أخبار ليبيا 24

بين فقر الليبيين وهدر المال العام.. الشريف: 450 دولارًا لا تشتري حياة كريمة وثروات البلاد تتسرب قبل أن تصل إلى المواطن

في وقت يواجه فيه المواطن الليبي ضغوطًا معيشية متزايدة، يضع الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية إدريس الشريف ملف المال العام والفقر أمام اختبار صعب، محذرًا من أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في ندرة موارد البلاد، بقدر ما تكمن، وفق طرحه، في كيفية تحصيلها وإدارتها وإنفاقها.

ويشير الشريف إلى أن اعتماد خط الفقر المدقع الدولي عند 3 دولارات للفرد يوميًا منذ يونيو 2025، بدلًا من 2.15 دولار وفق المعيار السابق، يعني حسابيًا أن أسرة من خمسة أفراد تصل إلى هذا الخط عند نحو 450 دولارًا شهريًا.

لكن الخبير الاقتصادي يحذر من التعامل مع هذا الرقم باعتباره دخلًا يكفي الأسرة الليبية للعيش، مؤكدًا أن الأمر يتعلق بحد إحصائي لقياس الفقر المدقع، وليس بتقدير لتكلفة الحياة الكريمة.

مصدر الصورة ليبيا تفتح جبهة جديدة لرفع إنتاج النفط والغاز وجذب الاستثمارات

450 دولارًا.. حد للفقر لا ثمن للحياة

ويؤكد الشريف أن الأسرة التي تعيش عند هذا المستوى لا يعني ذلك أنها قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية بصورة كافية، من الغذاء والسكن والملابس إلى العلاج والتعليم والكهرباء والمياه والنقل.

وبذلك، فإن الوصول إلى 450 دولارًا لأسرة مكونة من خمسة أفراد لا يمثل، بحسب طرحه، خروجًا من دائرة المعاناة، وإنما بلوغ حد إحصائي يفصل بين الفقر المدقع وما فوقه.

وهنا يطرح الشريف السؤال الأكثر إلحاحًا: كم عدد الأسر الليبية التي تعيش فعليًا تحت هذا الخط؟

السؤال لا يتعلق برقم اقتصادي مجرد، بل بصورة مباشرة بواقع آلاف الأسر التي تقيس قدرتها على الصمود بما يتبقى من دخلها بعد مواجهة أسعار السلع والسكن والخدمات والاحتياجات الأساسية.

مصدر الصورة الخبير الاقتصادي إدريس الشريف،

أين تذهب ثروة ليبيا؟

وفي الجانب الآخر من المشهد، يوجه الشريف الأنظار إلى ما وصفه بـ«الثقوب السوداء» التي تستنزف المال العام، معتبرًا أن تسرب الثروة يحدث، وفق توصيفه، عبر ثلاث مراحل متتابعة.

الثقب الأول، بحسب الشريف، يقع عند المنبع، حيث يشير إلى قطاعات النفط والاتصالات والاستثمارات، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات قد يتسرب قبل وصوله إلى حسابات الخزانة لدى المصرف المركزي.

أما الثقب الثاني، فيرتبط بالدولارات التي تصل إلى المصرف المركزي، حيث يتحدث الشريف عن تسرب جزء مهم منها من خلال ما وصفه بـ«الاعتمادات الوهمية».

ثم يأتي الثقب الثالث عند تحويل الإيرادات إلى إنفاق محلي، إذ يرى الشريف أن جزءًا مهمًا من الدينارات يتسرب عبر الإنفاق العام الذي وصفه بأنه منفلت من قيود الميزانية.

وبحسب هذا التصور، فإن النزيف لا يبدأ عند لحظة صرف الأموال فقط، وإنما قد يبدأ قبل أن تصل عوائد الموارد أصلًا إلى الخزانة، ثم يتكرر أثناء استخدام العملة الأجنبية، وصولًا إلى مرحلة الإنفاق المحلي.

المواطن أمام فاتورة الاختلال

ويرى الشريف أن هذه المنافذ، وفق وصفه، معروفة لدى الجهات المعنية، وأن مواجهتها يمكن أن تكون مدخلًا لمعالجة أزمة الأجور دون اللجوء مجددًا إلى تحميل المواطن تبعات تعديل سعر الصرف.

ويطرح الخبير الاقتصادي معادلة واضحة: وقف التسرب والهدر بالتوازي مع وضع جدول مرتبات عادل ومدروس يمكن، بحسب تقديره، أن يوفر موارد تسمح بزيادة أجور الفئات التي يصفها بالمغبونة، وعلى رأسها العاملون في التعليم والصحة.

وتحمل هذه الرؤية انتقادًا مباشرًا لفكرة البحث عن موارد إضافية عبر إجراءات يتحمل المواطن كلفتها، إذ يرى الشريف أن معالجة مكامن الهدر يجب أن تسبق تحميل القوة الشرائية للمواطن مزيدًا من الأعباء.

فالمواطن الذي يعاني أصلًا من ارتفاع كلفة احتياجاته الأساسية لا ينظر إلى سعر الصرف باعتباره رقمًا في جداول السياسة النقدية، بل باعتباره عاملًا ينعكس على الأسعار والدخل والقدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

مصدر الصورة
الفيتوري: مهلة سحب العملة قصيرة أربكت المواطنين الليبيين

السؤال الأصعب أمام إدارة الدولة

وتكشف ملاحظات الشريف عن معضلة تتجاوز حدود زيادة المرتبات أو تغيير سعر الصرف إلى السؤال الأوسع المتعلق بإدارة الثروة العامة: إذا كانت ليبيا تمتلك موارد وإيرادات كبيرة، فلماذا لا تنعكس بصورة أكثر وضوحًا على مستوى معيشة المواطن؟

وبينما لا يقدم الشريف في طرحه تقديرات رقمية لحجم الأموال المتسربة عبر المنافذ الثلاثة التي حددها، فإنه يضع أولوية مختلفة للإصلاح تقوم على سد منافذ الهدر والتسرب قبل البحث عن حلول يدفع المواطن كلفتها.

وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على عوائد النفط، تصبح الرقابة على دورة المال العام منذ لحظة تحصيل الإيراد وحتى إنفاقه مسألة تتصل مباشرة بالقدرة على تحسين الخدمات والأجور وحماية القوة الشرائية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية الـ450 دولارًا مجرد مؤشر للفقر المدقع، كما لا تبدو قضية «الثقوب السوداء» مجرد نقاش محاسبي؛ فالقضيتان تلتقيان عند المواطن الذي يجد نفسه في نهاية السلسلة أمام دخل محدود واحتياجات متزايدة، بينما تبقى إدارة الموارد العامة موضعًا دائمًا للتساؤل والمساءلة.

ويقدم الشريف، في جوهر طرحه، خيارًا مختلفًا: بدلًا من مطالبة المواطن بتحمل كلفة اختلالات جديدة في سعر الصرف، تبدأ المعالجة من الداخل، عبر وقف التسرب والهدر، وتشديد الرقابة على الإيرادات والإنفاق، وإعادة ترتيب أولويات الدولة بما يسمح بتوجيه موارد أكبر نحو الفئات الأكثر احتياجًا، وفي مقدمتها العاملون في التعليم والصحة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على صناع القرار والجهات الرقابية: كم من ثروة ليبيا يصل فعلًا إلى الموازنة، وكم منها يصل إلى المواطن؟