شهدت تصفيات كأس العالم 1990 واحدة من أكثر الوقائع غرابة في تاريخ المنافسات الدولية، عندما ألغيت مواجهة ليبيا والجزائر، التي كان من المقرر إقامتها على ملعب طرابلس الدولي يوم 20 يناير 1989، على الرغم من اكتمال جميع ترتيباتها بحضور المنتخبين وطاقم التحكيم والمراقب الدولي، وامتلاء مدرجات الملعب بالجماهير، قبل أن يعلن الاتحاد الليبي لكرة القدم انسحاب المنتخب رسميًا ومنح نقاط المباراة للمنتخب الجزائري، في سابقة نادرة في تاريخ التصفيات المونديالية.
دخل المنتخب الليبي تصفيات كأس العالم بإيطاليا العام 1990 بعد عودة النشاط الدولي مطلع العام 1989، إثر توقف استمر ثلاث سنوات، حرم جيلًا كاملًا من اللاعبين من مواصلة مشوارهم الدولي، بعد أن كانت الكرة الليبية قد اقتربت من بلوغ نهائيات كأس العالم 1986.
وأوقعت القرعة المنتخب الليبي في المجموعة الأولى إلى جانب منتخبات الجزائر وساحل العاج وزيمبابوي، لتبدأ رحلة جديدة حملت الكثير من الآمال.
بداية واعدة أمام ساحل العاج
استهل المنتخب الليبي مشواره بمواجهة منتخب ساحل العاج في أبيدجان بقيادة المدرب الوطني أحمد بن صويد، وقدم أداءً قويًا على الرغم من خسارته بهدف دون رد.
وشهدت المباراة تألق الحارس مصباح شنقب، الذي تصدى لركلة جزاء نفذها النجم الإيفواري يوسف فوفانا، ليمنح منتخب بلاده فرصة البقاء في أجواء اللقاء حتى صفارة النهاية، وهو ما عزز التفاؤل بإمكانية تعويض التعثر في المباراة التالية أمام الجزائر بطرابلس.
أجواء متوترة قبل مواجهة الجارين
سبق المباراة المرتقبة توتر في الأجواء الرياضية بين ليبيا والجزائر، امتدادًا لتداعيات حادثة إصابة النجم الجزائري الأخضر بلومي خلال مباراة جمعت الاتحاد الليبي وفريق غالي معسكر الجزائري العام 1985، وهي الواقعة التي اتُّهم فيها قائد الاتحاد بوبكر باني، قبل أن يؤكد الطرفان لاحقًا أن الإصابة جاءت نتيجة احتكاك طبيعي داخل الملعب.
وعلى الرغم من تلك الأجواء، وصل المنتخب الجزائري إلى طرابلس بكامل نجومه باستثناء بلومي، بينما اكتملت صفوف المنتخب الليبي بجميع لاعبيه، وسط استعدادات كبيرة للمواجهة.
الجماهير ملأت المدرجات.. ثم جاءت المفاجأة
منذ ساعات الصباح الأولى ليوم المباراة، احتشدت الجماهير الليبية في مدرجات ملعب طرابلس الدولي، في انتظار مواجهة كانت توصف بقمة الجولة، فيما عقد الاجتماع الفني بحضور مسؤولي الاتحادين الليبي والجزائري، ومراقب المباراة، وطاقم التحكيم بقيادة الحكم الدولي التونسي ناجي الجويني.
- يوميات مونديالية (1).. يوسف الغول يمثل التحكيم الليبى في مونديال كأس العالم 1982
- يوميات مونديالية (2).. ليبيا تصعق المكسيك بثلاثية وتكسب دفعة معنوية قبل موقعة المغرب
- يوميات مونديالية (3).. كيف عجز بطل «مونديال 82» عن هزيمة الكاميرون بعد مراقبته في ليبيا؟
وخلال الاجتماع أعلن رئيس الاتحاد الليبي لكرة القدم آنذاك، عبداللطيف بوكر، انسحاب المنتخب الليبي رسميًا من المباراة، والتنازل عن نتيجتها لصالح المنتخب الجزائري، ليجرى توثيق القرار رسميًا وإبلاغ الاتحاد الدولي، وسط دهشة جميع الحاضرين.
الحكم التونسي: لم أشهد موقفًا مماثلًا
ووصف الحكم الدولي التونسي ناجي الجويني ما حدث بأنه كان مفاجئًا للجميع، مؤكدًا أن طاقم التحكيم أصيب بحالة من الاستغراب، معتبرًا الواقعة من أغرب ما شهده خلال مسيرته، خاصة أن كل الظروف كانت مهيأة لإقامة المباراة، من حضور المنتخبين والطاقم التحكيمي إلى امتلاء المدرجات بالجماهير.
رابح ماجر: شعرنا بالارتياح بعد إعلان الانسحاب
واستعاد النجم الجزائري رابح ماجر لاحقًا ذكرياته عن تلك الواقعة، مؤكدًا أنه شعر برهبة كبيرة قبل مواجهة المنتخب الليبي في طرابلس، بعدما لمس الحماس الجماهيري الكبير حتى خلال الحصة التدريبية الأخيرة.
وأشار إلى أن خبر انسحاب المنتخب الليبي منح لاعبي الجزائر ارتياحًا كبيرًا، بعدما كانوا يستعدون لخوض مباراة صعبة أمام منتخب قوي وبين جماهير غفيرة.
وضمت تشكيلة الجزائر آنذاك أسماء بارزة، من بينها رابح ماجر، وجمال مناد، وشريف الوزاني، وموسى صايب، وعبدالمجيد مغارية، وهو المنتخب الذي توج لاحقًا بلقب كأس الأمم الأفريقية العام 1990.
في المقابل، ضمت تشكيلة المنتخب الليبي عددًا من أبرز نجوم الكرة الليبية، يتقدمهم بوبكر باني، ومصباح شنقب، وفوزي العيساوي، والبشاري، وسالم الجهاني، وعزالدين بيزان، وونيس خير.
خيبة أمل أنهت حلم العودة
وبينما كانت الجماهير تنتظر صفارة البداية، جاء إعلان الانسحاب ليضع حدًا لآمالها في مشاهدة واحدة من أبرز مباريات التصفيات، لتتحول أجواء الحماس إلى حالة من الحزن وخيبة الأمل.
وشكلت تلك الواقعة بداية انتكاسة جديدة للكرة الليبية، إذ توقفت المشاركات الدولية مرة أخرى، لتدخل الرياضة الليبية مرحلة جديدة من الغياب، وتبقى مواجهة ليبيا والجزائر في تصفيات مونديال 1990 واحدة من أكثر الأحداث غرابة واستثنائية في تاريخ كرة القدم العالمية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة