. إذ أدرك الفريق أنهم يستطيعون استخدام شعاع الإلكترونات الخاص بالمجهر ليس فقط للتصوير، بل كأداة للنحت الذري. يقول خلوبيستوف: "استخدمنا شعاع الإلكترونات في المجهر لإحداث ثقوب دقيقة، تُعرف بعيوب الفراغ، في دعامة الكربون. سمح لنا ذلك بالتحكم في عدد الذرات الثابتة. بالتالي، لم نستخدم شعاع الإلكترونات كأداة تصوير فحسب، بل كوسيلة للتلاعب بالبنية الذرية المحيطة بجزيئات السائل".
كانت النتيجة مذهلة. كلما زاد عدد الثقوب، زاد عدد الذرات المعدنية التي تعلق وتثبت في مكانها. وعندما تتراصف هذه الذرات الثابتة حول حواف قطرة السائل، فإنها تشكل ما يشبه السياج أو الحظيرة الذرية. هذا السياج يلعب دوراً دراماتيكياً في مصير المعدن السائل.
في الظروف الطبيعية، عندما يبرد المعدن السائل، تبدأ ذراته في الترتيب لتشكيل بلورة صلبة. لكن وبحسب قاسم: "اتضح أن عدد وترتيب هذه الذرات الثابتة يغير بشكل جذري آلية تصلب المعدن. عدد قليل من الذرات الثابتة، موزعة عشوائيا يؤدي إلى تصلب المعدن بشكل طبيعي، مشكلا بنية بلورية منتظمة. بينما في حالة عدد كبير من الذرات الثابتة، خاصة إذا كانت مرتبة على شكل حلقة، يصبح المعدن السائل محاطا بسياج ذري، مما يعوق تبلوره. حيث يمكنه البقاء سائلا لمئات الدرجات تحت نقطة تجمده المعتادة، فيما يعرف بالتبريد الفائق".
نموذج لجزيء معدني على سطح الكربون، ويظهر في الخلفية مختبر "ماسي لذرات المعادن من أجل مستقبل مستدام" لتصنيع الجسيمات النانوية. مصدر الصورة: إيمرسون كولراوش، جامعة نوتنغهام.
تبين من الدراسة أن المعادن تختلف في استجابتها لهذه الظاهرة بناء على خصائصها الكيميائية، فيوضح قاسم: "البلاتين كان مثاليا للدراسة، حيث ترتبط ذراته بقوة بالغرافين، وسلوكه يمكن التحكم فيه. أما البلاديوم، فيتصلب بسرعة كبيرة تحت الحزمة الإلكترونية، مما يصعّب دراسته. بينما يرتبط الذهب ارتباطا ضعيفا بالغرافين، لذا ذراته الثابتة نادرة، ولا يتأثر تجمده بسهولة".
هذا الفهم العميق لكيفية تفاعل المعادن مع الأسطح التي تحملها يفتح آفاقاً واسعة لتطبيقات صناعية وتكنولوجية. فالقدرة على التحكم في حركة الذرات وتجميدها أو الحفاظ على سيولتها عند الحاجة تعني إمكانية هندسة مواد جديدة بخصائص مصممة خصيصا كالمواد فائقة القوة.
يختتم خلوبيستوف بالأهمية المستقبلية لهذا الاكتشاف: "نعمل حاليا على استغلال هذه المعرفة في تصميم الجيل القادم من المواد. من خلال مشروعنا الممول من مجلس أبحاث الهندسة والعلوم الفيزيائية، نهدف إلى التحكم في المعادن على المستوى الذري لتطوير تقنيات الاستدامة. إن فهم سلوك الذرات الثابتة والمتحركة هو أمر ضروري لتطوير تقنيات خالية من الانبعاثات الكربونية وعمليات كيميائية رئيسية، مثل تخليق الأمونيا، حيث يلعب سلوك ذرات المعادن دورا حاسما".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة