في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، كانت كلمة "الكيمياء" سيئة السمعة، إذ ارتبطت في أذهان السوريين بتوظيفها في إنتاج الأسلحة الكيميائية التي استخدمت بكثافة في قصف الأحياء السكنية، وهذه الصورة النمطية السلبية تحاول الجمعية الكيميائية السورية تغييرها، من خلال تسويق الكيمياء كأداة للنهضة، وليس أداة للتدمير.
واحتفلت الجمعية الكيميائية السورية الشهر الماضي بعيد ميلادها الثمانين في احتفالية ضخمة، أراد القائمون عليها من خلالها توجيه رسالة مفادها أنهم يدشنون عصرًا جديدًا تستطيع فيه الجمعية أن تكون لاعبًا فاعلًا في النهضة السورية بعد الخلاص من نظام الأسد.
وفي تصريحات للجزيرة نت يقول الكيميائي محمد الشاعر، الرئيس الجديد للجمعية، في أول انتخابات أجريت في إبريل/نيسان الماضي بعد زوال نظام الأسد: "عادة ما تقيم المؤسسات احتفالات اليوبيل الفضي (مرور 25 عامًا على التأسيس) أو الذهبي (50 عامًا) أو الماسي (75 عامًا)، لكننا قررنا الاحتفال بمناسبة مرور 80 عامًا على نشأة الجمعية، لأننا نعتبر هذا العام بمثابة ولادة جديدة للجمعية."
تأسست الجمعية في عام 1945، قبل ستة أشهر من نهاية الاحتلال الفرنسي، وجاءت الولادة الثانية في عيد ميلادها الثمانين، بعد الخلاص من نظام بشار الأسد.
تولى الشاعر رئاسة الجمعية خلال الفترة من 2005 إلى 2013، قبل أن يترك سوريا ويعيش في الأردن 12 عامًا، ليعود من جديد بعد الخلاص من نظام الأسد، ساعيًا إلى المشاركة في نهضة سوريا عبر عودته مرة أخرى للمشاركة في أنشطة الجمعية، التي اختير رئيسًا لها من جديد.
ورغم أن الفترة التي تلت الميلاد الثاني للجمعية لم تتجاوز عدة شهور، إلا أنها استطاعت تحقيق العديد من الإنجازات التي تحقق أهدافها، والتي لم تستطع تحقيقها طيلة عهد نظام الأسد، الذي جعلت سياساته منها كيانًا ديكوريًا غير فعال.
وتحمل الجمعية، كما ورد في وثائق تأسيسها، أهدافًا واضحة هي نشر علوم الكيمياء في المجتمع، مثل توثيق العلاقة بين الكيميائيين السوريين في مختلف القطاعات، وإتاحة الفرصة لهم لتبادل الخبرات والمعلومات في مجال الكيمياء، والتعريف بآخر التطورات في المجال العلمي، وخاصة التطبيقي والصناعي،المساهمة في دعم البحث العلمي والابتكار.
إلى جانب ذلك، تستهدف الجمعية تطوير الصناعات الكيميائية ونقل التكنولوجيا الحديثة إليها، وإعداد الدراسات للاستثمار الأمثل في الخامات الوطنية في قطاع الكيمياء، وتوثيق العلاقة بين الجهات العلمية الأكاديمية والقطاعات الصناعية والإدارية ذات العلاقة، ورفع المستوى التعليمي للعلوم الكيميائية بكافة فروعها وأنشطتها، والسعي لتطوير المناهج في الكليات والمعاهد والمدارس.
ويعترف الشاعر أنه لم يستطع خلال فترة رئاسته الأولى تحقيق أغلب هذه الأهداف، ليس كسلًا أو قصورًا في الأداء، بل بسبب سياسات نظام الأسد التي قيدت العمل الأهلي بشكل عام، وعمل جمعيتهم بشكل خاص.
ويقول: "للأسف، كان الكثير من الكيميائيين يخشى الانضمام للجمعية حتى لا يكون ذلك سببًا لوضعه تحت المراقبة. ومن كان ينضم لم يكن يمارس أي نشاط، خوفًا من الظهور الذي قد يلفت انتباه النظام وأزلامه، فيتم وضعه تحت المراقبة الأمنية. ولم يكن من الممكن تنظيم أي فعالية إلا بموافقة الحزب الحاكم وموافقة أمنية، بل وحتى السفر للمشاركة في اجتماعات إقليمية مثل اتحاد الكيميائيين العرب كان يستوجب الحصول على موافقة قد تأتي بالإيجاب أو الرفض، وأحيانًا كانت تأتي بالرفض. ناهيك عن إقحام أزلام النظام عنوةً في عضوية مجلس الإدارة ليكونوا رقباء على أنشطة الجمعية."
وتتبدل نبرة صوت الشاعر لتصبح مفعمة بالأمل حين يتحدث عن الإنجازات التي تحققت خلال شهور قليلة منذ توليه المسؤولية من جديد مع الميلاد الثاني للجمعية، ويقول: "من إبريل/نيسان 2025 وحتى الآن تحولت الجمعية بلجانها المختلفة إلى خلية نحل تخدم النهضة السورية."
وتضم الجمعية 12 لجنة، ويتولى مسؤولية كل لجنة 7 أعضاء، فلا يخلو يوم من اجتماعات مطولة لإحدى هذه اللجان أو أكثر، وأثمر هذا التنظيم خلال فترة قصيرة للغاية عن عدة مشاريع تهدف إلى معالجة مشكلة أزلية يعاني منها العالم العربي، وهي الانفصال بين البحث العلمي والتطبيق.
وبنبرة متحمسة يضيف الشاعر: "تم تدشين بنك الأبحاث والحلول، وهو كيان يربط بين الصناعة والباحثين، حيث يتيح للباحثين التعرف على مشاكل الصناعة والعمل على حلها، ويربط طلاب الدراسات العليا بالمصانع بحيث تكون أطروحات الماجستير والدكتوراه هدفها حل مشاكل حقيقية تواجه الصناعة. كما تم تدشين بنك التوظيف، الذي يربط الكيميائيين بمجتمع الصناعة، ويعرض فرص العمل المتاحة لهم ويوجههم نحو الوظائف المناسبة."
إلى جانب هذه المشاريع، أعدت الجمعية عدة دراسات قدمت للحكومة حول التلوث البيئي ومعالجة الحرائق وسياسات الجودة، كما أطلقت مسابقة "أفضل منتج كيميائي سوري" لعام 2025 بهدف دعم الصناعة المحلية، وتم تكريم منتجات متميزة في مجالات مثل المنظفات والأسمدة والدهانات.
وعن نجاحهم في تحقيق هذه الإنجازات خلال فترة وجيزة، يعزو الشاعر ذلك إلى شعورهم بالانتماء للوطن، قائلًا: "لقد عادت لنا الروح من جديد، وشرعنا في صناعة الأمل، لأننا باختصار أصبحنا نشعر بأن لدينا وطن."
ويطمح الشاعر أن تسهم هذه الإنجازات في إظهار الوجه الإيجابي للكيمياء، التي ارتبطت في الأذهان خلال عهد النظام السابق بالقتل والتشريد.
ويضيف بنبرة خافتة: "ربما لا يعلم الكثيرون أن أعضاء الجمعية شاركوا إبان الثورة السورية في توثيق جرائم النظام لإثبات استخدامه للسلاح الكيميائي، وجمعوا عينات من التربة والنبات، وتواصلوا مع المؤسسات الدولية بشأن هذا الأمر. والآن، هم ضالعون في محو هذه الصورة الذهنية للكيمياء، وإظهارها كأداة نهضة."
ويختم الشاعر حديثه: "الكيمياء هي عصب الحياة، فهي أساس كل العمليات الحيوية والطاقة والتواصل داخل الكائنات الحية، كما أنها الرابط بين الكائنات وبيئتها وعماد كل الابتكارات التي تحسن حياتنا، وأعد أن يشعر المواطن السوري بالقيمة الكبيرة التي تمثلها الكيمياء".
تسعى الجمعية الكيميائية السورية في عيدها الثمانين إلى تغيير الصورة النمطية السلبية عن الكيمياء التي ارتبطت في الأذهان بسلاح التدمير الكيماوي الذي استخدمه نظام الأسد، وذلك من خلال تسويقها كأداة للنهضة، وليس للتدمير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة