في خطوة وصِفت بأنها من أبرز المبادرات الرامية إلى إعادة رسم ملامح كرة القدم الليبية، احتضنت العاصمة طرابلس أعمال حوارية «مستقبل كرة القدم الليبية» تحت شعار «مشروع استراتيجي لبناء منظومة كروية مستدامة»، بمشاركة واسعة من مسؤولي الدولة والاتحاد الليبي لكرة القدم والخبراء والمدربين واللاعبين السابقين والحاليين، إلى جانب الإعلام الرياضي، بهدف الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمات إلى وضع مشروع وطني متكامل يقود اللعبة نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
الحوارية، التي نظمتها وزارة الرياضة برعاية رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقته» عبدالحميد الدبيبة، لم تقتصر على تبادل الآراء، بل انتهت بجملة من التوصيات العملية التي تمثل خريطة طريق لتطوير كرة القدم الليبية، مع تعهد حكومي بتوفير الدعم المالي والإداري لتنفيذ المقترحات الجادة.
انتقادات صريحة.. وتشخيص للأزمات
شهدت الجلسة الافتتاحية كلمات اتسمت بالصراحة، حيث قدم الدبيبة قراءة نقدية لواقع اللعبة، معتبرًا أن كرة القدم الليبية تعاني من تراكمات إدارية وفنية ومالية عطلت تطورها لسنوات، وأشار إلى أن الأندية تنفق مبالغ كبيرة على التعاقد مع لاعبين ومدربين أجانب دون وجود رؤية واضحة أو تخطيط طويل المدى، مؤكدًا أن العشوائية في سوق الانتقالات أصبحت تستنزف الميزانيات دون مردود فني حقيقي.
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
كما انتقد ظاهرة التغيير المستمر للمدربين، واصفًا التعاقدات بأنها تتم في كثير من الأحيان بعيدًا عن الدراسات الفنية، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الفرق ومستوى المنافسة، ولم تتوقف الانتقادات عند الجوانب الفنية؛ إذ أشار الدبيبة إلى أن بعض الأندية أصبحت ساحة للتجاذبات السياسية والتعصب، فضلًا عن تدخل مجموعات مسلحة في شؤونها، معتبرًا أن هذه الممارسات أضرت بمكانة الأندية وأثرت في عمل الاتحاد الليبي لكرة القدم.
وأكد في هذا السياق أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات السياسية والعسكرية، مشددًا على أن نجاح كرة القدم يبدأ باستقلالية المؤسسات الرياضية وإدارتها وفق قواعد احترافية.
مونديال 2030.. حلم مشروع
وأشار إلى أن الحكومة ستدعم أي خطة عملية تخرج بها الحوارية، معلنًا استعداده لاعتماد التوصيات وتوفير التمويل اللازم لتنفيذها، مع منح وزارة الرياضة مهلة شهرين لإعداد برنامج تطوير متكامل قبل انطلاق الموسم الجديد. كما أعلن عن تشكيل لجان متخصصة لزيارة الدول التي حققت نجاحات كبيرة في تطوير كرة القدم، بهدف الاستفادة من تجاربها ونقل أفضل الممارسات إلى ليبيا.
أحد أبرز محاور الحوارية كان التركيز على صناعة اللاعب منذ الصغر، إذ أكد المشاركون أن مستقبل الكرة الليبية يبدأ من المدارس والأكاديميات، وليس من التعاقدات الموسمية، وفي هذا الإطار كشف الدبيبة عن توجه حكومي يقضي بإلزام أي مدرسة جديدة بإنشاء ملعب رياضي ضمن مرافقها، مع إعادة تفعيل دوري المدارس باعتباره القاعدة الأساسية لاكتشاف المواهب.
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
كما أعلن عن الشروع في إنشاء أكاديمية رياضية متكاملة، إلى جانب هيئة عليا لدعم المنتخبات الوطنية، بما يضمن إعداد اللاعبين وفق برامج علمية متطورة، وصناعة أجيال قادرة على المنافسة قاريًا ودوليًا. وشدد المشاركون على أهمية تطوير المدربين والحكام والإداريين، باعتبارهم عناصر رئيسية في نجاح أي مشروع رياضي مستدام.
الملاعب خطوة مهمة
أكدت النقاشات أن تطوير البنية التحتية يمثل عنصرًا أساسيًا في مشروع الإصلاح، خاصة بعد استكمال عدد من الملاعب وفق المواصفات الدولية، وكشف رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» عن خطة لإنشاء عشرة ملاعب جديدة تتسع لنحو عشرة آلاف متفرج، مع منح الجنوب الليبي نصيبًا مهمًا من هذه المشاريع، بهدف تحقيق العدالة في توزيع المنشآت الرياضية.
غير أن الرسالة الأبرز التي خرجت بها الحوارية تمثلت في التأكيد على أن بناء الملاعب وحده لا يكفي، وأن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الإنسان، من خلال تطوير اللاعب والمدرب والإدارة الرياضية.
أيضًا خرجت الحوارية بمجموعة من التوصيات التي رسمت ملامح مشروع وطني طويل الأمد، أبرزها الإسراع في إنشاء هيئة لدعم المنتخبات الوطنية، واعتماد مشروع مركز المنتخبات باعتباره مشروعًا استراتيجيًا، كما أوصت بإعادة هيكلة اللجان الفنية داخل الاتحاد الليبي لكرة القدم، وتحديث اللوائح بما يواكب التطورات الحديثة، إلى جانب إعداد استراتيجية وطنية شاملة لتطوير اللعبة.
وشملت التوصيات وضع مسار واضح لتطوير اللاعب الليبي يبدأ من اكتشاف الموهبة مرورًا بالفئات السنية وصولًا إلى الاحتراف، مع إنشاء منتخبات للمناطق تعمل وفق فلسفة فنية موحدة، والاستفادة من اللاعبين المحترفين في الخارج، وفي الجانب المالي، دعت التوصيات إلى بناء نموذج اقتصادي مستدام للأندية والاتحاد، وتنويع مصادر التمويل، مع توظيف التكنولوجيا والتحول الرقمي في إدارة المسابقات والمؤسسات الرياضية.
كما أكدت أهمية تعزيز دور الإعلام الرياضي كشريك في عملية التطوير، وفتح قنوات مباشرة لتلقي مقترحات الجماهير والمهتمين بالشأن الكروي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة