في قلب الشتاء، حين ينسحب كل شيء إلى السكون، تدخل الدببة في سباتٍ قد يمتد لأشهر طويلة، فلا توجد حركة تُذكر، لا طعام ولا شراب، مع نبض أبطأ، وأيضٍ أقل.
هذه هي الوصفة التي تُحطِّم عظام معظم الثدييات. لكن الدببة تخرج في الربيع وكأن شيئًا لم يحدث، فتمشي، وتركض، وتتسلق بعظامٍ قوية، من دون ذلك التآكل المعروف الذي يصاحب الخمول الطويل لدى الإنسان والحيوان.
هذه المفارقة كانت نقطة انطلاق لدراسة دولية جديدة قادها الدكتور عبد الله جوهر، عضو فريق "سلام لاب" المصري وطالب الدكتوراه في جامعة ولاية أوكلاهوما بالولايات المتحدة.
الدراسة المنشورة في "جورنال أوف أناتومي" (Journal of Anatomy) لم تكتفِ بوصف الظاهرة، بل حاولت أن تلتقط أثر السبات حيث يُفترض أنه لا يُرى بسهولة، داخل النسيج العظمي نفسه، تحت المجهر.
ويوضح عبد الله في تصريح حصلت الجزيرة نت على نسخة منه: "العظام ليست مادة جامدة، بل نسيج حيّ يستجيب للبيئة والسلوك والحالة الفسيولوجية. وعندما ننظر إلى العظام تحت المجهر، فإننا نقرأ سجلًا تفصيليًا لحياة الحيوان"
وبهذا المنظور، يصبح فحص شرائح عظمية رقيقة تحت المجهر أشبه بقراءة أرشيفٍ بيولوجي يجيب العلماء عن أسئلة مهمة مثل: ما الذي تغيّر؟ وأين؟ ولماذا؟
اعتمد الفريق على التحليل النسيجي لعظام دببة سوداء في ولاية أوكلاهوما، شملت دببة برية وأخرى عاشت في حدائق الحيوان، مع التركيز على عظمتين تحملان رسالتين مختلفتين، الأولى من الفخذ، وهي عظمة تحمل وزن الكائن الحي، والثانية من الضلوع، وتمثل جزءاً من الهيكل المحوري للكائن الحي.
النتيجة الأبرز، بحسب الدراسة، أن الدببة لا تتعامل مع الهيكل العظمي كوحدة واحدة، بل تتبنى ما يمكن وصفه باستراتيجية "توزيع ذكي" لإعادة التشكيل، فعظم الفخذ أظهر استقراراً لافتاً، وظهرت فيها علامات نمو سنوية واضحة تُشبه حلقات الأشجار، تُعرف باسم "خطوط توقف النمو"، والتي تعكس تباطؤ ترسيب العظم موسميًا.
وتمكّن الباحثون عبر تلك الخطوط من تقدير الأعمار ورصد مراحل النضج الهيكلي؛ ففي إحدى الإناث البالغات دلّت طبقة خارجية منظمة على اكتمال النمو والوصول إلى البلوغ.
والأهم من ذلك، بحسب الدراسة، فقد ظل هذا التنظيم والقوة واضحين سواء في الدببة البرية التي تمر بسبات كامل أو في دببة عاشت في الأسر وربما لم تدخل سباتًا فعليًا.
هذه الملاحظة الأخيرة تفتح بابًا مهمًا، فمقاومة فقدان العظام لا تبدو مجرد حيلة موسمية مرتبطة بالسبات فحسب، بل قد تكون سمة متأصلة في بيولوجيا الدببة.
أما في الضلوع، فقد ظهرت "قصة أخرى"؛ فالضلوع كشفت معدلات أعلى من إعادة التشكيل الداخلي، مع توسع الفراغات وبنية إسفنجية أكثر تعقيدًا وهشاشة نسبيًا، ونسبة أقل من العظم الكثيف مقارنة بعظم الفخذ.
يعلّق جوهر على هذا التباين بقوله إن الدببة—بدلًا من فقدان العظام في كل الجسم—قد "تركز إعادة التشكيل في مناطق يكون فيها ذلك أقل خطورة ميكانيكيًا، في استراتيجية ذكية للغاية" تُحافظ على العظام الحاسمة للحركة والدعم، وتترك هامشًا أكبر للتبدلات في عظام أخرى.
أحد التفسيرات التي تطرحها الدراسة هو أن هذا التفاوت قد يخدم وظيفة داخلية خلال السبات، وهي إعادة توزيع المعادن، خصوصًا الكالسيوم، خلال فترة صيام طويلة.
في هذا السياق فإن الضلوع، بما أنها أقل تعرضًا لمخاطر كسرٍ كارثي مقارنة بعظام الأطراف، قد تكون "مساحة آمنة" لإعادة التشكيل العظمي وتدبير الموارد المعدنية من دون المساس بقدرة الدب على النهوض والمشي فور انتهاء السبات.
ويقول عالم الحفريات المصري، الأستاذ الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، وأستاذ الحفريات بجامعة المنصورة، ورئيس الفريق البحثي تعليقاً على تلك النتائج: "حتى بعد سنوات، تحتفظ العظام بسجلٍّ واضح لكل مراحل النمو التي مرّ بها الحيوان"
ويضيف قائلاً: "ومن خلال دراسة الكائنات الحية اليوم، نسعى إلى فهم آليات عمل الهيكل العظمي، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتنا على تفسير حياة الكائنات المنقرضة، خاصة عندما نطبق الأساليب نفسها، مثل التحليل النسيجي للعظام، في دراسة الحفريات الفقارية"
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة